ما حكم المساجد التي تحتوي على مِلل شتّى؟
لقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عما سيكون في آخر الزمان.
فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال: «كانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَنِ الخَيْرِ، وكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلتُ يا رَسولَ اللهِ إنَّا كُنَّا في جَاهِلِيَّةٍ وشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بهذا الخَيْرِ، فَهلْ بَعْدَ هذا الخَيْرِ مِن شَرٍّ؟ قالَ: نَعَمْ قُلتُ: وهلْ بَعْدَ ذلكَ الشَّرِّ مِن خَيْرٍ؟ قالَ: نَعَمْ، وفيهِ دَخَنٌ قُلتُ: وما دَخَنُهُ؟ قالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ بغيرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ منهمْ وتُنْكِرُ قُلتُ: فَهلْ بَعْدَ ذلكَ الخَيْرِ مِن شَرٍّ؟ قالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ إلى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَن أَجَابَهُمْ إلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا؟ فَقالَ: هُمْ مِن جِلْدَتِنَا، ويَتَكَلَّمُونَ بأَلْسِنَتِنَا قُلتُ: فَما تَأْمُرُنِي إنْ أَدْرَكَنِي ذلكَ؟ قالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وإمَامَهُمْ، قُلتُ: فإنْ لَمْ يَكُنْ لهمْ جَمَاعَةٌ ولَا إمَامٌ؟ قالَ فَاعْتَزِلْ تِلكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، ولو أَنْ تَعَضَّ بأَصْلِ شَجَرَةٍ، حتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وأَنْتَ علَى ذلكَ».
لذلك لا يجوز للمسلم الصلاة معهم في هذه المساجد, فالنبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن ذلك.
قالَ : فَاعْتَزِلْ تِلكَ الفِرَقَ كُلَّهَا : الإعتزال ليس في البيع والشراء والأكل والشرب فقط, وإنما الاعتزال في أمر الدين -فهذا الذي فيه الخطورة-
لأن الشراء والبيع والإجارة والوكالة للكافر وغير ذلك من أمور الدنيا ليست حراما.
أما متابعة الكافر في دينه وجعْله إمامًا فهذا هو الكُفر بذاته.
والله سبحانه وتعالى قال: { يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ﴿٧١﴾ } سورة الإسراء
أخبرنا الله تعالى أنه سيدعو كل إنسان بإمامه:
فمن كان إمامه صوفيّا: جاء خلف الصوفية يوم القيامة.
ومن كان إمامه علمانيًا: جاء خلفه يوم القيامة.
ومن كان إمامه يجمع بين هؤلاء جميعًا -كالإمام الذي عليه أثر السُنة وهو يحكم لهؤلاء جميعًا بالإسلام-, فهذا الإمام أكفر من هؤلاء جميعًا لأنه يرى العلمانيين والصوفية إخوة في الدين بمجرد تلفظهم ب (لا إله إلا الله), وإن كان الواحد منهم لا يدين لهذا الإسلام بشيء ولا بالولاء لله سبحانه وتعالى وللمؤمنين.
فهذا الإمام مِن أكفر خلق الله سبحانه وتعالى.
ومَن كان هذا إمَامه في الدنيا فسيكون يوم القيامة أيضا إمامه.
أما منِ اتخذ إمامًا مسلمًا: فسيبعثه الله مع المسلمين يوم القيامة..
وقد جاء في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يُوشِكُ أنْ يَكونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بهَا شَعَفَ الجِبَالِ ومَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ»
النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على هذا المسلم الذي لايخالط الناس في وقت ظهور الفِرق والفِتن. فيُصلي الجمعة وكل الصلوات لوحده ولا يخالطهم لا في عيد ولا في جمعة ولاغيرها.
كذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة باعتزال هذه الفِرق -في أمر الدين- فهو إذن لن يُصلي معهم لا جمعة ولا جماعة ولا أي صلاة.
والله سبحانه وتعالى أمرنا -حتى لا نحشر مع هؤلاء- أن : نفارق المشركين ونتبرأ منهم ونتبع الرسول صلى الله عليه وسلم, ويوم القيامة لنا حجة بالغة أننا فارقنا هؤلاء ولم نصاحبهم في دينهم واتبعنا الرسول وحده, ولم نشرك في اتباعه أحدًا ولم نشرك بالله سبحانه وتعالى شيئًا ولم نُوالِ أحدا يدعو غير الله سبحانه.
فقد نهى الله سبحانه وتعالى عن ولاء هؤلاء المشركين فقال : { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴿٢٨﴾ } سورة آل عمران
لذلك نحن لا نصلي إلا خلف من كان مسلما يَدين بدين الإسلام :
-يَدين بديننا ويتبرأ من المشركين.
- يوالي أهل الإسلام.
- لا يتبع إلا رسول الله صلى الله عليه سلم.
- لا يُشَرّع في الدين.
- ينبذ الخلاف والفُرقة في الدين, فالله سبحانه وتعالى نهانا عن الفُرقة في الدين لقوله عز وجل { وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿٣٢﴾ } سورة الروم
وهذه المساجد -مساجد المنافقين الذين يريدون أن يجمعوا هذه الأصناف الشتى وهذه الفِرق المتناحرة في الدين, يجمعهم صفٌ واحد لكن قلوبهم قلوب الشياطين متفرقين في الدين- : هي مِن أخطر أنواع المساجد.
فهي قد جمعت أصنافا متنوعة من المشركين
وكل واحد يصلي بطريقته:
- بعضهم يقرأ الفاتحة, والبعض يرى أنها ليست واجبة.
- بعضهم يرى أن التكبيرة في الصلاة واجبة, والآخر يرى أنها ليست كذلك.
- بعضهم يرى أن متابعة الإمام واجبة, والبعض الآخر يتأخر عن الإمام والبعض يسابق الإمام.
- بعضهم يفترش رجله, والذي بجانبه لا يفترش.
نسأل الله السلامة والعافية.
لهذا على من يريد النجاة: أن يتبرأ من هذه الفرق ويعتزلها ويفارقها كما جاء في حديث حذيفة وحديث أبي سعيد الخدري رضيَ الله عنهما.
وعليه أن يدعو الله أن لا يبعثه مع هؤلاء وأن لا يجعله مع القوم الظالمين.
هذا الحديث ذكر ثلاث طبقات مرّت بها أمة الإسلام:
• الطبقة الأولى: ما كان قبل الإسلام من "الجاهلية والشر" وهي الطبقة التي سبقت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فجاء بعدها الخير.
• الطبقة الثانية: حصول الشر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها "دخَنٌ" [ مشتق من الدخان والمعنى: أنه سيدخل بعض الشر في الخير ]
وعرّف هذا الدخان بأنه: "قَوْمٌ يَهْدُونَ بغيرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ منهمْ وتُنْكِرُ"
فيكون غالب حال الناس أنهم يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم, لكن بعضهم يخالف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم -يهدون بغيره هديه-
• الطبقة الثالثة -وهي الخطيرة- : طبقة الدُّعاة إلى أبواب جهنم التي تأتي بعد هذا الخير.
قال النبي صلى الله عليه وسلم في صفتهم: "ويَتَكَلَّمُونَ بأَلْسِنَتِنَا"
أي: يتكلمون بإسم الدين وبإسم سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبإسم الدعوة إلى الله وطاعة الله سبحانه وتعالى.
لكن هؤلاء الناس يستخدمون هذا اللسان في إضلال الناس وتقليب الأمور عليهم, وتلبيس الحق بالباطل كما كان يفعل أهل الكتاب -يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق-
فيتكلمون بإسم الحق وهم ليسوا من أهل الحق، ثم يلبسون الحق بالباطل فيقولون كلمة واحدة من الحق ومئة كلمة من الباطل أو أزيد.
فهؤلاء الناس دُعاة إلى أبواب جهنم يسوقون الناس إلى النار بألسنتهم.
"هُمْ مِن جِلْدَتِنَا" : يعني هم مِن بني آدم -حتى لا يحسبهم الناس مِن شياطين الجن وهُم من شياطين الإنس- فيبدّلوا ويغيّروا ما كان على أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
مَن أَجَابَهُمْ إلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا.
قال: قُلتُ: فَما تَأْمُرُنِي إنْ أَدْرَكَنِي ذلكَ؟
قالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وإمَامَهُمْ : وهذا فيه دليل على أنه عندما يحدث هذا الأمر سيكون المسلمون جماعة معينة فقط -قِلة قليلة ولهم إمام-, والنبي صلى الله عليه وسلم أمَرَهُ أن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم.
وفي هذا الحديث بيان لحرص حذيفة بن اليمان الشديد على أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن كل الإفتراضات التي من الممكن أن تحصل.
قال: قُلتُ فإنْ لَمْ يَكُنْ لهمْ جَمَاعَةٌ ولَا إمامٌ؟
يعني إذا لم أجد مسلمين ولا إمامهم.
( ونشير هنا أن الجماعة تقام ولو باثنين )
قالَ له: فَاعْتَزِلْ تِلكَ الفِرَقَ كُلَّهَا.
إذن: أمَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم حذيفةَ بن اليمان باعتزال الفرق.
فإما جماعة المسلمين وإما فرَق.
وهذه المساجد الآن كلها فِرَق, فنجد مساجد للتيجانية ومساجد للقادرية, ومساجد للسلفية وهي أقسام وأشكال متنوعة بالداخل,ثم مساجد للتنظيمات..
ومن أسوأ المساجد: هي تلك التي جمعت بين الشركاء المتشاكسين: فيصلي في الصف الواحد
قبوري يعبد القبر من دون الله.
وبجانبه علماني يرى فصْل الدين عن الدولة وأن الدين لا علاقة له بحياة الناس.
وبجانبه قتاليٌّ لا يرى إلاَّ القِتال ولا يعرف عن الإسلام شيئا.
وتجد ثالثا ورابعا وخامسا عامّيون يرون الولاء لجميع هؤلاء المشركين فيعتبرونهم إخوانهم ويزوجونهم بناتهم.
وتجد إمامهم في الصلاة يحكم لهم كلهم بالإسلام ويقول لهم إخوتي في الله وأحبتي في الدين.
فهذا إذن مسجد يجمع كل هذه الأصناف الشتى.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام