هل هذا الحديث صحيح "أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ المُشْرِكِينَ"؟
رددتُ في المنشور السابق على تضعيفه لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ المُشْرِكِينَ".
والآن سأرد على تحريفه لمعنى الحديث، وتخصيصه المُقام في "معسكراتهم" دون عموم الدار، وهذا لم يسبقه إليه أحد.
قال الشافعي رحمه الله شارحاً للحديث: "فَأَحْسِبُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَعْطَى مَنْ أَعْطَى مِنْهُمْ مُتَطَوِّعًا، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ -وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- فِي دَارِ الشِّرْكِ، لِيُعْلِمَهُمْ أَنْ لَا دِيَاتِ لَهُمْ وَلَا قَوَدَ" [ الأم ].
فحمل رحمه الله الحديث على المُقام في "دار الشرك" عموماً ولم يخصصه في المعسكرات.
وكذا قال ابن عبد البر: "وقد بَقِي مِن الهجرةِ بابٌ باقٍ إلى يوم القيامةِ، وهو المسلمُ في دارِ الحربِ إذا أُطْلِقَت أَسْرَتُه، أو كان كافرًا فأسْلَم، لم يَحلَّ له المُقامُ في دارِ الحربِ، وكان عليه الخرُوجُ فرضًا واجِبًا. قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «أنا بَرِيءٌ مِن كلِّ مسلم مع مشرِكٍ». وكيف يجوزُ لمسلم المُقَامُ في دارٍ تَجرِي عليه فيها أحكامُ الكفر، وتكونُ كلمتُه فيها سُفْلى ويَدُه وهو مسلمٌ؟ هذا لا يجوزُ لأحَدٍ" [ التمهيد ].
وهنا حمل الحديث على المقام في دار الكفر ولم يخصصه في المعسكرات.
لكن يجب أن ننبه على مسألة من باب التعامل معه على قدر عقله؛ لأنه في أحد مقاطعه السابقة التي هاجم فيها الدولة وجنودها، فسر معنى دار الحرب بأنها الدار التي تحارب المسلمين، وهذه كارثة!
ففي نص ابن عبد البر الذي تقدم ذكره، جعل رحمه الله كل دار تعلوها أحكام الكفر "دار حرب".
وقال ابن القاسم المالكي: "وَكَانَتْ الدَّارُ -يعني مكة- يَوْمئِذٍ دَارَ الْحَرْبِ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ ظَاهِرَةً يَوْمئِذٍ" [ المدونة ].
وقال ابن مفلح الحفيد: "دَارِ الْحَرْبِ، وَهِيَ مَا يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْكُفْرِ" [ المبدع ].
فإن عرفنا هذا، فقد قال ابن حزم أيضاً: "وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أَقَامَ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» يُبَيِّنُ مَا قُلْنَاهُ، وَأَنَّهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- إنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ دَارَ الْحَرْبِ" [ المحلى بالآثار ].
وكذا قال ابن مفلح الحفيد: "وَتَجِبُ الْهِجْرَةُ عَلَى مَنْ يَعْجَزُ عَنْ إِظْهَارِ دِينِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ -وَهِيَ مَا يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْكُفْرِ- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الْآيَاتِ، وَلِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَلِمَ؟ قَالَ: لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ" [ المبدع ].
فهذا الحديث يُحمل عند أهل العلم على المُقام في ديار الكفر، ولم يخصصه أحد منهم بمعسكراتها دون عموم الدار التي تجري فيها أحكام الكفر.
أما احتجاجه بقصة الحديث، فمردودٌ بأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما اتفق العلماء، وعموم اللفظ عند السلف والمتأخرين يدل على حرمة المُقام في عموم الدار التي تجري عليها أحكام الشرك.
وحاول الأحمق الاستدلال بالجزء الأخير من الحديث: "لا تراءى ناراهما" ليخصصه في نار المعسكرات! وجوابه صلى الله عليه وسلم لم يكن تعليلاً، بل كان من باب التشبيه وضرب الأمثال، وهذا الأسلوب لا يقتضي الحصر عند الفقهاء كما ذكر شيخ الإسلام في الاستقامة.
وحتى لو أخذنا اللفظ بنفس سطحية هذا الجاهل، فلا يوجد فيه ما يدل على تخصيصه بنيران المعسكرات دون نيران عموم المشركين، قبح الله الجهل!
طيب ما هو تفسير قوله: "لا تراءى ناراهما"، وهل قصد صلى الله عليه وسلم النار المشتعلة حرفياً؟
قال ابن القيم في شرحه: "والذي يظهر من معنى الحديث: أن النار هي شعار القوم النزول وعلامتهم، وهي تدعو إليهم، والطارق يأنس بها، فإذا ألمّ بها جاور أهلَها وسالمهم، فنار المشركين تدعو إلى الشيطان وإلى نار الآخرة، فإنها إنما توقد في معصية الله، ونار المؤمنين تدعو إلى الله وإلى طاعته وإعزاز دينه، فكيف تتفق الناران وهذان شأنهما؟ وهذا من أفصح الكلام وأجزله، المشتملِ على المعنى الكثير الجليل بأوجز عبارة" [ تهذيب سنن أبي داود ].
وقال ابن الأثير في شرحه: "وقوله -صلى الله عليه وسلم- هذا الجواب عاريًا من حرف التعليل، مستعملاً على طريق التشبيه والتجوز والاتساع، فيه من الفصاحة والبلاغة والإشارة اللطيفة المعروفة من كلامه؛ ما ليس في ظهور ذلك في الخطاب، يعرفه ممن كان ذا خاطر لمَّاح وذوق دراك، والله أعلم" [ الشافي ].
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام