كيف نعتز بالسلف الصالح والرعيل الاول ؟
بينما يستقبل المسلمون عاما هجريا جديدا بعد عام مثقل بالمحن والجراحات في جسد الأمة شرقها وغربها يحسن بنا أن نذكر إخواننا المسلمين بالأصول والمنطلقات التي عاش عليها السابقون الأولون في عهد النبوة والخلافة الراشدة ونالوا بها عزّ الدنيا والآخرة، فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين.
أمة الإسلام، إن سلفك الأولين سادوا الأمم . وخضع لهم العرب والعجم وتربعت أمجادهم على ذرى القمم، وما نالوا ذلك
إلا بسيرهم على منهاج النبوة قولا وعملا دعوة وجهادا، ولا سبيل لعزك ومجدك اليوم إلا بالسير على خطاهم واقتفاء آثارهم، ورقي مراقبهم وإليك بعض معالم طريقهم.
اعلمي أمة الإسلام، أن سلفك الأولين لم يحتكموا لغير شريعة الله تعالى التي نزلت في الكتاب والسنة، فكانت الشريعة عندهم هي نظام الحكم الوحيد الذي يحتكمون إليه في أمور دينهم ومعاشهم فلم يحتكم نبيك وصحابته إلى الدساتير الأرضية ولا إلى محاكم الكفر الدولية، ولم يقدموا على شرع الله تعالى أمرا كائنا ما كان فكما آمنوا بالله ربا خالقا رازقا آمنوا به حكما عدلا.
ثم اعلمي أمة الإسلام أن سلفك لم يتخذوا وسيلة أو يسلكوا سبيلا لرفع الظلم وتغيير الواقع غير الجهاد الذي يسميه العالم اليوم "تطرفا "، وتلك غزوات نبيك وصحابته والتابعين الفاتحين شاهدة ضاربة في عمق ذاكرة الإسلام وتاريخه السامي، وكان يكتب في سيرة الواحد منهم شهد المشاهد كلها أو شهد غزوة كذا وكذا.
واليوم لما اتبع الناس سبلا أخرى في التغيير غير سبيل المؤمنين، لم تجلب لهم هذه السُبل سوى المذلة والمهانة والضعف والتفرق، أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده، ثم قال: (هذا سبيل الله مستقيما)، وخط على يمينه وشماله، ثم قال: (هذه السبل؛ ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ: {وَأَنَّ هُذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}".
بل اللافت لكل ذي عقل أن كل طرائق وسبل التغيير الأخرى تخالف الجهاد وتحاربه، فانظروا مثلا إلى السلمية وأنصارها والديمقراطية وأربابها والوطنية وعبادها كلهم يحاربون المجاهدين ويناصبونهم العداء! فأيهما أولى بالاتباع والاقتداء ؛ سبيل ربكم ونبيكم، أم سبل الغواية والشقاء؟
أمة الإسلام إن سلفك كانوا أصوب الناس منهجا وأصحهم طريقة وأقومهم سبيلا، لقد كان منهجهم التوحيد الذي بعث الله به جميع رسله لقوله تعالى:{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}، وعقيدتهم الولاء والبراء، يوالون ويحبون المسلمين أينما كانوا ينصرونهم ويؤيدونهم، ويبغضون ويعادون الكافرين والمرتدين أيا كانوا ويحاربونهم ويتبرأون منهم، كما قال تعالى: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّه وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم..}، وهذه هي ملة أبيكم إبراهيم عليه السلام التي امتدحها الله في كتابه
وحثنا على اتباعها فقال تعالى: {قُلْ صَدَقَ الله فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }، قال ابن كثير: " أي اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله في القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وهي الطريقة التي لم يأت بأكمل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم " . أهـ، فهذه هي ملتك أمة الاسلام، لا نعرف لك ملة سواها ولن يقبل الله من نبي عبد غيرها كما أخبر سبحانه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ }.
واعلمي أمة الإسلام، أن الإسلام لم ينتصر في عهد نبيك وأصحابه إلا بالهجرة والجهاد والجماعة، ولذا انقسم الناس في عهده إلى أنصار ومهاجرين إخوة متحابين على البر والتقوى متعاونين وما زالت الهجرة ماضية إلى قيام الساعة كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنقطع الهجرة ما قوقل الكفار). رواه النسائي وأما عن فضل الهجرة والنصرة والجهاد فقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مُغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)، وقال سبحانه وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَبًا كَثِيرًا وَسَعَةُ). قال ابن كثير: "هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين".
فيا أمة الإسلام بالتوحيد بملة إبراهيم بالولاء والبراء، بالهجرة والجهاد بذلك تعودين لعزّك ومجدك التليد، وتعود لك الخيرية، فعودي إلى ذلك العهد عودي سيرتك الأولى، تعد لك السيادة والريادة، وبغير ذلك فلا حل ولا أمل، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها إِنَّ الله لا يُغَيرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا.
ثم اعلمي أمة الإسلام، أن الكافرين لا يشنون عليك حروبا عسكرية وحسب يقتل فيها أبناؤك وتهدم منازلك، بل يشنون عليك حروبا أخطر أثرا وأعمق ضررا حروبا فكرية منهجية يبغون من خلالها هدم دينك وتقويض أركان عقيدتك، ومن ذلك أنهم ينادونك إلى وهم "التعايش" وسراب "الإنسانية" ويقصدون بها أن يستوي الإنسان المؤمن والكافر وعبد الله وعبد الوثن وأن يستوي المسلم واليهودي والنصراني والبوذي والهندوسي والرافضي بل والملحد.. فكلهم تجمعهم "رابطة الإنسانية" وبإمكانهم "التعايش" بغض النظر عن المعتقد!! والله تعالى يقول: {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ}، بل أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد على كفار عصره الذين أرادوا أن يعايشوه على حساب دينه، فقال له: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ... لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}.
وأنت أمة الإسلام لك دينك الحق وللكافرين دينهم الباطل لك التوحيد ولهم الشرك، فأين هذا من ذاك؟! بل اعلمي أمة الإسلام أنه لن تتحقق أوهام "التعايش" و"الإنسانية" إلا في حالة واحدة هي أن تتركي دينك وصلة أبيك وتتبعي ملل اليهود والنصارى باسم "الحداثة والمدنية والديمقراطية". قال تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ.
وبعد فهذه تذكرة وتبصرة في الأسس والمسلمات التي سار عليها أهل القرون المفضلة، سقناها تذكرة وتبصرة لأبناء الأمة مطلع العام الهجري، ليصححوا مسارهم ويجددوا إيمانهم ويشحذوا هممهم ويتداركوا ما فاتهم وليحذروا مزالق الجاهلية ومسالكها ويسلكوا صراط ربهم مستقيما، {إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ}
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام