هل يمكن إثبات وجود الله بالعلوم التجريبية؟ السؤال: يطالب بعض المثقفين المتأثرين بالثقافة الغربيَّة بأدلَّةٍ من داخل العلوم التجريبيَّة على وجود الخالق تعالى. هل يمكن ذلك؟
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد تطرَّقنا إلى مثل هذا السؤال في بعض الإجابات في موقعنا، وإنْ كانت بصيغٍ متعددةٍ؛ ولذا سنختصر الجواب في نقاطٍ واضحةٍ ترفع هذه الشبهة من جذورها:
أوّلاً: هذا الطلب قائمٌ على خلطٍ بين مجالين مختلفين: العلوم التجريبيَّة والبحث الفلسفيّ الميتافيزيقيّ. فالعلوم التجريبيَّة وظيفتها دراسة ما هو داخل الكون: المادَّة، والطاقة، والقوانين، والعلاقات. أمَّا مسألة وجود الخالق فهي سؤالٌ عن أصل الكون وعلَّته، أي سؤالٌ يقع خارج نطاق التجربة، فلا يصحّ مطالبة العلم التجريبيّ بما هو خارج حدوده.
وثانياً: العلم التجريبيّ لا يثبت ولا ينفي وجود الله؛ لأنَّه ببساطةٍ لا يملك الأدوات لذلك، فكما لا يمكن للميكروسكوب أنْ يثبت وجود العدالة أو ينفيها، كذلك لا يمكن للتجربة المخبريَّة أنْ تثبت وجود خالقٍ متعالٍ عن المادَّة. نعم، يمكن الاستفادة من معطيات العلوم التجريبيَّة في إثبات صغريات القياس ضمن برهانٍ عقليٍّ، كإثبات أنَّ الكون له بدايةٌ، أو أنَّه قائمٌ على نظامٍ دقيقٍ، لكن الانتقال من هذه المعطيات إلى إثبات وجود خالقٍ هو انتقالٌ عقليٌّ فلسفيٌّ، لا نتيجةٌ تجريبيَّةٌ مباشرةٌ.
وثالثاً: حين يُطلب «دليلٌ تجريبيٌّ» على وجود الله تعالى، فهذا في الحقيقة افتراضٌ مسبقٌ أنَّ كلّ حقيقةٍ يجب أنْ تكون قابلةً للتجربة الحسيَّة، وهذا افتراضٌ غير علميٍّ؛ لأنَّ العلم نفسه يقوم على مسلَّماتٍ غير تجريبيَّةٍ، مثل: وجود العالم الخارجيّ، وثبات القوانين، وإمكان المعرفة.
ورابعاً: مطالبة العلم التجريبيّ بإثبات الله تشبه مطالبة الفيزياء بإثبات معنى الحياة أو مطالبة الكيمياء بإثبات القيم الأخلاقيَّة؛ أي وضع السؤال في غير مجاله.
وفي المحصِّلة، لا يمكن إثبات وجود الله من داخل العلوم التجريبيَّة، ليس لأنَّ وجوده غير حقيقيٍّ، بل لأنَّ السؤال نفسه يقع خارج حدود هذا العلم. فلكلّ مجالٍ أدواته، وإذا استُخدمت الأداة في غير مجالها، ضاعت النتيجة.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام