هداية.

الصغيرة التي لا تفهم، أي: لا تستطيع أن تُمَيِّز حتى تعبِّر عن إرادتها بالزواج، كيف تُزَوَّج؟

📂 أسرة ومجتمع #حديث #زواج #أسرة #مرأة

إذا رجعنا إلى حديث أبي هريرة رضيَ الله عنه في صحيح البخاري، سنجد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ»

ومعنى "حتى تُستأذَن": أي حتى يُؤخَذ منها الإذْن، فالبنت البِكر الصغيرة يُطلَب منها الإِذن.

وكما جاء في حديث أمنا عائشة في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اسْتَأْمِرُوا النِّسَاءَ فِي أَبْضَاعِهِنَّ، قَالَ: قِيلَ: فَإِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي فَتَسْكُتُ، قَالَ: فَهُوَ إِذْنُهَا»

أما المرأة الثَيِّب -التي سبق لها الزواج- فهي تُستأمَر، لأن لها تجربة من قَبل في الحياة الزوجة وتعرف الرِجال سواءً كانت -توفّى عنها زوجها، أو طُلِّقت، أو غير ذلك-، لذلك لابُدَّ مِن إذْن صريح منها لَمّا يقال لها: "فلان الفلاني يريد أن يتزوجك"، أي أنها تُبدي رأيها بشكل واضح.

أما البِكر فهي تستحيي؛ فقد تكون راغبة في الرجُل الذي جاء لخطبتها، لكنها تستحيي أن تقول ذلك؛ فهذه إذنها أن تسكُت -وإذا عبّرت عن قبولها فليس في ذلك بأس-؛ وفي حالة عَبَّرت عن إرادتها أنها لا تريد هذا الزوج، فهي لا تُزَوَّج.

وفي حالة ما إذا كانت البنت صغيرة، ولا تستطيع أن تُعبِّر عن إرادتها، حينها يقوم الوليّ مقامها؛ لأن التي تُستأذَن هي مَن تستطيع أن تُعَبِّر عن إرادتها، أما من كانت لا تُمَيِّز، ففي هذه الحالة: الوليّ هو من يقوم مقامها.

وهذا الشيء معروف في الشريعة، وقد جعلت الشريعة على هؤلاء الناس الضُعفاء أولياء -كاليتامى، والسُفهاء وغيرهم ممن لا يجيدون التصرف-

قالى تعالى: { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴿٢٨٢﴾ } البقرة.

فالوليّ يقوم مقام البنت، فيختار لها الزوج الذي يراه صالحا وكُفْئًا لها.

-----

قد يتساءل سائل فيقول: كيف تتكلمون هذا الكلام عن طفلة صغيرة، وكيف يُزَوِّجها أبوها وهي صغيرة لا تستطيع أن تُعَبِّر عن إرادتها؟

الإجابة على ذلك إن شاء الله:

قال: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿١٠٧﴾ } سورة الأنبياء.

هذه الشريعة جاءت رحمة لكل الناس، وحَلاًّ لكل مشاكلهم؛ لكن المُشكلة أن نطاق تفكير الناس ضيِّق جدًّا، فيظُنون أن قضية الزواج مقتصرة على الدخول على المرأة فقط، ولا يعرفون أن هذا الزواج شريعة متكاملة كاملة، يتعلق به الأنساب، ويتعلق به التحريم -لأن هناك تحريم بالمصاهرة- ويتعلق به حِفظ دين الناس، وأعراضهم وأنفُسهم.

ونضرب للناس أمثلة ليستفيدوا وليفهموا شيئًا من هذه الشريعة الغَرَّاء:

•إذا كان لرجل بنتا صغيرة مثلا، وهو يريد أن يُسافر، ولا يستطيع أن يسافر بها، وله قريب ليس من محارم البنت -إبن خالته، إبن خاله، أو من أصدقائه الذين يأمنهم-

•أو كان يريدها أن تحفظ القرءان، أو تطلب العِلم، وهو يريدها أن تتفرغ لذلك، فتحتاج أن تُصاحب هذا الشيخ الذي يعلمها؛

وطبعا هذه البنت أجنبية عن هذا الرجُل رغم صِغر سنها؛ وهذه الصغيرة ستكبر.

في هذه الحالة، وعندما يضعها عند رجل أجنبي، قد يضيِّق على هذا الإنسان حياته، كما يضَيِّق على هذه البنت حياتها أيضًا؛

لكن إذا زوّج الأب ابنته الصغيرة، ستمكث مع هذا الرجُل وهي آمنة حتى تكبر، وفي هذا الوقت ستستفيد وتتعلم وتدرس، وتكون في الحِفظ والصّون إن شاء الله.

•وغير ذلك من حوائج النساء لِأنْ يكون لهن رجل يخدمهن، كإمرأة كبيرة، وعندها بنت صغيرة، فإذا زَوَّجَت هذه البنت الصغيرة لهذا الرجل، يُصبح هذا الرجل مِن محارِم هذه المرأة بالنكاح.

> فتاوى مكتوبة ومسموعة:

فعقد الزواج موضوع عظيم جدًا، والشريعة عظيمة، وفيها حِفظ لحياة الناس وأعراضهم، وفيها الخير الكثير الذي لا نستطيع أن نحصيه.

وأريد أن نُنَبِّه لشيء مهم، وهو أنه علينا أن نُسَلِّم تسليمًا كاملاً لِما جاء عنِ الله سُبحانه وتعالى، ولا نجعل عقولنا حَكَمًا على أحكام الله سُبحانه وتعالى؛ فبعض الناس من الكُفار يريدون أن يشنِّعوا على المُسلمين قضية تزويج الصغيرة؛ فيصبح الإنسان الجاهل المنتسب للشريعة في ضيق وحَرَج، ويلتفت ميمنة وميسرة، ليتَفَلّت من أحكام الله تعالى.

وهذا لايجوز؛ إنما المُفترض أن نُسَلِّم لأمر الله عز وجل، ونُسَلِّم لشرعه؛ قال الله عز وجل في كتابه: { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٨﴾ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۖ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ﴿١٩﴾ } سورة الجاثية.

أسأَلُ اللَّه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أَن يَهْدِينَا وَإِيَّاكُم إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاط، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عليه آمين.

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام