هداية.

ما تعريف حاكمية الشّريعة ؟ وما تعريف العجز ؟ في كلّ التّجارب السابقة للإسلاميّين كان يدور النّقاش هل يجب تحكيم الشّريعة أم أنّ العجز قائم ؟

📂 أخلاق وآداب #حج #زواج #معاملات

وأنا بدوري لن أناقش الموضوع ولن أسعى لحسمه ..

ولكن الأكيد أنّ الشّريعة الإسلاميّة ليست قالبًا واحدًا يكون أو لا يكون ..

وكذلك العجز لا يعني الشّلل الكلّي بل هناك متّسعات لأمور لا ينبغي الاختلاف عليها ..

أعتقد أنّ الخروج من الجدل في المصطلحات العامّة والدّخول في التفصيلات سيُنشئ اتّفاقًا على الكثير من القضايا وهذا حسن، وسيحدد مواضع الخلاف ..

أزعم أن لو اتّبعت هذه المنهجيّة اتمايز إلى حدّ ما الخلاف بين أهل الغيرة على الدّين، ولبرز طرف لا يثق بهذا الدّين مندسّ كاره له ..

مثلًا الشّريعة تشمل منهاج حياة وليست مقتصرة على الحدود الّتي تُستجلب في هذه النقاشات لتوضع في الواجهة ..

الشّريعة تعني محاكم تقيم العدل بين النّاس وفق الفقه الإسلامي ..

أحكام الزّواج والطّلاق ..

أحكام المواريث..

المناهج التعليمية والتربوية ..

الأمور المالية وأحكام القروض والرّبا ..

تنظيم أمور النّاس من حيث الأملاك العامة والطّرقات والجيرة وإدارة المدن وفق ما تقتضيه الشّريعة سواء كان هناك نصّ أو بالاجتهاد في تحقيق المصالح العامة ..

مدخلات الدولة الإسلامي وحكم الإتاوة (الضرائب) ..

الأدبيّات العامة في المدارس والطرقات والمرافق العامة ..

أحكام أهل الذمّة وعلاقة الدولة والأفراد مع غير المسلمين ..

هذه بعض الجوانب التي خطرت في بالي ارتجالًا.. وهي بدورها يمكن التفصيل في كلّ جزء منها لتصبح قضايا أكثر تفرّعًا ..

-----

الآن لاحظ عندما تتحدّث عن العجز ..

غالبًا يدور الحديث عن العجز عن إقامة الحدود وبعض الأمور التي تخصّ العلاقة مع الكفّار في داخل الدّولة (الأقليّات) أو خارجها ..

أقول حتى هذه القضايا يمكن تقسيمها لعدة مواضيع ثم تكتشف أنّ العجز المزعوم يقع في قضية أو اثنتين لا في العنوان كلّه ..

ومع هذا تعالوا نتجاوز هذه القضايا ونبحث عن أمرين: الأول ما هو مفهوم العجز ؟ والثاني أين موضعه ؟

لنبدأ بالثانية ثم نعود للأولى

لا أعتقد أنّ عاقلًا يقول إنّ العجز قائم في كلّ قضايا الشّريعة، لأنّ العديد من القضايا تُطبّق حتّى في الأنظمة الجاهليّة القائمة اليوم ..

إذن يجب أن نخرج الكثير من قضايا حاكميّة الشّريعة من دائرة الجدل وحصرها في أمور محدّدة ..

لأنّ ترك الباب مفتوحًا فضفاضًا تحت باب العجز سيتيح للقيادة أن تتلاعب بكلّ شيء تحت هذا العنوان.. ودوركم كأهل دين تؤمنون بأنّ هناك عجزًا ويجب مراعاته أن تحدّدوا مواطن العجز وحدوده فلا يُترك في الفضفضة العامّة فيُتلاعب بكلّ الدّين بحجة العجز حتّى في المواطن الّتي لا يقع فيه العجز..

وكما قلت لن أحسم الموضوع ولكن أسعى لفتح إضاءات في الأذهان ..

أما الأمر الأوّل وهو مهم جدًّا ومحوريّ

ما هو العجز ؟ وما هي أسبابه المقبولة وحدوده ؟

عندما تُطرح قضيّة العجز تطرح من جهتين أحدها زعم عدم جاهزيّة الشّعوب الّتي عاشت في الجاهليّة لعقود لاستقبال حاكميّة الشّريعة ..

وحقيقة هذا طرح ومبدأ رديء يدلّ على رداءة عقول أصحابها وعدم ثقتهم بهذا الدّين واستحسان قلوبهم للجاهليّة على الإسلام ..

فمن حُكم بالنّار والحديد، أو واجه الفساد المستشري في المجتمعات والقتل والتهديد لن يحزنه أن يكون هناك نظام إسلاميّ يفتك بالمجرمين ويضبط أمور النّاس ويعيد الحقول لأهله ويقيم الميزان..

وأمّا الجانب الآخر الأكثر طرحًا في العقد الأخير هو أنّ حاكميّة الشّريعة تستعدي الأعداء علينا وقد ينشأ عنها تحالفات تحرق الأخضر واليابس، فنخسر الجزء الممكن بسبب طلب الكل "الممتنع" ..

هذا الطّرح يبدو أكثر منطقيّة ويلقي نظرة مقاصديّة، وليس تخوّفه من حكاميّة الشّريعة في ذاتها إنّما من المآلات التي قد تصدر من تكاتف القوى ..

ولكن الإشكاليّة هنا أنّ هذا الطّرح غير منضبط، والتأصيل المقاصدي غير المضبوط قد يعود بكوارث مقاصديّة أعظم بكثير !!

لذا اضبطوا طرحكم قبل تسويقه ..

بمعنى أنّ موضوعكم لا يقتصر على تعطيل الحدود والعلاقات العامة مع "الأقليّات" التي هي أكثر ما تستعدي العدوّ !

مشكلتكم أكبر من ذلك ..

لأنّه ثابت وظاهر ومجرّب أنّ العدوّ لا يكتفي بهذه "الشكليّات" فبعض الدول تعدم بالكهرباء وبوسائل أخرى ولا إشكال عندهم، وحتّى مفهوم الأخلاقيّات والحقوق الأساسيّة والعدالة محل جدل لم ولن ينحسم بينهم!

مثلًا لم يكن لدى أمريكا إشكال في إعدام صدام شنقًا رغم أنّ الإدارة العراقية تحت مظلّتها !

الغرب يبحث عن تغيير العقول ومسح الهويّة الإسلاميّة في مجتمعاتنا وليس عن الشكليّات، وإلّا لقمعوا الأنظمة العربيّة وحاربوها ..

والسؤال المطروح لو خضعنا لتهديدهم في باب القليّات والعلاقات العامّة ..

ماذا لو هددنا الغرب بتغيير المناهج ؟ وهذا حاصل !

ماذا لو هددنا الغرب لإعطاء منابر للعلمانيّة ؟ وهذا حاصل !

ماذا لو هددنا الغرب بأن تمكّنوا الأقليّات من الحكم وأن يكون لهم قوة وتأثير ؟ وهذا حاصل !

ماذا لو هددكنا الغرب بتمييع الأجيال القادمة ؟ وهذا حاصل !

إذن موضوع العجز ليس نتف ريشة أو ريشتين، لتبقى سائل الحلّة، بل سيعرّوكم من مبادئكم ودينكم وحتى "وطنيتكم" !

عدم ضبط مصطلح "العجز" سيقود المجتمعات إلى أسفل سافلين، لكن بدل أن يكون على يد طاغية سيكون الآن على يد "أهل الدين" ومجموع من فتاوى التّبرير !

دعوكم من شخصي وانظري في الموضوع نفسه ..

انظروا إلى تجارب الإخوان المسلمين خصوصًا والتجارب الأخرى عمومًا لكل من وصل للحكم تحت هذه المبرّرات سواء حكم في مجالس محلّيّة أو على مستوى الدول ..

انظروا كيف بدؤوا جميعهم بالغيرة الإسلاميّة القويّة، والخطاب الإسلاميّ القويّن ثمّ انظروا كيف انتهى بهم الحال أن يُتلاعب بهم، لينتفوا ريشهم بأنفسهم، ريشة وراء ريشة حتى صار الفساد مؤصّلا شرعًا ! وأعطوا أبغض صورة لحاكميّة المسلمين في أعين عامّة النّاس !

كلّها تجارب فاشلة على أصعد عديدة خطيرة كانت بدايتها عدم ضبط الخطاب الدين، والأحكام المقاصديّة !

لا تسألني عن البديل .. أنت من يطرح بديلًا فوثّق أركانه، فلم نر قطّ في التّجارب السابقة تدرّجًا نحو الأفضل في هذا السياق المنهجيّ، بل لا زال العدوّ يدرّجكم حيث يشاء إذ رضيتم من الأساس في منهجيّة الاسترضاء والإذعان ..

لذا اضبطوا مصطلحاتكم وحدّدوا وجهتكم واعملوا على تجربة جديدة تعلمت من أخواتها وسندعوا الله لكم بالتّوفيق والسّداد ..

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام