هل الجماع مجرد قضاء شهوة؟
مقصود ابن القيم من الفصل
يريد ابن القيم أن يبين أن هدي النبي ﷺ في الجماع ليس مجرد قضاء شهوة، بل هو هدي جامع بين:
• حفظ الصحة.
• تمام اللذة وسرور النفس.
• تحقيق المقاصد التي خُلق الجماع لأجلها.
• العفة وغض البصر.
• النفع المتبادل بين الزوجين.
فالفصل عنده مبني على الجمع بين الشرع والطب والتزكية والسلوك الزوجي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقاصد الجماع الأصلية عند ابن القيم
ذكر أن الجماع وضع في الأصل لثلاثة مقاصد:
الأول: حفظ النسل
أي بقاء النوع الإنساني ودوام التناسل حتى يتم ما قدّره الله من خلق الناس في هذا العالم.
الثاني: إخراج الماء المحتقن
أي أن احتباس المني عند الحاجة إلى خروجه قد يضر البدن، فكان الجماع من جهة الطب القديم سببًا لدفع هذا الاحتقان.
الثالث: قضاء الوطر والتمتع بالنعمة
وهو تحصيل اللذة المباحة وسرور النفس. وينبه ابن القيم إلى أن هذه الفائدة وحدها هي الموجودة في الجنة؛ إذ لا تناسل هناك ولا احتقان يحتاج إلى استفراغ.
الخلاصة هنا: الجماع عنده له مقصد نسلي، ومقصد صحي، ومقصد لذّي مباح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقريره للفائدة الصحية للجماع
نقل ابن القيم عن الأطباء، ومنهم جالينوس، أن الجماع من أسباب حفظ الصحة، ثم بنى ذلك على تصورهم لطبيعة المني، وأنه من الدم الصافي الذي تغتذي به الأعضاء الأصلية.
ثم قرر قاعدة مهمة عنده:
لا ينبغي إخراج المني إلا لطلب النسل أو لإخراج المحتقن منه.
ومعنى كلامه: ليس المقصود الاسترسال في الشهوة، ولا الكبت المطلق، بل الاعتدال.
ثم ذكر أن دوام الاحتقان قد يحدث أمراضًا رديئة عندهم، كالوسواس والجنون والصرع، وأن الطبيعة قد تدفعه إذا كثر من غير جماع، أي بالاحتلام أو نحوه، وإن كان لفظ «بالاحتلام» زيادة من بعض النساخ وليست في الأصل حسب الحاشية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أثر ترك الجماع مدة طويلة
استشهد ابن القيم بأثر عن بعض السلف، ومعناه أن الإنسان ينبغي أن يتعاهد من نفسه ثلاثًا:
• المشي؛ حتى لا يعجز عنه إذا احتاجه.
• الأكل؛ حتى لا تضيق أمعاؤه.
• الجماع؛ وشبهه بالبئر إذا لم تنزح ذهب ماؤها.
ثم نقل عن محمد بن زكريا الرازي أن من ترك الجماع مدة طويلة قد تضعف قوى أعضائه، وتنسد مجاريها، وتقلص آلته، وذكر أنه رأى جماعة تركوه تقشفًا فبردت أبدانهم، وعسرت حركاتهم، وأصابتهم كآبة بلا سبب، وقلت شهواتهم وهضمهم.
المقصود: ابن القيم لا يمدح الرهبانية الجنسية ولا التقشف المخالف للفطرة، بل يرى أن ترك الجماع مطلقًا مع القدرة والحاجة مضر بدنيًا ونفسيًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منافعه الدينية والخلقية
بعد المنافع البدنية، انتقل إلى المنافع الشرعية والسلوكية، فذكر من منافع الجماع المباح:
• غض البصر.
• كف النفس.
• القدرة على العفة عن الحرام.
• تحصيل العفة للمرأة أيضًا.
• نفع الرجل في دنياه وأخراه.
• نفع المرأة كذلك.
وهذه نقطة مهمة: ابن القيم لا يجعل الجماع مصلحة للرجل وحده، بل ينص على أنه ينفع المرأة أيضًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعاهد النبي ﷺ له ومحبته للنساء
قال إن النبي ﷺ كان يتعاهد هذا الأمر ويحبه، واستدل بحديث:
«حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب».
ثم ذكر زيادة منسوبة إلى كتاب الزهد للإمام أحمد:
«أصبر عن الطعام والشراب، ولا أصبر عنهن».
لكن الحاشية نبهت إلى أن هذه الزيادة ضعيفة جدًا، وفي إسنادها يوسف بن عطية، وهو متروك الحديث.
إذن: أصل حديث «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب» ثابت، أما الزيادة المذكورة فضعيفة جدًا بحسب التعليق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حثه ﷺ على الزواج
جمع ابن القيم عدة نصوص في الحث على النكاح، منها:
حديث التكاثر
«تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم».
والحاشية تذكر أن إسناده بهذا اللفظ فيه ضعف، لكن له شواهد.
أثر ابن عباس
«خير هذه الأمة أكثرها نساء».
وهو في البخاري.
حديث الرغبة عن السنة
ذكر حديث معنى: أن النبي ﷺ يتزوج النساء، ويأكل اللحم، وينام ويقوم، ويصوم ويفطر، ثم قال:
«فمن رغب عن سنتي فليس مني».
والمقصود به ذم ترك الزواج والتبتل على وجه الرهبانية، لا ذم مجرد العجز أو وجود مانع معتبر.
حديث الشباب
«يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء».
وهذا أصل عظيم في الباب: الأصل عند القدرة هو الزواج، والبديل عند العجز هو الصوم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترغيبه ﷺ في البكر، وذات الدين، والمرأة الصالحة
ذكر ابن القيم عدة أحاديث في صفات المرأة المرغوب فيها:
البكر
لما تزوج جابر ثيبًا قال له النبي ﷺ:
«هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك».
والمقصود بيان مصلحة الألفة والملاعبة والأنس بين الزوجين، لا تحريم نكاح الثيب، فقد تزوج النبي ﷺ ثيبات.
المرأة الصالحة
ذكر حديث مسلم:
«الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة».
ذات الدين
ذكر حديث الصحيحين:
«تنكح المرأة لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك!».
وهذا هو الميزان الشرعي الأثبت في الاختيار.
الودود الولود
ذكر حديث معقل بن يسار في النهي عن نكاح المرأة التي لا تلد، ثم قال:
«تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم».
فابن القيم يربط الزواج بمقصد النسل والتكاثر، لا بمجرد الاستمتاع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حديث «أربع من سنن المرسلين»
ذكر الحديث المشهور:
«أربع من سنن المرسلين: النكاح، والسواك، والتعطر، والحناء».
ثم نبه إلى خلاف في اللفظ، وأن بعض الحفاظ قال: الصواب الختان لا الحناء، وأن سقوط النون من الحاشية سبب التصحيف.
والحاشية كذلك تذكر أن إسناد الحديث ضعيف بسبب حجاج بن أرطاة وأبي الشمال.
فائدة دقيقة: ابن القيم يذكر الحديث، ثم يدخل في ضبط لفظه: هل هو الحناء أو الختان؟ والمحقق يميل إلى ضعف الإسناد، مع ترجيح أن اللفظ الصحيح لو ثبت هو «الختان».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما ينبغي تقديمه على الجماع
قال ابن القيم:
مما ينبغي تقديمه على الجماع مداعبة المرأة وتقبيلها.
وذكر أن النبي ﷺ كان يداعب أهله ويقبلهن.
ثم أورد حديث أبي داود في تقبيل عائشة ومص لسانها، لكن الحاشية حكمت على إسناده بالضعف، وذكرت أن أبا داود نفسه قال: «هذا الإسناد ليس بصحيح».
كما أورد خبرًا عن النهي عن المواقعة قبل الملاعبة، لكن الحاشية حكمت عليه بالوضع أو شدة الضعف.
الخلاصة هنا: أصل المداعبة والتقبيل ثابت من حيث المعنى العام والهدي العملي، أما بعض الألفاظ الخاصة التي أوردها ابن القيم فضعيفة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الغسل والوضوء بين الجماعين
ذكر أن النبي ﷺ:
• ربما جامع نساءه بغسل واحد.
• ربما اغتسل عند كل واحدة منهن.
واستدل بحديث أنس في مسلم أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد.
ثم ذكر حديث أبي رافع أن النبي ﷺ اغتسل عند كل امرأة، وقال:
«هذا أطهر وأطيب».
والحاشية تذكر أن هذا الحديث فيه كلام، لكن حسنه بعض أهل العلم.
ثم قرر السنة العملية لمن أراد العود قبل الغسل:
إذا جامع الرجل أهله ثم أراد أن يعود، فليتوضأ.
وهذا ثابت في صحيح مسلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحكمة من الغسل والوضوء بعد الجماع
ختم الفصل بذكر فوائد الغسل والوضوء بعد الوطء، ومنها:
• النشاط.
• طيب النفس.
• تعويض بعض ما تحلل بالجماع.
• كمال الطهر والنظافة.
• اجتماع الحار الغريزي إلى داخل البدن بعد انتشاره بالجماع.
• حصول النظافة التي يحبها الله ويبغض خلافها.
ثم قال إن ذلك من أحسن التدبير في الجماع وحفظ الصحة والقوى فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خلاصة الفصل الأول
يرى ابن القيم أن هدي النبي ﷺ في الجماع هدي معتدل كامل، يجمع بين حفظ النسل، وصيانة الصحة، وقضاء الوطر المباح، وتحقيق العفة، وغض البصر، ونفع الزوجين.
وينكر مسلك الرهبانية وترك النكاح مع القدرة والحاجة، ويقرر أن النكاح من سنن المرسلين ومن أسباب كمال العفة.
ثم يذكر أن من كمال الهدي فيه:
• اختيار المرأة الصالحة الودود الولود.
• تقديم المداعبة والملاطفة.
• مراعاة الطهارة بالغسل أو الوضوء عند العود.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام