ما حكم تغطية الآنية في أيام جامبر من شهر ديسمبر، خوفًا من نزول الأمراض فيها ؟ لا تتركوا إناء فيه ماء أو أكل دون غطاء في اللَّيْل .. وبلغوا بها تكسبوا الاجر من الله.] ●فهل يصح هذا الكلام؟
[كان أجدادنا وآباؤنا يحذروننا عند دخول شهر ديسمبر وهناك أيام فيه تسمى ( جامبر )، ويؤكدون على تغطية أواني الأكل والشرب في ليالي هذا الشهر، وأن هناك مرضًا ينزل فيها، وصدقوا.
قال ﷺ: «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ؛ فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ، أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ». رواه مسلم
وجاء عن الليث بن سعد رحمه الله أنه كان يقول: إن أهل الكتاب يتحرون هذه الليلة في كانون الأول ( يعني ديسمبر ).
فإن تغطية الآنية سنة مؤكدة، أمر بها النبيُّ ﷺ أمر ندب وإرشاد، لما في كشفها من الخطر على الصحة، فَقَالَ ﷺ في أكثر من حديث: «غطوا الإناء»، «خمروا الإناء» يعني: غطوه.
ففي الصحيحين عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ، فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، فَحُلُّوهُمْ، فَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا، وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ».
وبين أن: «فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ، أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ، إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ». (رواه مسلم).
ولم يحدد ﷺ تلك الليلة، وذلك ليكون المسلم حريصًا على تغطية الآنية في جميع الليالي، إذ لو عينها لغطى كثيرٌ من الناس آنيتهم في تلك الليلة فقط، والأوبئة ليست محصورةً في الوباء النازل من السماء، وإنما هناك أوبئة تحصل بسبب سقوط أتربة، أو حشرات مؤذية ونحو ذلك.
وهذا نظير تعيين ليلة القدر، فإن النبي ﷺ لم يعينها في ليلة معينة، وإنما أخبر أنها في العشر الأواخر كلها، ليجتهد المسلمُ في العشر كلها، إذ لو عينها لما قام المسلمُ إلا ليلتها وترك باقي أيام العشر الفاضلة.
وكذلك ساعة الإجابة في يوم الجمعة، فقد ذَكَرَ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا. (متفق عليه).
ولم يحدد تلك الساعة، ليجتهد المسلمُ في الدعاء في اليوم كله.
وأما تحديد بعض الناس شهر كانون الأول الذي هو ديسمبر لنزول الوباء في الآنية غير المغطاة، فهذا لا دليل عليه من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله ﷺ ، ولا عن الصحابة والتابعين، ولا عن غيرهم من علماء الأمة وأئمة الدين.
وأما قول الليث بْنِ سعد رحمه الله: «فَالْأَعَاجِمُ عِنْدَنَا يَتَّقُونَ ذَلِكَ فِي كَانُونَ الْأَوَّلِ». (أخرجه مسلم).
فليس فيه دليل على تحقق وقوعه في هذا الشهر، ولا أنه يعتقد ذلك أو يقول به، وإنما غاية ما في الأمر أنه يخبر عن الأعاجم أنهم يتوقعون ذلك ويخافونه في كانون الأول، والأعاجم هم الكفار، وليس قولهم بحجة عندنا، فإذا كان فعل المسلم ليس بحجة ملزمة في الدين إلا بدليل، فكيف بأفعال الكفار وأقوالهم وعاداتهم؟!!
فالليث بْنِ سعد - رحمه الله - لم يقصد تصديقهم فيما يقولون ويعتقدون، وإنما هو ينقل شيئًا علمه عنهم، ولو كان ذلك تصديقًا منه لهم، أو اعتقادًا يعتقده، لأفصح بحكمه، وانتشر ذلك عنه، واتبعه عليه كثيرٌ من علماء المسلمين، لأنه عالم كبير، وإمام من أئمة الدين.
فلما لم يقل أحد به، ولم يتتابع عليه المسلمون، دل على أنه ليس بصحيح.
ثم لو كان كذلك لبينه النبي ﷺ لأمته، لشدة الحاجة إليه؛ ولأن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.
والخلاصة: أنه لا دليل يدل على وقوع الوباء في الآنية غير المغطاة في شهر ديسمبر خاصة، وينبغي على المسلم أن يحرص على تغطية آنية الطعام والشراب في جميع الأوقات، إلا لحاجة، كتبريده- إن كان ساخنًا -، أو كان وقت تناوله. والله أعلم.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام