هداية.

ما هو تعريف العرش عند أهل السنة ؟ وهل هو الملك واستولى الله عليه أم هو جسم مجسم مخلوق كما قال البيهقي ؟

📂 حديث وسنة #عام

معتقد أهل السنة والجماعة في العرش:

من محاسن أهل السنة والجماعة وأهمِّ ما يميِّزهم عن غيرهم تمسُّكهم بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعدم معارضتهما بالأهواء الكاسدة والآراء الفاسدة؛ “فيؤمنون بأن الله عز وجل خلق العرشَ واختصَّه بالعلو والارتفاع فوقَ جميع ما خلَق، ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه” أه‍

أصول السنة لابن أبي زمنين (88).

وهذه المسألة لم يختلف فيها أهلُ السنة والجماعة قاطبة، ولم يتهوَّكوا فيها تهوُّك أهل البدع.

يقول ابن بطه رحمه الله:

“وأجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله تبارك وتعالى على عرشه، فوق سماواته، بائنٌ من خلقه، وعلمُه محيط بجميع خلقه، لا يأبى ذلك ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلوليَّة، وهم قومٌ زاغت قلوبهم، واستهوتهم الشياطين فمرقوا من الدين” أه‍

الإبانة الكبرى (7/136).

فأهلُ السنة والجماعة يؤمنون بعرش الرحمن، وأنه :

مخلوقٌ

عظيم

كريم

مجيدٌ؛

قد تمدَّح الله تعالى بربوبتيه له؛ فقال سبحانه:

{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129]،

وقال سبحانه:

{رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 116]،

وقال عز وجل:

{ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ} [البروج: 15]، بجرِّ {الْمَجِيدِ} صفة للعرش، وهي قراءة حمزة والكسائي" انظر

السبعة في القراءات لابن مجاهد (678).

ومعنى العرش في تلك الآيات وغيرها: السرير؛

يقول أبو جعفر الطبري عند تفسير قوله تعالى:

{وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} [الزمر 75]: “يعني بالعرش: السرير”

جامع البيان (271/20)

ويقول البيهقي:

“وأقاويل أهل التفسير على أن العرشَ هو السرير، وأنه جسمٌ مجسَّم، خلقه الله تعالى وأمر ملائكته بحملِه، وتعبَّدهم بتعظيمه والطَّواف به، كما خلق في الأرض بيتًا وأمر بني آدم بالطواف به، واستقباله في الصلاة، وفي أكثر هذه الآيات دلالة على صحَّة ما ذهبوا إليه، وفي الأخبار والآثار الواردة في معناه دليل على صحة ذلك وقال تبارك وتعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} [البقرة: ٢٥٥] . وروينا عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: علمه. وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور المذكور مع العرش" أه‍ الأسماء والصفات (272/2)

وقد أخبرنا الله سبحانه أنَّ عرشه كان على الماء قبل أن يخلقَ السموات والأرض؛

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7].

وأخبرنا سبحانه أن للعرش حملةً من الملائكة؛

فقال تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [غافر: 7]، وقال سبحانه: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17].

ونبأنا نبيُّنا صلى الله عليه وسلم بأنَّ للعرش قوائم؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تخيِّروا بين الأنبياءِ، فإنَّ الناسَ يُصعَقون يومَ القيامة، فأكون أوَّلَ من تنشقُّ عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذٌ بقائمةٍ من قوائم العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق، أم حوسب بصعقة الأولى»

البخاري (2412)،

ومسلم (2374)،

كما أعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن العرش سقفُ الجنة، وأعلى المخلوقات؛ فقال صلى الله عليه وسلم:

«فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوسَ، فإنه أوسطُ الجنة وأعلى الجنة -أراه- فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة»

البخاري (125(9) ح 7423

ومما قرره الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنَّ العرش فوق السموات؛ فقال -وقوله في هذا له حكم الرفع-:

“بين سماء الدنيا والتي تليها مسيرةُ خمسمائة عام، وبين كل سماءين مسيرةُ خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين الكرسي مسيرةُ خمسمائة عام، وبين الكرسي وبين الماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله تبارك وتعالى فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه”

الأسماء والصفات (2/291)

وسنده صحيح

فالواجب علينا هو الإيمان بذلك كلِّه، من غير تحديدٍ لكيفية العرش ومعرفة كنهه؛ إذ هو من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه.

استواء الله تعالى على العرش:

وأعظم ما يجب اعتقادُه في ذلك: ما أخبرنا الله سبحانه وتعالى من استوائه على العرش، وقد تكرَّر ذكر ذلك في سبع آيات من كتاب الله تعالى؛ فقال سبحانه:

{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، وقال عز وجل:

{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [يونس: 3]،

وقال سبحانه:

{اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الرعد: 2]،

وقال تقدست أسماؤه:

{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]،

وقال تعالى:

{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 59]،

وقال سبحانه:

{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [السجدة: 4]،

وقال سبحانه:

{هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: 4].

وكلها -كما ترى- جاءت بلفظ: {اسْتَوَى} المتعدِّي بحرف الجر {عَلَى} الذي يدلُّ صراحة على العلوِّ والارتفاع.

وهذه الآياتُ من جملة الأدلَّة الدالة على إثبات صفة العلو لله تعالى على خلقِه عمومًا، كما تثبِت صفةَ العلوِّ على العرش خصوصًا.

كما دلَّ على هذا المعنى الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال:

"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إنَّ رحمتي غَلبت غضبي»

البخاري (3194)،

ومسلم (2751).

لذا قرر هذه العقيدةَ علماءُ أهل السنة والجماعة قاطبةً؛ فهذا الإمام البخاري يترجم في آخر الجامع الصحيح، في كتاب الرد على الجهمية: “باب قوله تعالى:

{وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7]، قال أبو العالية:

{اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29]: ارتفع… وقال مجاهد: {اسْتَوَى}: علا {عَلَى الْعَرْشِ}”

وتفسير الاستواء على العرش بهذا المعنى محلُّ إجماع بين أهل العلم من السلف،

يقول الإمام إسحاق ابن راهويه: “قال تعالى:

{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}: إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كلَّ شيء في أسفل الأرض السابعة” أه‍

العلو للذهبي (179)

شبهات المخالفين:

وبالرغم من وضوح ذلك وذيوعه بين علماء أهل السنة، إلا أنَّ أهلَ البدع وأرباب الضلالة يأبون إلا مخالفتَه ومعارضتَه بأهوائهم، فتارة تأوَّلوا الاستواء على غير معناه، وتارة حرَّفوا العرش على خلاف حقيقتِه، ودونَك أبرز شبهاتهم متبوعةً بالرد عليها.

الشبهة الأولى: شبهة تأويل العرش بالملك:

زعم بعض الجهمية:

الرد على الجهمية للدارمي (33)

أن معنى العرش في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} هو الملك، ورأى بعض المعتزلة أنه كناية عن الملك" أه‍

الكشاف للزمخشري (3/52)

الجواب عن تلك الشبهة:

هذا التأويل بعيد، غير مقبول ولا معروف عند أهل اللغة؛ يقول ابن قتيبة: “وطلبوا للعرش معنًى غير السرير، والعلماء باللّغة لا يعرفون للعرش معنى إلا السرير وما عرش من السقوف وأشباهها، وقال أمية بن أبي الصلت:

مَجِّدُوا الله وهُـــــو للمَجْدِ أهـــــل … ربُّنا في السَّماء أمْسَـــــى كبِيـــــرَا

بالبِناء الأعْلَى الذي سَبَق النَّا … سَ وسوَّى فوقَ السَّماء سريرَا

شَرْجَعًـــــا لا ينـــــاله بـــــصرُ العَيْـــــ … ـــــنِ تَرى دُونَه الملائِك صُـــــورَا”

الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية لابن قتيبة (47-48)

وكيف يصحُّ تأويلهم هذا مع مخالفته الصريحةِ للآيات والأحاديث؛ ألا ترى إلى قوله تعالى:

{وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17]، فهل يصحُّ أن يقال في معناه: يحمل مُلك ربِّك؟!

ثم هو مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم:

«فإذا أنا بموسى آخذٌ بقائمةٍ من قوائم العرش»

البخاري (2412)

أفيصحُّ أن يقال: إن موسى -عليه السلام- أخَذ بقوائم الملك، لا بقوائمِ العرش؟!

لذا يقول ابن الجوزي: “وقد شذَّ قوم فقالوا: العرش بمعنى الملك. وهذا عدولٌ عن الحقيقة إلى التجوُّز، مع مخالفة الأثر، ألم يسمعوا قوله عز وجل: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7]؟! أتراه كان الملك على الماء؟! وكيف يكون الملك ياقوتة حمراء؟! * “ أه‍

زاد المسير في علم التفسير (2/128).

* يقول ابن حجر في فتح الباري (13/415):

“وقع في مرسل قتادة أن العرش من ياقوتة حمراء، أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه… وله شاهد عن سهل بن سعد مرفوع، لكن سنده ضعيف”.

الشبهة الثانية: شبهة تأويل الاستواء بالاستيلاء:

ادَّعى بعض المعتزلة والجهمية والحرورية، ومتأخِّرو الأشاعرة أن معنى استوى: استولى، وحجَّتهم في هذا بيتان من الشعر:

أحدهما قول الشاعر:

حتى استَوى بِشرٌ على العراق … من غير سيفٍ ودمٍ مهراق

والآخر:

هما استويا بفضلهما جميعًا … على عرش الملوك بغير زور

وقد أشاعوا هذا في دروسهم ومحاضراتهم.

الجواب عن تلك الشبهة من وجهين:

الوجه الأول: رد أبي الحسن الأشعري لهذا التأويل الفاسد:

يقول أبو الحسن الأشعري: “وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قول الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}: أنه استولى وملك وقهر، وأن الله تعالى في كلِّ مكان، وجحدوا أن يكون الله عز وجل مستوٍ على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة. ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرقَ بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله تعالى قادر على كلِّ شيء، والأرض لله سبحانه، قادر عليها، وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء -وهو تعالى مستولٍ على الأشياء كلِّها- لكان مستويًا على العرش، وعلى الأرض، وعلى السماء، وعلى الحشوش والأقذار؛ لأنه قادر على الأشياء مستولٍ عليها.

وإذا كان قادرًا على الأشياء كلِّها ولم يجز عند أحدٍ من المسلمين أن يقول: إن الله تعالى مستوٍ على الحشوش والأخلية -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا-، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عامّ في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختصُّ بالعرش دون الأشياء كلها” أه‍

الإبانة عن أصول الديانة (108-109)

الوجه الثاني: أنه تأويل لا يعرفه أهل اللغة:

هذا التأويل قد أنكره كبار علماء اللغة العربية؛ حيث يروي لنا داود بن عليٍّ أنه كان عند ابن الأعرابي (ت 231هـ)، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله، ما معنى قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}؟ قال: هو على عرشه كما أخبر، فقال الرجل: ليس كذاك، إنما معناه: استولى، فقال: اسكُت، ما يدريك ما هذا؟! العرب لا تقول للرجل: استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضادّ، فأيهما غلبَ قيل: استولى، والله تعالى لا مضادَّ له، وهو على عرشه كما أخبر، ثم قال: الاستيلاء بعد المغالبة،

قال النابغة:

أَلا لمثلك أَو مَن أَنْت سابِقَه … سبق الْجوادَ إِذا استَوْلى على الأمَدِ

العلو للذهبي (180-181)

ويقول ابن الجوزي: “والبيتان لا يعرف قائلهما كذا قال ابن فارس اللغوي، ولو صحَّا فلا حجة فيهما؛ لما بينا من استيلاء من لم يكن مستوليًا نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسِّمة”

زاد المسير في علم التفسير (2/129).

ألا إنَّ السعيدَ منِ اتبع نهجَ السلف؛ متمسِّكًا بهدي الكتاب والسنة، وترك المراء والجدال بالأهواء والآراء؛ متمثلًا في ذلك قول الإمام مالك -رحمه الله- محذِّرًا من مسالك أهل البدع وطرائقهم:

“أوَكلما جاءنا رجلٌ أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل -عليه السلام- على محمد صلى الله عليه وسلم لجدله؟!”

حلية الأولياء (6/324)،

والعلو للذهبي (138)

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام