هداية.

هل وجوب الهجرة من عموم دار الكفر؟

📂 حديث وسنة #عقيدة #حديث #زواج #أذكار #معاملات

رددتُ سابقًا على تخصيص #محمد_بن_شمس_الدين لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أنا بريءٌ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" بالمقام في معسكرات الكفار دون عموم الدار.

واليوم سنذكر أدلة أخرى مع كلام العلماء تدل على تحريم المقام في عموم الدار؛ لننسف بها مقالة هذا الضال وأتباعه التي ابتدعوها في هذه الأيام، منكرين مسألة هي من أظهر المسائل في ديننا:

- قال تعالى: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.

قال الطبري في تفسيرها: "يعني -جلَّ ثناؤه- بذلك: فإِنْ أدْبَر هؤلاء المنافقون عن الإقرار بالله ورسوله، وتَولَّوْا عن الهجرة من دار الشركِ إلى دار الإسلام، وعن مفارقة أهل الكفر إلى الإسلام، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أيُّها المؤمنون، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ من بلادهم وغير بلادهم، أين أصَبْتُموهم مِن أَرضِ اللَّهِ، ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾" [ تفسير الطبري ].

فدل هذا على أن الهجرة من دار الشرك من أوجب الواجبات بعد الإيمان بالله.

- وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.

قال ابن كثير في تفسيرها: "هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهرانَي المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين؛ فهو ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع" [ تفسير ابن كثير ].

وقال ابن حجر العسقلاني بعد ذكره لهذه الآية: "وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ بَاقِيَةُ الْحُكْمِ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْكُفْرِ وَقَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا" [ فتح الباري ].

- وقال تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾.

قال الطبري في تفسيرها: "يقولُ تعالى ذكره: ولَيَعْلَمَنَّ أولياءُ اللهِ وحِزْبُه أَهلَ الإيمانِ باللهِ منكم أيُّها القومُ، وليَعْلَمُنَّ المنافقين منكم، حتى يَمِيزُوا كلَّ فريقٍ منكم مِن الفريقِ الآخرِ، بإظهارِ اللهِ ذلك منكم بالمحنِ والابتلاءِ والاختبارِ، وبمسارعةِ المُسارِعِ منكم إلى الهجرةِ من دارِ الشركِ إلى دارِ الإسلامِ، وتَثَاقُلِ المُتَثاقِلِ منكم عنها" [ تفسير الطبري ].

- وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

قال القرطبي: "وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾: فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ وَرَاقِبُوهُ فِيمَا جَعَلَ فتنةً لكم من أموالكم وَأَوْلَادِكُمْ أَنْ تَغْلِبَكُمْ فِتْنَتُهُمْ، وَتَصُدَّكُمْ عَنِ الْوَاجِبِ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ مِنَ الْهِجْرَةِ مِنْ أَرْضِ الْكُفْرِ إِلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ، فَتَتْرُكُوا الْهِجْرَةَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، بِمَعْنَى: وَأَنْتُمْ لِلْهِجْرَةِ مُسْتَطِيعِينَ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- قَدْ كَانَ عَذَرَ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهِجْرَةِ بِتَرْكِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُم﴾. فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ عَفَا عَمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدِي سَبِيلًا بِالْإِقَامَةِ فِي دَارِ الشِّرْكِ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ؛ أَنْ تَتْرُكُوهَا بِفِتْنَةِ أَمْوَالِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ كُفَّارٍ تَأَخَّرُوا عَنِ الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِتَثْبِيطِ أَوْلَادِهِمْ إِيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ" [ تفسير القرطبي ].

- وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.

قال الطبري في تفسيرها: "يقول تبارك وتعالى لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: قل يا محمد للمتخلفين عن الهجرة إلى دار الإسلام، المقيمين بدار الشرك: إن كان المقام مع آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم، وكانت (أموال اقترفتموها) يقول: اكتسبتموها، (وتجارة تخشون كسادها) بفراقكم بلدَكم، (ومساكن ترضونها) فسكنتموها، (أحب إليكم) من الهجرة إلى الله ورسوله، من دار الشرك ومن جهاد في سبيله، يعني: في نصرة دين الله الذي ارتضاه، (فتربصوا) يقول: فتنظّروا (حتى يأتي الله بأمره)" [ تفسير الطبري ].

- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا" [ سنن أبي داود ].

قال البغوي في شرحه: "وَكُلُّ مَنْ أَسْلَمَ الْيَوْمَ فِي بَلْدَةٍ مِنْ بِلادِ أَهْلِ الشِّرْكِ؛ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِمُفَارَقَتِهَا، وَالْهِجْرَةِ عَنْهَا إِلَى دَارِ الإِسْلامِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ -عَلَيْهِ السَّلامُ-" [ شرح السنة ].

وقال أيضًا: "وَقَوْلُهُ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ» أَرَادَ بِهَا هِجْرَةَ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْكُفْرِ، عَلَيْهِ أَنْ يُفَارِقَ تِلْكَ الدَّارَ، وَيَخْرُجَ مِنْ بَيْنِهِمْ إِلَى دَارِ الإِسْلامِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ، لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا»" [ شرح السنة ].

ونرى أن البغوي أيضًا حمل حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- على عموم الدار، فهذا مما يُرَدُّ به على تحريف ابن شمس لهذا الحديث.

- ورُوي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْعَدُوُّ" [ مسند أحمد ].

قال ابن تيمية في شرحه:"أي من دار الكفر، وكذلك النصرة والجهاد لا يزال مأمورًا به إلى يوم القيامة" [ جامع المسائل ].

- ورُوي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا تنقَطِعُ الهجرةُ ما قُوتِلَ الكُفَّارُ" [ سنن النسائي ].

قال سحنون في شرحه: "وإنما الهجرة اليوم من دار الكفار إلى دار الإسلام، مثل أن يسلم بدار الكفر، عليه أن يهاجر" [ النوادر والزيادات للقيرواني ].

- وكذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في وصيته المشهورة لسراياه وأمرائه: "ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ" [ صحيح مسلم ].

وهنا أشار -صلى الله عليه وسلم- إلى وجوب الهجرة من عموم الدار.

قال أبو بكر الجصاص في الحديث: "فلم يجرِ عليهم أحكام المسلمين إلا بالهجرة من دار الحرب إلينا، فدلّ على أن أحكامنا غير جارية على أهل دار الحرب ومن كان فيها" [ شرح مختصر الطحاوي ].

- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللهُ عنه" [ صحيح البخاري ].

- قال ابن تيمية في شرحه: "وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ؛ فَإِنَّهُ هَجْرٌ لِلْمَقَامِ بَيْنَ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ لَا يُمَكِّنُونَهُ مِنْ فِعْلِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَمِنْ هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾" [ مجموع الفتاوى ].

- كلام أهل العلم:

قال الإمام أحمد: "فَلَا يسكن بَين ظهراني قوم يحكمون بِغَيْر حكم الإسلام" [ مسائل عبد الله ].

وقال أبو بكر البيهقي: "فَأَمَّا دَارُ حَرْبٍ أَسْلَمَ فِيهَا مَنْ يَخَافُ الْفِتْنَةَ عَلَى دِينِهِ، وَلَهُ مَا يُبَلِّغُهُ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يُهَاجِرَ" [ السنن الكبرى ].

وقال الماوردي: "وَيَكُونُ فَرْضُ الْهِجْرَةِ عَلَى مَنْ آمَنَ فِيهَا بَاقِيًا مَا بَقِيَ لِلشِّرْكِ دَارٌ" [ الحاوي الكبير ].

وقال أبو يعلى الحنبلي: "من تجب عليه الهجرة بكل حال ولا يجوز له المقام، وهو من لا يقدر على إظهار الإسلام في دار الحرب" [ الأمر بالمعروف ].

وقال ابن العربي المالكي: "الهجرة، وهي الخروجُ من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فَرْضًا في أيّام النّبيِّ -عليه السّلام-، وهذهَ الهجرةُ باقيةٌ إلى يوم القيامة، والّتي انقطعت بالفَتْحِ هي القَصْدُ إلى النّبيِّ -صلّى الله عليه وسلم- حيث كان، فمن أسلم وكان في دار الحربِ؛ وجبَ عليه الخروج إلى دار الإسلام" [ المسالك ].

وقال البغوي: "رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس -رضي الله عَنهُ- أَن النَّبِي -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- قَالَ يَوْم الْفَتْح: «لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة، وَإِذا استنفرتم فانفروا»، فَأَرَادَ بِهِ الْهِجْرَة من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة. وَهِي بَاقِيَة فِي حق كل من أسلم فِي دَار الْحَرْب وَلم يقدر على إِظْهَار دينه وَقدر على الْهِجْرَة؛ فَيجب عَلَيْهِ أَن يُهَاجر إِلَى دَار الْإِسْلَام. قَالَ النَّبِي -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم-: «أَنا بَرِيء من كل مُسلم مَعَ مُشْرك لَا ترَاءى نارهما»" [ التهذيب ].

وهنا أيضًا يُحمل الحديث على عموم الدار.

وقال النووي:"قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" [ شرح الصحيح ].

وقال: "الْهِجْرَة: الِانْتِقَال من دَار الْحَرْب إِلَى دَار الْإِسْلَام" [ تحرير الألفاظ ].

وقال في المرأة: "وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي -يعني القاضي عياض-: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، إِلَّا الْهِجْرَةَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ؛ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تُهَاجِرَ مِنْهَا إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَحْرَمٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ إِقَامَتَهَا فِي دَارِ الْكُفْرِ حَرَامٌ إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ إِظْهَارَ الدِّينِ، وَتَخْشَى عَلَى دِينِهَا وَنَفْسِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ التَّأَخُّرُ عَنِ الْحَجِّ" [ شرح الصحيح ].

فالمقام في دار الكفر جرم عظيم، حتى إن العلماء أجازوا للمرأة الخروج منها بغير محرم.

وقال: "وأما الهجرة من دار الكفار اليوم فواجبةٌ وجوبًا متأكدًا على من قدر عليها، إذا لم يقدر على إظهار دين الإسلام هناك، فإن قدر استُحبَّ ولا يجب، والله تعالى أعلم" [ بستان العارفين ].

وقال: "الْمُسْلِمُ إِنْ كَانَ ضَعِيفًا فِي دَارِ الْكُفْرِ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ، حَرُمَ عَلَيْهِ الْإِقَامَةُ هُنَاكَ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهِجْرَةِ؛ فَهُوَ مَعْذُورٌ إِلَى أَنْ يَقْدِرَ" [ روضة الطالبين ].

وقال ابن قدامة: "وتجب الهجرة على من لم يقدر على إظهار دينه في دار الحرب، وتُستحب لمن قدر على ذلك، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار" [ عمدة الفقه ].

وقال ابن أبي عمر: "الهجرةُ: هي الخروجُ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإِسْلامِ. قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «أنا بَرِئٌ مِنْ مُسْلِمٍ بَيْنَ مُشْرِكِين». رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمذِىُّ" [ الشرح الكبير ].

وهنا يحمل الإمام ابن أبي عمر المقدسي الحنبلي هذا الحديث على عموم الدار.

وقال بهاء الدين المقدسي: "الهجرة: الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام" [ شرح المقنع ].

وقال ابن العطار: "ولا شكَّ أنَّ الهجرة اليوم واجبة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، لمن قدر على ذلك" [ العدة ].

وقال: "أمَّا سفر الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، فاتَّفق العلماء على وجوبه" [ العدة ].

وقال ابن رجب الحنبلي: "والهجرة عند الإطلاق في كتاب السنة إنما تنصرف إلى هجران بلد الشرك إلى دار الإسلام" [ فتح الباري ].

وقال أيضًا: "وأصل الهجرة: هجران بلد الشرك والانتقال منه إلى دار الإسلام، كما كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى مدينة النبي -صلى الله عليه وسلم-" [ جامع العلوم والحكم ].

وقال الذهبي: "فأما دار حرب أسلم فيها من يخاف الفتنة على دينه، وله ما يبلغه إلى دار الإسلام؛ فعليه أن يهاجر" [ المهذب ].

وفي هذا كفايةٌ لمن أراد الحق، وسنتكلم في مبحث آخر عن معنى "إظهار الدين" الذي يسقط به وجوب الهجرة عن المسلم إن قام به، وهل معناه هو مجرد القيام بالصلاة والصيام والزكاة أم هو شيء آخر أكبر من ذلك؟

و قال محمد بن عبد الوهاب في الأصول الثلاثة:والهِجْرَةُ: الانتقالُ من بلدِ الشِّركِ إلى بلدِ الإسلامِ.

والهِجْرَةُ فَريضةٌ على هذهِ الأُمَّةِ من بلدِ الشِّركِ إلى بلدِ الإسلامِ، وهي باقيةٌ إلى أن تقومَ السَّاعةُ.

والدَّليلُ قولُهُ تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ۝ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ۝ فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.

وقولُهُ تعالى:

﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾.

قالَ البَغَوِيُّ رحمهُ اللهُ تعالى:

«سببُ نزولِ هذهِ الآيةِ: في المسلمينَ الذينَ بمكَّةَ لم يُهاجروا، ناداهمُ اللهُ باسمِ الإيمانِ».

والدَّليلُ على الهجرةِ من السُّنَّةِ قولُهُ ﷺ:

«لا تنقطعُ الهجرةُ حتَّى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطعُ التوبةُ حتَّى تطلعَ الشَّمسُ من مغربِها».

وبالله التوفيق.

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام