هداية.

كيف نرد على شُبْهَة قولهم: يجوز التحاكم للطاغوت اضطرارًا، ودليله قول يوسف عليه السلام فيما حكاه الله عنه: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ ؟

📂 أخلاق وآداب #عام

> أصول في علم الأصول:

-

شُبْهَة

قولهم: يجوز التحاكم للطاغوت اضطرارًا، ودليله قول يوسف عليه السلام فيما حكاه الله عنه: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾.

الجواب عليها من وجوه:

أوّلًا: أنَّ قول يوسف عليه السلام ليس تحاكمًا، ولا طلبًا للتحاكم، ولا توكيلًا لمحامٍ عنه كما يحصل في المحاكم الوضعيّة، إنّما هو طلبٌ من أحد النّاجين ممّن سُجِن معه أن يذكر أمره أمام الملك، وأنّه سُجِن ظلمًا، وهذا خطابٌ من سجينٍ لساجنه يُدافع فيه عن نفسه، وهذا ليس تحاكمًا أو إقرارًا بقانونٍ وضعي. قال ابن جرير الطبري رحمه الله: "اذكرني عند سيّدك وأخبره بمظلمتي، وأني محبوسٌ بغير جُرْم".

[تفسير الطبري ٢/١٦٩]

ثانيًا: إن قيل إنّه طلب تحاكم، فإن يوسف عليه السلام كان سجينًا عندهم، ولم يذهب بنفسه ليتحاكم لهم، وليس كمن كان حرًّا وذهب ليتحاكم للمحكمة الوضعيّة، فالقياس عليه باطل.

ثالثًا: أنَّ المتحاكم للمحكمة الوضعيّة يترافع لهم وهو يعلم أنهم سيحكمون بالقانون الوضعي، وهذا طلبٌ للحق عن طريق حكم الطاغوت، وليس في فعل يوسف عليه السلام طلبٌ لحقه عن طريق حكم الطاغوت، بل غاية فعله عليه السلام أنّه اتُّهم فدفع التّهمة عن نفسه بما أباحه الله، فلمّا لم يقبلوا منه حكموا بسجنه، ولمّا سُجِن استمرّ مدافعًا عن نفسه بما أباحه الله، وليس عن طريق القانون وحكم الطاغوت.

رابعًا: أنَّ هذه الدعوى فيها طعنٌ في عصمة نبيِّ الله يوسف عليه السلام، إذ كيف يُقال عنه إنه تحاكم للطاغوت، وهو الذي قد قرَّر مرارًا في السّجن وخارجه دعوة التّوحيد، وأنَّ الحكم لله وحده لا شريك له؟ قال تعالى:

﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ۝ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ۝ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ۝ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

فهل بعد هذا التّقرير والتّأكيد على مقام التّوحيد يُقال إن يوسف عليه السلام طلب تحاكمًا للطاغوت؟ سبحانك! هذا مُفتانٌ عظيم.

خامسًا: أنَّ قصّة سجن يوسف عليه السلام لا تُقاس بأي حالٍ من الأحوال بما يحصل في المحاكم الوضعيّة، ففيها يحضر طرف القضيّة، ويجلس القاضي ليحكم بينهم بالقانون الوضعي، ويمنع مخالفته أثناء الجلسة، ويُلزِم الطرفين به، وكلاهما قد أتى للتحاكم بغير إكراه، أمّا يوسف عليه السلام وامرأة العزيز فوجدَا الملك عند الباب، وهو الزّوج، فحصل ما حصل مما حكاه الله تعالى، ولم تُعقد جلسة محاكمة كما في المحاكم الوضعيّة، ثم اتُّهم يوسف عليه السلام، فدفع التّهمة عن نفسه بالمباح دون أن يُلزَم بقانون الملك، ولم يذهب هو ليدافع عن نفسه أمامه كما يذهب المتحاكم للمحكمة الوضعيّة، ولمّا سُجِن استمر في الدّفاع عن نفسه دون التزام بالقانون، بل حتى لمّا طلبه الملك ليسمع منه تأويل الرّؤيا لم يخرج له حتى تظهر براءته، وبعث له من يذكر له دلائل ذلك دون تحاكمٍ لقانون الملك أو أيّ قانونٍ وضعيٍّ آخر. قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾

فأين وجه الشّبه بين هذه القصّة وبين التّحاكم للمحاكم الوضعيّة اليوم؟ وما القياس عليها إلّا ضربٌ من التّكلّف لا غير.

> أصول في علم الأصول:

-

ومن آثار الذنوب، ونتائج العيوب: نكْسُ القلوب، وانتكاسُ البصائر، حتى يُرى الباطلُ حقًّا، والحقُّ باطلًا، ويُؤلَفُ المنكرُ ويُجتَنَب المعروف، ويُفسِد المرءُ وهو يظنّ أنه يُصلِح، ويصدُّ عن سبيل الله، وهو يحسب أنه إليها يدعو، ويشتري الضلالة بالهدى، وهو يزعم أنه على الهدى، ويتبع الهوى، وهو يظن أنه على طريق التُّقى.

فتنقلب الموازين، وتُعطَّل العقول، ويعمى البصر والبصيرة، وتصبح السيئة حسنة، والحسنة ثقيلة مستنكرة، وكلُّ ذلك من عقوباتٍ تُصيب القلب، فتُميت فيه نور الفطرة، وتُطفئ فيه بريق الهداية.

فاتقِ الله رحمك الله وألزم باب التوبة، وتحرَّ درب الاستقامة، فإن لله نورًا لا يُؤتاه عاصٍ، وقلوبًا لا تحيا إلا بطاعته، ومن يتقِ الله يجعل له فرقانًا، ومن يُعرض عنه يضرب له شيطانًا، فهو له قرين.

قسورة الشمري.

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام