هداية.

كيف نرد على شبهة (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)؟

📂 تاريخ إسلامي #عام

يُعظم علماء المرجئة وعلماء الحكومات هذا الحديث في أعين الناس حتى استقر عند كثير من طلبة العلم أن من كفر مسلم فهو كافر -وهذا قول باطل- حتى تورع كثيرٌ من طلبة العلم عن تكفير الطواغيت ، ووجد من يتورع عن قول حتى -ظالم- للطاغوت ، ويتبين ضلال هذا القول من وجوه عديده :- ...

- أن عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- كفر حاطب بن أبي بلتعة لأنه فعل جُرماً عظيماً ، والدليل على ذلك أن الله ناداه باسم الإيمان في قوله : {يا أيها الذين ءآمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} الآية [الممتحنة / 1] ، لمّا أراد الرسول صلى الله عليه وسلم فتح مكة كتب حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : (دعني أضرب عنق هذا المنافق) ، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على عمر ولم يغضب ، وقال : ((وما يُدريك يا عمر لعل الله أطلع على أهل بدر فقال أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) -وأصل القصة في البخاري- ، ومع ذلك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : أنت تكفيري تكفر المسلمين وأنت من الخوارج ، كما يقول علماء الحكومات اليوم لأهل التوحيد ، ومع ذلك بوب البُخاري في (صحيحه) على هذه القصة ، وقال : (باب من لم يرى إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلاً).

- وقال ابن القيم -رحمه الله- على قصة حاطب وما فيها من الفوائد : ( وفيها : أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولاً وغضباً لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظّه ، فإنه لا يكفر بذلك ، بل لا يأثم به ، بل يُثاب على نيته وقصده ، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع ، فإنهم يُكفِّرون ويُبدِّعُون لمخالفة أهوائهم ونحلهم ، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدَّعوه ). {زاد المعاد 3 / 372}

- وأيضاً ما ثبت في البخاري من حديث جابر بن عبد الله ، أن معاذاً كان يُصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي قومه فيصلي بهم ، فقرأ بالبقرة ، فتجوز رجل فصلى صلاةً خفيفة ، فبلغ ذلك معاذاً ، فقال : إنه منافق ، فأخبر الرجل النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم ينكر قول معاذ للرجل ولكن أنكر الإطالة ، فقال : (أفتّان أنت يا معاذ -قالها ثلاثاً- اقرأ "والشمس وضحاها" و "سبح أسم ربك الأعلى" ونحوها).

- وأيضاً ما حصل للصحابة في قصة الإفك ، والحديث عند البخاري من حديث عائشة في كتاب التفسير سورة النور ، لما صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر وقال : (يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلاَّ خيراً ، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاَّ خيراً . وما كان يدخل على أهلي إلاَّ معي) ، فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال يا رسول الله ، أنا أعذرك منه ، إن كان من الأوس ضربت عُنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ، قالت -أي عائشة رضي الله عنها- : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلً صالحاً ، ولكن احتملته الحميَّة ، فقال لسعد : كذبت لعمر الله لا تقتله ، ولا تقدر على قتله ، فقام أُسيد بن حُضير وهو ابن عم سعد ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتُلنَّه ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين ... إلى آخر القصة.

- فجعل أُسيد بن حُضير سعد بن عبادة منافق ، ويجادل عن منافق يعني عبد الله بن أبي سلول ، ومعروف من هو سعد بن عباده ! ومع ذلك لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على أُسيد ولم يقل إنك تكفيري أو خارجي ، مثل ما يقول علماء الحكومات للترقيع لطواغيتهم ، وما قام أحد من أهل التوحيد وصدع به وتبرأ من الطواغيت إلاَّ قالوا له هذا الكلام ، حتى الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- ، لمّا صدع بالتوحيد وسب الطواغيت وعاداهم ، قالوا عنه علماء السوء إنه خارجيّ تكفيري مثل اليوم سواءً بسواء ، فنعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى .

- وأما معنى الحديث : (فقد باء بها) أي باء بالإثم ، يعني أنه آثم ولا يجوز ذلك ، أما من قال إنه كُفر فقوله ضعيف بعيد جداً ، فليُنتبه لذلك ، ومن أراد مزيد بحث فليرجع إلى كلام الشيخ عبد الله أبو بطين -رحمه الله- في (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) (5 / 511).

- وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن -رحمه الله- : ( إن كان : المكفِّر لبعض صُلحاء الأمة متأولاً مخطئاً ، وهو ممن يسوغ له التأويل ، فهذا وأمثاله ممن رُفع عنه الحرج والتأثيم ، لاجتهاده ، وبذل وسعه ، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعه ، فإن عمر رضي الله عنه وصفه بالنفاق ، وأستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((وما يُدريك أن الله اطلع على أهل بدر ، فقال : أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) . ومع ذلك فلم يُعنف عمر ، على قوله لحاطب : إنه قد نافق ؛ وقد قال الله تعالى : {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطئنا} [البقرة / 286] وقد ثبت : أن الربَّ تبارك وتعالى ، قال بعد نزول هذه الآية وقراءة المؤمنين لها ((قد فعلت)) وأما إن كان : المكفِّر لأحد من هذه الأمة ، يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان ، من كتاب الله وسنة نبيه ، وقد رأى كفراً بواحاً ، كالشرك بالله ، وعبادة ما سواه ، والاستهزاء به تعالى ، أو بآياته ، أو رسله ، أو تكذيبهم ، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق ، أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله ، ونحو ذلك ، فالمكفِّر بهذا وأمثاله ، مصيب مأجور ، مطيع لله ورسوله ). {الدرر السنية 12 / 260 , 261}

- وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين -رحمه الله- : ( هل من كفر مسلماً فقد كفر؟) : فأجاب عفا الله عنه : ( لا أصل لهذا اللفظ فيما نعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما الحديث المعروف : "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" ومن كفَّر إنساناً ، أو فسقه . أو نفقه ، متأولاً ، غضباً لله تعالى ، فيُرجى العفو عنه كما قال عمر رضي الله عنه في شأن حاطب بن أبي بلتعه ، أنه منافق ، وكذا جرى من غيره من الصحابة وغيرهم ... وقول الجُهال : إنكم تكفرون المسلمين ، فهذا ما عرف الإسلام ولا التوحيد ، والظاهر : عدم صحة إسلام هذا القائل ، فإن لم ينكر هذه الأمور التي يفعلها المشركون اليوم ، ولا يراها شيئاً فليس بمسلم ). {مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 1 / 654 , 655}

- فانتبه رعاك الله لكلام علماء المسلمين الصادقين . فهذا خلافاً لعلماء الحكومات الذين خوَّفوا الطلبة من التكفير ، حتى اصبح طواغيت العرب الذين يُحكمون غير الشريعة ، ويتحاكمون إلى غير الشريعة ، أنهم ليسوا كفار بل مسلمين ، وسابّ الله يُتوقف في تكفيره !! فنبرأ إلى الله من هذا الضلال ، ونعوذ به من هذا التلبيس.

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام