ما قالوا في شِرْكِ الحُكْمِ قالوا: أَصْلُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ هو التَّحذيرُ مِن شِرْكِ الدُّعاءِ، وهذا الكلامُ يُهوِّنُ مِن شَأْنِ شِرْكِ القُبُور ؟
الجواب: هذا قَوْلُ مَن لا يَعرِفُ التَّوحيدَ وما بُعِثَتْ به الرُّسُلُ، فَكُلُّ الرُّسُلِ دَعَوْا إلى تَوحيدِ اللهِ بالحُكْمِ وتَوحيدِ اللهِ بالدُّعاءِ، وهكذا بَقِيَّةُ العباداتِ، والكُفْرِ بالطَّاغوتِ المُتَحاكَمِ إليه، وألّا يُشرَك فيه مع اللهِ أَحَدٌ.
ومَن تَدَبَّرَ ما دَعَتْ إليه الرُّسُلُ وَجَدَ دَعْوَتَهُم شاملةً لِكُلِّ جَوانبِ التَّوحيدِ، والتَّحذيرِ مِن كُلِّ أَنْواعِ الشِّرْكِ، ومنها شِرْكُ الحُكْمِ والطَّاعةِ والتَّشريعِ والدِّينِ، ولم يَقْتَصِروا على شِرْكِ الدُّعاءِ فقط.
وتَأَمَّلْ في ذلك قولَه تعالى عن بَني إِسرائيل: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} [التوبة: 31].
وهؤلاء ما كانوا يُصَلُّونَ لهم، ولا ذَكَرَ اللهُ أَنَّهُم كانوا يَصْرِفونَ لهم الدُّعاءَ مِن دونه، فَعَن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ أنَّه أتى النبيَّ ﷺ وهو يَقرأُ هذه الآية، فقال: ((أَمَا إِنَّهُم لم يكونوا يَعبُدونَهم، ولكنَّهُم كانوا إذا أَحَلُّوا لهم شيئًا استحلُّوه، وإذا حَرَّموا عليهم شيئًا حَرَّموه)) رواه الترمذي.
وسُئِلَ حُذَيْفَةُ عن هذه الآية: أَكانوا يُصَلُّونَ لهم؟ قال: لا، ولكنَّهُم كانوا يُحِلُّونَ لهم ما حَرَّمَ اللهُ عليهم فيَستحلُّونَه، ويُحَرِّمونَ عليهم ما أَحَلَّ اللهُ لهم فيُحَرِّمونَه؛ فصاروا بذلك أَربابًا.
وهذا يُوسُفُ -عليه السلام- يُبَيِّنُ للناسِ أنَّ إِفرادَ اللهِ تعالى بالحُكْمِ كإِفرادِه بالدُّعاءِ، فقال جامعًا بين التَّوحيدَيْنِ وأنَّهُما يُمثِّلانِ حقيقةَ الدِّينِ الذي جَهِلَه أكثرُ الناسِ: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وتَأَمَّلْ قولَ النبيِّ ﷺ: ((رأيتُ عَمْرَو بنَ عامِرِ بنِ لُحَيٍّ الخُزاعيَّ يَجُرُّ قَصَبَه في النارِ، وكان أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ)) متفقٌ عليه.
وقال ﷺ عنه: ((إنَّه أوَّلُ مَن غَيَّرَ دينَ إبراهيم)).
ففيه إشارةٌ إلى شِرْكِ التَّشريعِ والطَّاعةِ بتحريمِ ما أَحَلَّ اللهُ من تَسْييبِ السَّوائِبِ للمعبوداتِ الباطلةِ، وقَرَنَ الرسولُ بين تَغييرِه دينَ إبراهيمَ وبين تَبديلِه شَرعَ اللهِ تعالى، ليُبَيِّنَ أنَّ حُكمَهُما سواءٌ، وأنَّ فِعْلَه هذا مِن جِنسِ فِعلِ اليَهُودِ والنَّصارى الذين حَرَّموا ما أَحَلَّ اللهُ، وبيَّنه لِعَدِيٍّ.
فبعد هذه الأدلَّةِ الصريحةِ في بيانِ أنَّ شِرْكَ الطاعةِ كشِرْكِ الدُّعاءِ، ليس لأحدٍ أن يَزْعُمَ أنَّ دَعْوَةَ الرُّسُلِ قائمةٌ على التَّحذيرِ من شِرْكِ الدُّعاءِ فقط، بل النَّهيُ عن الشِّركِ بجميعِ صُوَرِهِ ومَظاهِرِهِ
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام