هداية.

سَائِلٌ يَسْأَلُ: يَقُولُ بَعْضُ الْمُطَبِّلِينَ وَأَتْبَاعِ الْجَوْلَانِيِّ إِنَّهُمْ مَجْبُورُونَ عَلَى تَنْفِيذِ أَوَامِرِ الْكُفَّارِ وَتَحْكِيمِ الْقَوَانِينَ الْوَضْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ الْيَوْمَ أَقْوَى مِنَّا، وَيَمْتَلِكُونَ أَسْلِحَةً حَدِيثَةً وَمُتَطَوِّرَةً لَا نَمْتَلِكُهَا، وَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْمَعَارِكِ وَالْحُرُوبِ الَّتِي كَانَ يَخُوضُهَا النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْفَارِقَ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ بِالْعَدَدِ فَقَطْ، لَا بِجِنْسِ السِّلَاحِ وَنَوْعِهِ. فَالْيَوْمَ الْوَضْعُ مُخْتَلِفٌ تَمَامًا، فَنَحْنُ الْيَوْمَ نَفْتَقِرُ إِلَى جِنْسِ السِّلَاحِ وَنَوْعِهِ، بَلْ حَتَّى مُضَادُّهُ لَيْسَ مُتَوَفِّرًا عِنْدَنَا، فَكَيْفَ سَنُوَاجِهُ الْكُفَّارَ إِذَا لَمْ نُسَايِسْهُمْ وَنُنَفِّذْ أَوَامِرَهُمْ؟

📂 حديث وسنة #حديث #تاريخ #سحر وعين

أقولُ وباللهِ التوفيقُ: إنَّ هذا الكلامَ عارٍ عن الصحةِ جملةً وتفصيلاً؛ إذ إنَّ التفاوتَ الكَبيرَ في جنسِ السلاحِ ونوعيتِه وعَتادِه كان أمراً واقعاً وموجوداً منذُ عهدِ النبيِّ ﷺ، واستمرَّ سُنَّةً جاريةً إلى يومِنا هذا.

ولنا في التاريخِ العسكريِّ الإسلاميِّ خيرُ دليلٍ؛ ففي معركةِ بدرٍ الكبرى، كان عَدَدُ المسلمينَ﴿ 313 ﴾ رجلاً فقط، ولم يكن معهم سِوى فرسينِ اثنينِ و﴿ 6 ﴾ دروعٍ.

وفي المقابلِ، كان قوامُ جيشِ كفارِ قريشٍ نحو ﴿ 1000﴾ مقاتلٍ، يمتلكونَ﴿ 100﴾ فرسٍ، و﴿ 700 ﴾ بعيرٍ، مدججينَ بأدرعٍ وأسلحةٍ كاملةٍ. وعلى الرغم من أنَّ الفارقَ في العَدَدِ والعتادِ كان هائلاً وشاسعاً بين الفئتينِ، إلا أنَّ النصرَ كان حليفاً للمسلمين بفضلِ اللهِ ثم قوةِ إيمانِهم.

❖قال الإمام البغوي : وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ... وكان فيهم سبعون بعيرا وفرسان فرس للمقداد بن عمرو وفرس لمرثد بن أبي مرثد وأكثرهم رجالة وكان معهم من السلاح ستة أدرع وثمانية سيوف .

ومشركو مكة كانوا ﴿ تسعمائة وخمسين رجلا من المقاتلة﴾ رأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، وفيهم ﴿مائة فرس﴾ .

معالم التنزيل للبغوي ﴿ 2/ 14﴾

وفي معركة مؤتة: كان المسلمون﴿ 3 آلاف مقاتل ﴾في مواجهة ﴿ 200 ألف من الروم وحلفائهم العرب﴾، الذين احتشدوا بجيش جرار مدجج بالدروع الثقيلة، والخيالة، والعتاد الوفير، بينما لم يكن مع المسلمين سوى سيوفهم وإيمانهم. وقد سطر خالد بن الوليد -رضي الله عنه- ملحمة خالدة، إذ قاتلهم قتالاً شديداً على مدار ستة أيام، ثم استطاع بخطته العبقرية أن ينحاز بالجيش وينسحب بذكاء دون أن يستسلم»

❖ قال ابن كثير رحمه : غزوة مؤتة وهي سرية زيد بن حارثة ، في نحو من ﴿ثلاثة آلاف ﴾، إلى البلقاء من أرض الشام .

وقيل : كان الروم ﴿مائتي ألف ، ومن عداهم خمسون ألفا﴾ . وأقل ما قيل : إن الروم كانوا مائة ألف ، ومن العرب خمسون ألفا . ..عن أبي هريرة قال : شهدت مؤتة ، فلما دنا منا المشركون ، رأينا ما لا قبل لأحد به ،﴿ من العدة ، والسلاح ، والكراع ، والديباج ، والحرير ، والذهب﴾ ، فبرق بصري ، فقال لي ثابت بن أقرم : يا أبا هريرة ، كأنك ترى جموعا كثيرة! قلت : نعم . قال : إنك لم تشهد معنا بدرا ، إنا لم ننصر بالكثرة . البداية والنهاية﴿ 412/6 ﴾

وفِي الحَمْلَةِ الصَّلِيبِيَّةِ الثَّالِثَةِ أَثْنَاءِ حِصَارِ مَدِينَةِ عَكَّا، كَانَ الصَّلِيبِيُّونَ أَيْضاً مُتَفَوِّقِينَ كَثِيراً عَلَى المُسْلِمِينَ، وَيَمْتَلِكُونَ أَسْلِحَةً حَدِيثَةً وَمُتَطَوِّرَةً لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً عِنْدَ المُسْلِمِينَ حِينَهَا؛ مِثْلَ: ﴿ الدَّبَّابَاتِ الخَشَبِيَّةِ، وَالمَجَانِيقِ الضَّخْمَةِ، وَأَبْرَاجِ الحِصَارِ العِمْلَاقَةِ﴾. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ فِي كِتَابِهِ: أَنَّ الصَّلِيبِيِّينَ كَانُوا يَمْتَلِكُونَ أَسْلِحَةً حَدِيثَةً وَمُتَطَوِّرَةً، وَأَنَّ المَرْكِيسَ صَاحِبَ صُورٍ هُوَ صَاحِبُ هَذِهِ الاخْتِرَاعَاتِ ».

❖قال ابن كثير رحمه الله: أن الألمان وصلوا في خمسة آلاف مقاتل وأن ملوك الفرنج كلهم كرهوا قدومهم عليهم لما يخافون من سطوته وزوال دولتهم بدولته ولم يفرح به إلا #المركيس صاحب صور الذي أنشأ هذه الفتنة وأثار هذه المحنة - لعنه الله - فإنه تقوى به وبجيشه وكيده فإنه كان خبيرا بالحروب والقتال وأحدث #أشياء كثيرة من #آلات الحرب لم تخطر لأحد ببال نصب #دبابات أمثال الجبال تسير بعجل ولها زلوم من حديد تنطح السور فتكسره وتثلم جوانبه فمن الله العظيم بإحراقها وإهلاكها وأراح الله المسلمين من شرها ولله الحمد .

البداية والنهاية ﴿612 /16﴾

﴿1﴾ الدَّبَّابَاتُ الْخَشَبِيَّةُ: لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ دَبَّابَاتٍ عَادِيَّةٍ، بَلْ كَانَتْ فَخْرَ الصِّنَاعَةِ الصَّلِيبِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. كَانَتْ دَبَّابَاتٍ عَظِيمَةً مَصْنُوعَةً مِنْ أَرْبَعِ طَبَقَاتٍ مِنْ خَشَبٍ وَرَصَاصٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ، وَعَلَى رَأْسِهَا زُلُّومٌ ضَخْمٌ، وَهُوَ رَأْسٌ حَدِيدِيٌّ مُدَبَّبٌ ثَقِيلٌ يَزِنُ الْأَطْنَانَ، يُعَلَّقُ بِسَلَاسِلَ دَاخِلَ الدَّبَّابَةِ، وَيُسْتَخْدَمُ لِـ«نَطْحِ» وَتَحْطِيمِ أَسْوَارِ الْمُدُنِ.

❖قال ابن كثير : أحرق المسلمون في هذا اليوم للفرنج دبابة كانت أربع طبقات ; الأولى من خشب والثانية من رصاص والثالثة من حديد والرابعة من نحاس وهي مشرفة على السور والمقاتلة فيها وقد قلق أهل البلد منها بحيث حدثتهم أنفسهم من خوفهم من شرها بأن يطلبوا الأمان من الفرنج ، ويسلموا البلد ففرج الله وأمكنهم من حريقها . 📓البداية والنهاية ﴿629 /16﴾

وذَكَرَ القَاضِي المُؤَرِّخُ بَهَاءُ الدِّينِ بْنُ شَدَّادٍ عَنْ وُصُولِ مَلِكِ الأَلْمَانِ إِلَى عَسْكَرِ الصَّلِيبِيِّينَ المُحَاصِرِينَ لِعَكَّا؛ حَيْثُ أَرَادَ مَلِكُ الأَلْمَانِ أَنْ يُثْبِتَ شَجَاعَتَهُ وَيُبْرِزَ قُوَّتَهُ أَمَامَ الجَمِيعِ، فَتَرَكِ أُسْلُوبَ الحِصَارِ وَعَزَمَ عَلَى مُوَاجَهَةِ صَلَاحِ الدِّينِ الأَيُّوبِيِّ وَجْهاً لِوَجْهٍ بِالمُشَاةِ وَالفُرْسَانِ، دُونَ اسْتِخْدَامِ أَيِّ آلاتٍ حَرْبِيَّةٍ مُتَطَوِّرَةٍ فِي زَمَانِهِمْ.

فَعِنْدَمَا عَلِمَ السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ بِذَلِكَ، تَحَرَّكَ سَرِيعاً بِجَيْشِهِ مِنْ خَيْمَتِهِ وَنَزَلَ عِنْدَ تَلِّ كِيسَانَ. وَبِمُجَرَّدِ أَنْ رَأَى الصَّلِيبِيُّونَ العَسَاكِرَ الإِسْلَامِيَّةَ تُقْبِلُ نَحْوَهُمْ بِكَثَافَةٍ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، تَرَاجَعُوا وَانْهَزَمُوا هَارِبِينَ نَحْوَ مُخَيَّمِهِمْ تَحْتَ وَطْأَةِ السَّيْفِ وَالتَّعَبِ، وَلَمْ يُصَدِّقْ مَلِكُ الأَلْمَانِ أَنَّهُ نَجَا بِنَفْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ.

فَتَكَبَّدَ الصَّلِيبِيُّونَ خَسَائِرَ فَادِحَةً فِي الأَرْوَاحِ وَالجَرْحَى، بَيْنَمَا قُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ اثْنَانِ فَقَطْ وَجُرِحَ آخَرُونَ. هَذِهِ الصَّدْمَةُ العَسْكَرِيَّةُ جَعَلَتْ مَلِكَ الأَلْمَانِ يُدْرِكُ أَنَّ مُوَاجَهَةَ جَيْشِ صَلَاحِ الدِّينِ فِي المَيْدَانِ أَمْرٌ صَعْبٌ جِدّاً؛ كَوْنَهُمْ هُزِمُوا أَمَامَ "الْيَزَكِ" الَّذِي هُوَ مُجَرَّدُ جُزْءٍ صَغِيرٍ مِنَ الجَيْشِ، فَقَرَّرَ تَغْيِيرَ خُطَّتِهِ وَالتَّرْكِيزَ عَلَى تَشْدِيدِ الحِصَارِ عَلَى مَدِينَةِ عَكَّا نَفْسِهَا بَدَلاً مِنْ مُوَاجَهَةِ الجَيْشِ المَيْدَانِيِّ، وَبَدَأَ بِصِنَاعَةِ آلَاتِ حِصَارٍ ضَخْمَةٍ وَمُرْعِبَةٍ، وَمِنْهَا الدَّبَّابَاتُ."

❖قال المؤرخ بهاء الدين بن شداد رحمه الله: وسار الألماني وحده في البحر حتى وصل معسكرهم غروب الشمس من ذلك اليوم في نفر يسير. هكذا تخبر الجواسيس والمستأمنون عنهم. وقد كان لقدمه وقع عظيم من الطائفتين، وأقام أياما، وأراد أن يظهر لمجيئه أثر فرنج القوم على طول مقامهم، وحسن في رأيه أن تضرب مصاف مع المسلمين، فخوّفوه من الإقدام على هذا الأمر وعاقبته، فقال لابد من الخروج على اليزك ليذوق قتال القوم ويعرف مراسهم ويتبصر بأمرهم، فليس الخبر كالعيان، فخرج على اليزك الإسلامي واتبعه معظم الإفرنج راجلهم وفارسهم، وخرجوا حتى قطعوا الوهاد التي بين تلهم وتل العياضية، وعلى تل العياضية خيم اليزك، وهي نوبة الحلقة السلطانية المنصورة في ذلك اليوم، فوقفوا على وجوههم وقاتلوهم وأذاقوهم طعم الموت، وعرف السلطان ذلك، فركب من خيمته بحفلة وسار حتى أتى تل كيسان، فلما رأى العدو العساكر الإسلامية صوّبت نحوه سهام قصدها وأتته من كل جانب كقطع من الليل المظلم عاد ناكصاً على عقبه، وقتل منهم وجرح خلق كثير والسيف يعمل فيهم من أقفيتهم وهم هاربون حتى وصلوا المخيم غروب الشمس، وهو لا يعتقد سلامة نفسه من شدة خوفه، وفصل الليل بين الطائفتين، وقتل من المسلمين اثنان، وجرح جماعة كثيرة، وكانت الكثرة على أعداء الله. ولما عرف ملك الألمان ما جرى عليه وعلى أصحابه من اليزك الذي هو شرذمة من العسكر وهو جزء من كل، رأى أن يرجع إلى قتال البلد ويشتغل بمضايقته، فاتخذ من #الآلات العجيبة #والصنائع الغريبة ما هال الناظر إليه من شدة الخوف على البلد، واستشعر اخذ البلد من تلك الآلات وخيف منها عليه، فأحدثوا آلة عظيمة تسمى #دبابة .

النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية ﴿1 /213 ﴾

﴿2﴾ المجانيقُ الضخمةُ: لم تكن هذه الآلاتُ مجردَ منجنيقاتٍ عاديةٍ، بل كانت صروحاً هندسيةً فتاكةً، وآلاتِ حصارٍ عملاقةً لم يشهدِ المسلمون مثيلاً لقوتها التدميريةِ وجسامتِها في تلك الحقبةِ الزمنيةِ. وقد وُصِفَتْ بأنها كانت "حاكمةً على السورِ"؛ نظراً لارتفاعِها الشاهقِ الذي يجعلُها تُشرفُ على حصونِ الأعداء وتكشفُها، وتفرضُ عليها سيطرةً مطلقةً من علوٍّ.

❖قال المؤرخ بهاء الدين بن شداد: وذلك أن العدو كان نصب على البلد منجنيقات هائلة حاكمة على السور وإن حجارتها تواترت حتى أثرت في السور أثراً بيناً وخيف من غائلاتها .

النوادر السلطانية ﴿207/1﴾

﴿ 3 ﴾أبراج الحصار العملاقة: سلاح الفرنج الفتاك هي أبراج خشبية عملاقة لم تكن هذه الأبراج مجرد هياكل عادية، بل كانت "دبابات العصور الوسطى" وحشاً عسكرياً هندسياً يبلغ ارتفاع البرج الواحد منها 60 ذراعاً ومقسم إلى 5 طبقات مليئة بالمقاتلين. ولحمايتها من سلاح المسلمين الفتاك (النار/النفط)، قاموا بتغطيتها بالجلود والخل والطين ومواد مقاومة للاحتراق .

❖قال ابن كثير رحمه الله: وعملت الفرنج ثلاثة أبرجة من خشب وحديد عليها جلود مسقاة بالخل لئلا يعمل فيها النفط يسع البرج منها خمسمائة مقاتل وهي أعلى من أبرجة البلد وهي مركبة على عجل بحيث يديرونها كيف شاءوا ، وعلى ظهر كل برج منها منجنيق كبير فأهم أمرها المسلمين وكانوا عليها حنقين .

البداية والنهاية ﴿ 166/12﴾

وهذه الأبراج العملاقة لم تكن معهودةً عند المسلمين؛ نظراً لأن الأخشاب التي صُنعت منها تتطلب أصنافاً نادرة وقوية من الشجر. والجدير بالذكر أن الصليبيين عندما شيّدوا هذه الأبراج العسكرية، جلبوا أخشابها الضخمة خصيصاً من جزر البحر الأبيض المتوسط، حيث لم يكن هذا النوع من الأخشاب الصلبة متوفراً في البيئة الشامية الساحلية.

❖قال ابن الأثير: كان الفرنج ، في مدة مقامهم على عكا ، قد عملوا ثلاثة أبراج من الخشب عالية جدا ، طول كل برج منها في السماء ستون ذراعا ، وعملوا كل برج منها خمس طبقات ، كل طبقة مملوءة من المقاتلة ، وقد جمعوا أخشابها من #الجزائر فإن مثل هذه الأبراج العظيمة لا يصلح لها من #الخشب إلا القليل #النادر ، وغشوها بالجلود والخل والطين والأدوية التي تمنع النار من إحراقها ، وأصلحوا الطرق لها ، وقدموها نحو مدينة عكا من ثلاث جهات ، وزحفوا بها في العشرين من ربيع الأول ، فأشرفت على السور ، وقاتل من بها من عليه فانكشفوا ، وشرعوا في طم خندقها ، فأشرف البلد على أن يملك عنوة وقهرا .

الكامل في التاريخ ﴿ 79/10 ﴾

ومما يثبت أن التفاوت في قوة السلاح كان موجوداً في ذلك الزمن، هو أن هذه الأبراج العسكرية العملاقة قد عجز المسلمون بدايةً عن صدها أو حرقها، إذ لم يكن هناك سلاح مضاد لها في أيديهم، بل حتى لم يتركوا حيلة ممكنة إلا وجربوها دون جدوى، حتى منّ الله عليهم بالفرج والنصر، وسيأتي بيان ذلك تفصيلاً في السطور القادمة.

❖ قال ابن الأثير : والمسلمون قد تيقنوا استيلاء الفرنج على البلد ، لما رأوا من عجز من فيه عن دفع الأبراج ، فإنهم لم يتركوا حيلة إلا وعملوها ، فلم يفد ذلك ، ولم يغن عنهم شيئا ، وتابعوا رمي النفط الطيار عليها ، فلم يؤثر فيها ، فأيقنوا بالبوار والهلاك ، فأتاهم الله بنصر من عنده وإذن في إحراق الأبراج .

الكامل في التاريخ ﴿ 79/10 ﴾

إذن، الشاهدُ من هذه الأدلة كلِّها: هو أن التفاوتَ في العُدَّة والسلاح كان أمراً واقعاً وموجوداً في كل زمان، ولم يكن المسلمون حينها يوالون الكفار أو يُحكِّمون قوانينهم الكفرية بحجة أنهم يمتلكون أسلحةً حديثةً ومتطورة. بل كانوا يعوّضون ذلك النقص المادي بالابتكار العسكري والتكتيك الحربي، لا بالاستسلام والخضوع للأعداء. ومن جملة الابتكارات الفريدة التي اخترعها المسلمون لصد هذه الأبراج الهجومية، ما قام به شاب دمشقيٌّ ذكيٌّ يُدعى (علي بن عريف النحاسين)؛ إذ عَمَدَ إلى خلط النفط الأبيض بأدوية ومواد كيميائية خاصة، ثم غلاها في قدور نحاسية حتى تحولت إلى نار شديدة التوهج، قادرةٍ على اختراق الحصون والدفاعات وإن كانت مبللة بالخل».

❖قال ابن كثير رحمه الله: فأعمل السلطان فكره في إحراقها فاستحضر النفاطين ووعدهم الأموال الجزيلة فانتدب شاب نحاس من دمشق يعرف بعلي بن عريف النحاسين والتزم بإحراقها وإهلاكها فأخذ النفط الأبيض وخلطه بأدوية عرفها وغلى ذلك في ثلاثة قدور من نحاس حتى صار نارا تأجج ورمى كل برج منها بقدر من تلك القدور بالمنجنيق من داخل عكا فاحترقت الأبرجة الثلاثة بإذن الله عز وجل حتى صارت نارا لها في الجو ألسنة متصاعدة فصرخ المسلمون صرخة واحدة بالتهليل واحترق في كل برج منها سبعون كفورا وكان يوما على الكافرين عسيرا وذلك يوم الاثنين الثامن والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة ، وكانت الفرنج تعبوا فيها سبعة أشهر فاحترقت في يوم واحد وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ثم عرض السلطان على ذلك الشاب النحاس العطية السنية فامتنع من قبولها وقال : إنما عملت هذا ابتغاء وجه الله ورجاء ما عنده سبحانه فلا أريد منكم جزاء ولا شكورا .

📓 البداية والنهاية ﴿ 166/12﴾

❖وقال ابن الأثير: وكان سبب ذلك ، أن إنسانا من أهل دمشق كان مولعا بجمع آلات النفاطين ، وتحصيل عقاقير تقوي عمل النار فكان من يعرفه يلومه على ذلك وينكره عليه وهو يقول : هذه حالة لا أباشرها بنفسي إنما أشتهي معرفتها ، وكان بعكا لأمر يريده الله .فلما رأى الأبراج قد نصبت على عكا شرع في عمل ما يعرفه من الأدوية المقوية للنار ، بحيث لا يمنعها شيء من الطين والخل وغيرهما ، فلما فرغ منها حضر عند الأمير قراقوش ، وهو متولي الأمور بعكا والحاكم فيها ، وقال له : تأمر المنجنيقي أن يرمي في المنجنيق المحاذي لبرج من هذه الأبراج ما أعطيه حتى أحرقه .وكان عند قراقوش من الغيظ والخوف على البلد وما فيه ما يكاد يقتله ، فازداد غيظا بقوله وحرد عليه ، فقال له : قد بالغ أهل هذه الصناعة في الرمي بالنفط وغيره فلم يفلحوا فقال له من حضر : لعل الله تعالى قد جعل الفرج على يد هذا ، ولا يضرنا أن نوافقه على قوله فأجابه إلى ذلك ، وأمر المنجنيقي بامتثال أمره . فرمى عدة قدور نفطا وأدوية ليس فيها نار ، فكان الفرنج إذا رأوا القدر لا يحرق شيئا يصيحون ، ويرقصون ، ويلعبون على سطح البرج حتى إذا علم أن الذي ألقاه قد تمكن من البرج ، ألقى قدرا مملوءة وجعل فيها النار فاشتعل البرج ، وألقى قدرا ثانية وثالثة ، فاضطرمت النار في نواحي البرج ، وأعجلت من في طبقاته الخمس عن المهرب والخلاص ، فاحترق هو ومن فيه ، وكان فيه من الزرديات والسلاح شيء كثير .

وكان طمع الفرنج بما رأوا أن القدور الأولى لا تعمل شيئا يحملهم على الطمأنينة وترك السعي في الخلاص حتى عجل الله لهم النار في الدنيا قبل الآخرة ، فلما أحرق البرج الأول انتقل إلى الثاني ، وقد هرب من فيه لخوفهم ، فأحرقه ، وكذلك الثالث .وكان يوما مشهودا لم ير الناس مثله ، والمسلمون ينظرون ويفرحون ، وقد أسفرت وجوههم بعد الكآبة فرحة بالنصر وخلاص المسلمين من القتل لأنهم ليس فيهم أحد إلا وله في البلد إما نسيب وإما صديق .وحمل ذلك الرجل إلى صلاح الدين فبذل له الأموال الجزيلة والإقطاع الكثير فلم يقبل منه الحبة الفرد ، وقال : إنما عملته لله تعالى ولا أريد الجزاء إلا منه .📓الكامل في التاريخ ﴿ 10/80﴾

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام