ما حكم سفر المرأة بلا محرم؟
أولا : إن مسألةَ حكمِ سفرِ المرأةِ بلا محرمٍ من المسائل الشائعة بين أهل العلم، وقد تناولتها الأبحاثُ الأصوليةُ بالدراسة من حيث تنقيحُ مناط الحكم وتحقيقُه. وقد سعت دارُ الإفتاءِ ومراكزُ البحوثِ الإسلاميةِ إلى بحث هذه المسألة من خلال جمع أقوال الفقهاء، قديمهم ومعاصرهم، وحصر أهم النصوص الشرعية الصحيحة المتعلقة بها، مع مناقشة المنهجية الأصولية في تعليل آراء المذاهب الفقهية وتحليل مداركها. وتُعدُّ مسألةُ سفرِ المرأةِ بلا محرمٍ من المسائل التي وقع فيها خلافٌ معتبرٌ بين أهل العلم؛ وذلك لاختلافهم في تعيين العلّة التي بُني عليها النهيُ الوارد في النصوص الشرعية.
ثانيا: ثانيًا: إن منشأَ الخلافِ بين أهلِ العلمِ يعودُ إلى طبيعةِ النصوصِ الواردةِ في مسألةِ سفرِ المرأة؛ هل هي معقولةُ المعنى قابلةٌ للتعليل والتأويل، أم غيرُ معقولةِ المعنى؟ وهل اشتراطُ وجودِ المحرمِ مع المرأةِ أثناءَ سفرها أمرٌ تعبديٌّ لحِكَمٍ متعددة، أم أنه معلَّلٌ بعِلَلٍ يمكن النظرُ فيها وتحقيقُ مناطِها؟ وعليه اختلفت انظار الفقهاء في مسالة سفر المراة بلا محرم ودخلت هذه المسالة كغيرها من المسائل الفرعية في الاخلاف الفقهي المعتبر المحتمل للدليل.
ثالثًا: إن مردَّ الخلافِ الفقهيِّ يعودُ إلى تعليلِ اشتراطِ وجودِ المحرمِ مع المرأةِ أثناءَ سفرها؛ فهل وجودُ المحرمِ مقصودٌ لتحقيقِ الأمنِ والأمان، بحيث يدورُ الحكمُ معهما وجودًا وعدمًا، أم أنه تعبديٌّ لا يُعلَّلُ بذلك؟وقد ذهب جمعٌ من أهل العلم، قديمًا وحديثًا، إلى أن اشتراطَ المحرمِ معلَّلٌ بتحقيقِ الأمنِ ودفعِ الخوف، وأن مناطَ الحكمِ يدورُ مع وجودِ الأمنِ والأمان أو انتفائهما. في المقابل، ذهب آخرون إلى أن اشتراطَ المحرمِ ثابتٌ بالنصوصِ وأقوالِ الفقهاءِ، وليس معلَّلًا بالأمنِ والأمان فحسب، بل يلزمُ اعتبارُه في سفرِ المرأةِ مطلقًا.وترى دارُ الإفتاءِ ومراكزُ البحوثِ الإسلاميةِ أن الراجحَ هو أن النهيَ عن سفرِ المرأةِ بلا محرمٍ معلَّلٌ بخوفِ الفتنةِ وانعدامِ الأمن؛ فإذا تحققَ الأمنُ واندفعت أسبابُ الخطر، زال موجبُ المنع. أما إذا انتفى الأمنُ، فإن منعَ السفرِ لا يختصُّ بالمرأةِ وحدها، بل يشملُ الرجالَ والنساءَ على حدٍّ سواء. ومع ذلك، يُؤكَّدُ على مراعاةِ خصوصيةِ حالِ المرأةِ واتخاذِ مزيدٍ من الاحتياطاتِ التي تحققُ لها الأمنَ والسلامة.
رابعا : . وترى دار الإفتاء والبحوث الإسلامية جواز سفر المرأة بلا محرم، سواء كان سفرها واجبًا (كالحج الواجب)، أو مندوبًا، أو مباحًا، وذلك بالشروط الآتية:
• أن يكون السفر آمنًا في نفسه وطرقه ووسائله.
• أن تكون برفقة مأمونة من النساء الثقات أو في رفقة مأمونة.
• أن تأمن على نفسها ودينها وعِرضها.
• أن يكون ذلك بإذن الولي أو الزوج.
• أن تلتزم بالضوابط الشرعية من الحجاب وسائر الآداب.
وذلك لأن المقصود من اشتراط المحرم هو الحفظُ والصيانة، فإذا تحقق ذلك بغيره من وسائل الأمن والرفقة المأمونة قام مقامه. وعليه، فإن سفر المرأة إلى المسجد الأقصى، أو للدراسة في الأردن فمئات الطالبات تدرس في الأردن والامن والأمان متحقق هناك واثناء السفر وعشرات الباصات من النساء تشد الثقات تشد الرحال للمسجد الأقصى، أو حتى التنقل اليومي إلى الجامعات، وكذلك سفر الحج أو العمرة، أو السفر السياحي المباح وفق الضوابط الشرعية المذكورة، كل ذلك لا حرج في طالما الامن والأمان وعدم الفتنة قائم. مع الإشارة إلى أن انعدام الأمن وخوف الفتنة يجعلان السفر ممنوعًا، وهذا الحكم يتغير تبعًا للظروف والمتغيرات، وفق قاعدة: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
خامسا: وترى دارُ الإفتاء والبحوث الإسلامية أن واقعَ زماننا، وما يشهده من أنظمةٍ معاصرةٍ وإجراءاتِ سفرٍ متطورة، وسهولةِ التواصل، ونظمِ معابر الحدود، كلُّ ذلك يُسهم في تعزيز الأمن والأمان، بخلاف الأزمنة السابقة التي كانت تسود فيها قلةُ التواصل، وقطاعُ الطرق، والانقطاعُ عن الناس. فالعالم بات قرية صغيرة .ولعل الإمام الباجي رحمه الله تعالى انتبه الى هذا فقال بعد نقل أقوال الفقهاء في سفر المرأة للحج بدون محرم" ولعل هذا الذي ذكره بعض أصحابنا إنما هو في حال الانفراد والعدد اليسير، فأما القوافل العظيمة والطرق المشتركة العامرة المأمونة فإنها عندي مثل البلاد التي يكون فيها الأسواق والتجار، فإن الأمن يحصل لها دون محرم ولا امرأة، وقد روي هذا عن الأوزاعي”. الباجي– سليمان بن خلف ( مالكي) – المنتقى في شرح الموطأ – 3/17 "
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام