ما هي أفضلية الجهاد على الحج ؟
جهاد التطوع، بحيث تكون الكفاية موجودة، أفضل من حج التطوع.
قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: "عَلَيْكُمْ بِالْحَجِّ فَإِنَّهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَالْجِهَادُ أَفْضَلُ مِنْهُ" [ المصنف لابن شيبة ].
هذا الأثر صححه ابن النحاس في مشارع الأشواق.
وقال ابن أبي شيبة: "حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، نا سُفْيَانُ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: سَفْرَةٌ -يَعْنِي غَزْوَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ- أَفْضَلُ مِنْ خَمْسِينَ حَجَّةً" [ المصنف ].
وصححه ابن النحاس.
وقال الخرقي: "قال أحمد، رحمه الله: ولا أعلم شيئا من العمل بعد الفرض أفضل من الجهاد" [ المختصر ].
وقال ابن قدامة: "قالَ الأثْرَمُ: قال أحمدُ: لا نعلمُ شيئًا من أبوابِ البرِّ أفْضلَ من السَّبِيلِ. وقال الفضلُ بنُ زيادٍ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ، وذُكِرَ له أمْرُ الغَزْوِ؟ فجعلَ يبكى، ويقول: ما مِنْ أعْمالِ البِرِّ أفضلُ منه. وقال عنه غيرُه: ليس يَعْدِل لقاءَ العَدُوِّ شَىْءٌ. ومباشَرَةُ القتالِ بنفسِه أفضلُ الأعمالِ، والذين يُقاتلونَ العَدُوَّ، هم الذين يَدْفَعُونَ عن الإِسلامِ وعن حَرِيمِهِمْ، فأىُّ عَمَلٍ أفضلُ منه! الناسُ آمنونَ وهم خائِفونَ، قد بَذَلُوا مُهَجَ أَنْفُسِهِم" [ المغني ].
وقال: "الجِهادَ بَذْلُ المُهْجَةِ والمالِ، ونَفْعُه يَعُمُّ المسلمين كُلَّهم؛ صغيرَهم وكبيرَهم، قَوِيَّهم وضَعِيفَهم، ذكَرَهم وأُنْثَاهُم، وغيرُه لا يُساوِيه في نفْعِه وخطَرِه، فلا يُساوِيه في فضْلِه وأجْرِه" [ المغني ].
قال ابن تيمية: "وَالْجِهَادُ أَفْضَلُ مَا تَطَوَّعَ بِهِ الْإِنْسَانُ، وَتَطَوُّعُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}، {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ}، {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. وَفِي الصَّحِيحِ: {أَنَّ رَجُلًا قَالَ: لَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ إذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ سَأَلْته عَنْ ذَلِكَ. فَسَأَلَهُ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ}، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْجِهَادَ أَفْضَلُ مِنْ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالطَّوَافِ، وَمِنْ الْإِحْسَانِ إلَى الْحُجَّاجِ بِالسِّقَايَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْد الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَلِهَذَا كَانَ الرِّبَاطُ فِي الثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ" [ مجموع الفتاوى ].
والمعتمد عند أئمتنا المالكية أن حج التطوع أفضل من جهاد التطوع، والقلب يميل لما تقدم من الأدلة.
قال الدسوقي المالكي: "وَإِنْ كَانَ الْجِهَادُ غَيْرَ مُتَعَيَّنٍ كَانَ الْحَجُّ وَلَوْ تَطَوُّعًا أَفْضَلَ مِنْ الْغَزْوِ" [ حاشية الدسوقي ].
فيا ليت شعري أين فضل جهاد التطوع من حج التطوع؟ بل أصول المذهب وقواعده تدل على أفضلية جهاد التطوع على تعجيل حج الفريضة.
قال الجد ابن رشد المالكي: "فالجهاد عندى لهم أفضل من تعجيل الحج؛ اذ قد قيل: انه على التراخى، وهو الصحيح من مذهب مالك، رحمة الله، الذى تدل عليه مسائله" [ مسائل ابن رشد ].
وللإمام أحمد أيضاً قول في تفضيل حج التطوع على تعجيل حج الفريضة.
قال ابن هانئ: "سألته عن رجل قدم يريد الغزو ولم يحج، فنزل على قوم ثبطوه عن الغزو، وقالوا: إنك لم تحج؟ قال أبو عبد اللَّه: يغزو ولا عليه، فإن أعانه اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عليه حج، لا نرى بالغزو قبل الحج بأسًا" [ مسائل ابن هانئ ].
فكيف يكون إذن حج التطوع أفضل من جهاد التطوع؟
وقد أنصف الجد ابن رشد في هذه المسألة وقال: "وموضع السؤال انما هو فيمن حج حجة الفريضة، والسبيل مأمونة، هل الحج أفضل له، أم الجهاد؟ والذى أقول به: أن الجهاد له أفضل، لما ورد فيه من الفضل العظيم" [ مسائل ابن رشد ].
وأما حج الفريضة فهو أفضل من جهاد التطوع.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ؟ قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ" [ صحيح البخاري ].
قال ابن رجب الحنبلي: "فإنْ كانَ الحجُّ مفروضًا؛ فهوَ أفضلُ مِن التَّطوُّعِ بالجهادِ؛ فإن فروضَ الأعيانِ أفضلُ مِن فروضِ الكفاياتِ عندَ جمهورِ العلماءِ". [ لطائف المعارف ].
وقال ابن النحاس: "حجة الإسلام أفضل من الجهاد إذا كان فرض كفاية" [ مشارع الأشواق ].
ويلخص ما سبق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حَجَّةٌ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ خَيْرٌ مِنْ عَشْرِ غَزَوَاتٍ، وَغَزْوَةٌ لِمَنْ قَدْ حَجَّ خَيْرٌ مِنْ عَشْرِ حِجَجٍ" [ السنن الكبرى للبيهقي ].
فحج الفريضة أفضل من جهاد التطوع، وجهاد التطوع أفضل من حج التطوع.
أما تعجيله فليس بفرض، فلهذا كان جهاد التطوع أفضل من تعجيله.
أما جهاد الفريضة فهو أفضل من فريضة الحج، ومقدم عليه عند التزاحم.
وقال أبو هريرة: "سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ" [ صحيح البخاري ].
وقال ابن بطال: "فإن حّلَّ العدو ببلدة واحتيج إلى دفعه، وكان له ظهور وقوة وخيف منه؛ توجه فرض الجهاد على العيان، وكان أفضل من الحج" [ شرح الصحيح ].
وقال ابن تيمية: "فإذا كان فرض عينٍ قُدِّم على كلِّ ما يزاحمه من فروض الأعيان؛ يُقَدَّم على إيتاء الزكاة، وعلى الصيام، وعلى الحجِّ, وعلى برِّ الوالدين، وعلى طاعة السيِّد والأب، وعلى قضاء الدَّين. ولهذا قال الفقهاء: إذا حَضَر العدوُّ بلدًا وجب الجهادُ على كلِّ أحدٍ، حتى يغزو العبد بدون إذن سيده، والولدُ بدون إذن والده، والمرأة بدون إذن زوجها، والغريمُ بدون إذن غريمه" [ جامع المسائل ].
وقال ابن النحاس: "الجهاد إذا صار فرض عين فهو مقدم على حجة الإسلام؛ لوجوب فعله على الفور" [ مشارع الأشواق ].
قال ابن رشد الجد: "وأما في المكان الذى يتعين فيه على الأعيان فهو أفضل من حجة الفريضة، قولا واحدا؛ للاختلاف فيه" [ مسائل ابن رشد ].
وقال الدسوقي المالكي: "فَإِنْ كَانَ الْجِهَادُ مُتَعَيَّنًا بِفَجْأَةِ الْعَدُوِّ أَوْ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ، أَوْ بِكَثْرَةِ الْخَوْفِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الْحَجِّ سَوَاءٌ كَانَ تَطَوُّعًا، أَوْ وَاجِبًا، وَحِينَئِذٍ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِفَوْرِيَّةِ الْحَجِّ" [ حاشية الدسوقي ].
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام