ما هي أفضلية جهاد الفريضة على طلب العلم ؟
عندما يكون الجهادُ جهادَ فريضةٍ، يكون أفضلَ من طلب العلم.
قال ابن هانئ: "وسُئِلَ -يعني الإمام أحمد-: طلبُ العلمِ أحبُّ إليك أم الجهاد؟ قال: لا يعدلُ الجهادَ شيءٌ" [ مسائل ابن هانئ ].
وكلامه -رحمه الله- يُحمَل على جهاد الفريضة، لا على جهاد التطوع؛ لأنَّ طلبَ العلمِ أفضلُ من جهاد التطوع.
قال أبو بكر الجصاص: "فَإِنْ قِيلَ: تَعَلُّمُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ أَمْ جِهَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ قِيلَ لَهُ: إذَا خِيفَ مَعَرَّةُ الْعَدُوِّ وَإِقْدَامُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ بِإِزَائِهِ مَنْ يَدْفَعُهُ فَقَدْ تَعَيَّنَ فَرْضُ الْجِهَادِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ؛ فَالِاشْتِغَالُ فِي هَذِهِ الْحَالِ بِالْجِهَادِ أَفْضَلُ مِنْ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الْعَدُوِّ إذَا وَقَعَ بِالْمُسْلِمِينَ لَمْ يُمْكِنْ تَلَافِيهِ، وَتَعَلُّمُ الْعِلْمِ مُمْكِنٌ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ. وَلِأَنَّ تَعَلُّمَ الْعِلْمِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ لَا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَمَتَى لَمْ يَكُنْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ مَنْ يَدْفَعُهُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ تَعَيَّنَ فَرْضُ الْجِهَادِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَمَا كَانَ فَرْضًا مُعَيَّنًا عَلَى الْإِنْسَانِ غَيْرَ مُوَسَّعٍ عَلَيْهِ فِي التَّأْخِيرِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْفَرْضِ الَّذِي قَامَ بِهِ غَيْرُهُ، وَسَقَطَ عَنْهُ بِعَيْنِهِ؛ وَذَلِكَ مِثْلُ الِاشْتِغَالِ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا هُوَ أَوْلَى مِنْ تَعَلُّمِ عِلْمِ الدِّينِ فِي تِلْكَ الْحَالِ إذْ كَانَ الْفَرْضُ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ. فَإِنْ قَامَ بِفَرْضِ الْجِهَادِ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ وَغِنًى فَقَدْ عَادَ فَرْضُ الْجِهَادِ إلَى حُكْمِ الْكِفَايَةِ كَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَوْلَى، وَأَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ عُلُوِّ مَرْتَبَةِ الْعِلْمِ عَلَى مَرْتَبَةِ الْجِهَادِ؛ فَإِنَّ ثَبَاتَ الْجِهَادِ بِثَبَاتِ الْعِلْمِ وَإِنَّهُ فرعٌ له ومبنيٌّ عليه" [ أحكام القرآن ].
ولا يتسعُ المقام لذكر أفضلية طلب العلم على جهاد التطوع، ولعلي أفردُ له منشورًا آخر بإذن الله.
وفي أفضلية جهاد الفريضة على طلب العلم، قال الجد ابن رشد المالكي: "رأى مالكٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ- لأهل الإسكندرية المقام بها، إذ هي مَحرَسٌ يخشى العدو فيها، أفضل لهم من الإقامة عنده لتعلم العلم" [ البيان والتحصيل ].
وقال: "وطلبُ العلمِ أفضلُ أعمال البرِّ، رُوِيَ عن النبيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أنه قال: «ما أعمالُ البرِّ كلُّها في الجهادِ إلا كبصقةٍ في بحرٍ، وما أعمالُ البرِّ كلُّها والجهادُ في طلبِ العلمِ إلا كبصقةٍ في بحرٍ»، فنصَّ في هذا الحديث على أنَّ طلبَ العلم أفضلُ من الجهادِ، ومعناه في الموضع الذي يكون فيه الجهاد فرضًا على الكفاية إذا كان قد قِيْمَ به؛ لأنه حينئذٍ يكون له كافلةٌ، وأما القيام بفرض الجهاد في الموضع الذي يتعين فيه الجهاد على الأعيان، فلا شكَّ أنه أفضل من طلب العلم" [ البيان والتحصيل ].
وقال أيضًا في موضع آخر معلقًا على نفس الحديث: "ومعناه في الموضع الذي يكون فيه الجهاد فرضًا على الكفاية، لا في الموضع الذي يكون متعيّنًا على الأعيان". [ البيان والتحصيل ].
وقال النووي: "ما دام الجهاد فرضَ كفاية، فالاشتغال بالعلوم أفضل، وإِن صار الجهاد فرضَ عين فهو أفضل من العلم" [ فتاوى النووي ].
والجمعُ بينهما ممكنٌ إلا عند دخول المعارك، ومَنْ جمعَ بينهما بلغ ذروة الأجر.
عن إسحاق بن أبي فروة: "أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ: أَهْلُ الْعِلْمِ وَأَهْلُ الْجِهَادِ"، قالَ: "فَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ فَدَلُّوا النَّاسَ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَأَمَّا أَهْلُ الْجِهَادِ فَجَاهَدُوا عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ" [ الفقيه والمتفقه للخطيب ].
فكيف بمن جمع بين الأمرين!
وقال ابن القيم: "وإنما جُعِلَ طلبُ العلم من سبيل الله؛ لأنَّ به قِوامَ الإسلام، كما أنَّ قِوامَه بالجهاد، فقِوامُ الدِّين بالعلم والجهاد" [ مفتاح دار السعادة ].
وبالله التوفيق.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام