كيف نرد على شبهة (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)؟
يُعظم علماء المرجئة وعلماء الحكومات هذا الحديث في أعين الناس حتى استقر عند كثير من طلبة العلم أن من كفر مسلم فهو كافر -وهذا قول باطل- حتى تورع كثيرٌ من طلبة العلم عن تكفير الطواغيت ، ووجد من يتورع عن قول حتى -ظالم- للطاغوت ، ويتبين ضلال هذا القول من وجوه عديده :- ...
- أن عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- كفر حاطب بن أبي بلتعة لأنه فعل جُرماً عظيماً ، والدليل على ذلك أن الله ناداه باسم الإيمان في قوله : {يا أيها الذين ءآمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} الآية [الممتحنة / 1] ، لمّا أراد الرسول صلى الله عليه وسلم فتح مكة كتب حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : (دعني أضرب عنق هذا المنافق) ، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على عمر ولم يغضب ، وقال : ((وما يُدريك يا عمر لعل الله أطلع على أهل بدر فقال أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) -وأصل القصة في البخاري- ، ومع ذلك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : أنت تكفيري تكفر المسلمين وأنت من الخوارج ، كما يقول علماء الحكومات اليوم لأهل التوحيد ، ومع ذلك بوب البُخاري في (صحيحه) على هذه القصة ، وقال : (باب من لم يرى إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلاً).
- وقال ابن القيم -رحمه الله- على قصة حاطب وما فيها من الفوائد : ( وفيها : أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولاً وغضباً لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظّه ، فإنه لا يكفر بذلك ، بل لا يأثم به ، بل يُثاب على نيته وقصده ، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع ، فإنهم يُكفِّرون ويُبدِّعُون لمخالفة أهوائهم ونحلهم ، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدَّعوه ). {زاد المعاد 3 / 372}
- وأيضاً ما ثبت في البخاري من حديث جابر بن عبد الله ، أن معاذاً كان يُصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي قومه فيصلي بهم ، فقرأ بالبقرة ، فتجوز رجل فصلى صلاةً خفيفة ، فبلغ ذلك معاذاً ، فقال : إنه منافق ، فأخبر الرجل النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم ينكر قول معاذ للرجل ولكن أنكر الإطالة ، فقال : (أفتّان أنت يا معاذ -قالها ثلاثاً- اقرأ "والشمس وضحاها" و "سبح أسم ربك الأعلى" ونحوها).
- وأيضاً ما حصل للصحابة في قصة الإفك ، والحديث عند البخاري من حديث عائشة في كتاب التفسير سورة النور ، لما صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر وقال : (يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلاَّ خيراً ، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاَّ خيراً . وما كان يدخل على أهلي إلاَّ معي) ، فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال يا رسول الله ، أنا أعذرك منه ، إن كان من الأوس ضربت عُنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ، قالت -أي عائشة رضي الله عنها- : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلً صالحاً ، ولكن احتملته الحميَّة ، فقال لسعد : كذبت لعمر الله لا تقتله ، ولا تقدر على قتله ، فقام أُسيد بن حُضير وهو ابن عم سعد ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتُلنَّه ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين ... إلى آخر القصة.
- فجعل أُسيد بن حُضير سعد بن عبادة منافق ، ويجادل عن منافق يعني عبد الله بن أبي سلول ، ومعروف من هو سعد بن عباده ! ومع ذلك لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على أُسيد ولم يقل إنك تكفيري أو خارجي ، مثل ما يقول علماء الحكومات للترقيع لطواغيتهم ، وما قام أحد من أهل التوحيد وصدع به وتبرأ من الطواغيت إلاَّ قالوا له هذا الكلام ، حتى الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- ، لمّا صدع بالتوحيد وسب الطواغيت وعاداهم ، قالوا عنه علماء السوء إنه خارجيّ تكفيري مثل اليوم سواءً بسواء ، فنعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى .
- وأما معنى الحديث : (فقد باء بها) أي باء بالإثم ، يعني أنه آثم ولا يجوز ذلك ، أما من قال إنه كُفر فقوله ضعيف بعيد جداً ، فليُنتبه لذلك ، ومن أراد مزيد بحث فليرجع إلى كلام الشيخ عبد الله أبو بطين -رحمه الله- في (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) (5 / 511).
- وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن -رحمه الله- : ( إن كان : المكفِّر لبعض صُلحاء الأمة متأولاً مخطئاً ، وهو ممن يسوغ له التأويل ، فهذا وأمثاله ممن رُفع عنه الحرج والتأثيم ، لاجتهاده ، وبذل وسعه ، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعه ، فإن عمر رضي الله عنه وصفه بالنفاق ، وأستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((وما يُدريك أن الله اطلع على أهل بدر ، فقال : أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) . ومع ذلك فلم يُعنف عمر ، على قوله لحاطب : إنه قد نافق ؛ وقد قال الله تعالى : {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطئنا} [البقرة / 286] وقد ثبت : أن الربَّ تبارك وتعالى ، قال بعد نزول هذه الآية وقراءة المؤمنين لها ((قد فعلت)) وأما إن كان : المكفِّر لأحد من هذه الأمة ، يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان ، من كتاب الله وسنة نبيه ، وقد رأى كفراً بواحاً ، كالشرك بالله ، وعبادة ما سواه ، والاستهزاء به تعالى ، أو بآياته ، أو رسله ، أو تكذيبهم ، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق ، أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله ، ونحو ذلك ، فالمكفِّر بهذا وأمثاله ، مصيب مأجور ، مطيع لله ورسوله ). {الدرر السنية 12 / 260 , 261}
- وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين -رحمه الله- : ( هل من كفر مسلماً فقد كفر؟) : فأجاب عفا الله عنه : ( لا أصل لهذا اللفظ فيما نعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما الحديث المعروف : "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" ومن كفَّر إنساناً ، أو فسقه . أو نفقه ، متأولاً ، غضباً لله تعالى ، فيُرجى العفو عنه كما قال عمر رضي الله عنه في شأن حاطب بن أبي بلتعه ، أنه منافق ، وكذا جرى من غيره من الصحابة وغيرهم ... وقول الجُهال : إنكم تكفرون المسلمين ، فهذا ما عرف الإسلام ولا التوحيد ، والظاهر : عدم صحة إسلام هذا القائل ، فإن لم ينكر هذه الأمور التي يفعلها المشركون اليوم ، ولا يراها شيئاً فليس بمسلم ). {مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 1 / 654 , 655}
- فانتبه رعاك الله لكلام علماء المسلمين الصادقين . فهذا خلافاً لعلماء الحكومات الذين خوَّفوا الطلبة من التكفير ، حتى اصبح طواغيت العرب الذين يُحكمون غير الشريعة ، ويتحاكمون إلى غير الشريعة ، أنهم ليسوا كفار بل مسلمين ، وسابّ الله يُتوقف في تكفيره !! فنبرأ إلى الله من هذا الضلال ، ونعوذ به من هذا التلبيس.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام