هداية.

هل تتعارض معجزات الأنبياء (ع) مع اختصاص الخلق والتكوين بالله تعالى؟ عن الإمام الصادق (عليه السلام): «لاَ يُكَوِّنُ اَلشَّيْءَ لاَ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ اَللَّهُ وَلاَ يَنْقُلُ اَلشَّيْءَ مِنْ جَوْهَرِيَّتِهِ إِلَى جَوْهَرٍ آخَرَ إِلاَّ اَللَّهُ وَلاَ يَنْقُلُ اَلشَّيْءَ مِنَ اَلْوُجُودِ إِلَى اَلْعَدَمِ إِلاَّ اَللَّهُ». لكن هناك روايات تتحدث عن معجزات الأئمَّة (عليهم السلام) أنَّهم أوجدوا أو خلقوا من التراب كائناً حيّاً أو غيَّروا الصورة إلى صورةٍ حيَّةٍ والخ.. كيف التوفيق بين الأمرين؟

📂 أخلاق وآداب #زواج #قرآن

بسم الله الرحمن الرحيم

الرواية واضحةٌ في نفي الإشكال الذي يشير إليه السائل، فحين تقول: «لا يكون الشيء لا من شيء إلا الله»، لا تتحدث عن مطلق (إيجاد شيء)، بل عن نوعٍ خاصٍّ من الإيجاد، وهو الإيجاد من العدم المحض، أي الخلق الذي لا يعتمد على مادَّةٍ سابقةٍ ولا على أصلٍ موجودٍ. وهذا هو المعنى الدقيق لعبارة «لا من شيء»، أي ليست هناك مادَّةٌ أوليَّةٌ يُبنى عليها الفعل.

وهذا النوع من الخلق هو الذي يُسمَّى في علم الكلام بـ (الإيجاد الابتدائيّ) أو (الخلق من العدم)، وهو مختصٌّ بالله سبحانه؛ لأنَّه وحده الذي لا يحتاج إلى مادَّةٍ ولا إلى سببٍ سابقٍ.

أمَّا المعجزات التي نُسبت إلى الأنبياء والأئمَّة (ع)، فهي من نوعٍ مختلفٍ تماماً؛ لأنَّها ليست خلقاً من العدم، بل تحويلٌ أو تصرُّفٌ في شيءٍ موجودٍ. فالطين موجودٌ، ثم تتحول هيئته إلى طيرٍ، أو الجسد موجودٌ فيُعاد إليه الروح، أو الصورة تتبدل من شكلٍ إلى آخر. وهذا كلُّه يجري ضمن عالم (الأشياء الموجودة)، لا من خارجها.

ولهذا جاء النصّ القرآنيّ على لسان عيسى بن مريم بدقَّةٍ لافتةٍ: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ..} [آل عمران: 49]. فلم يقل: «أخلق لا من شيء»، بل قال: {مِّنَ الطِّينِ}، أي: من مادَّةٍ موجودةٍ. ثمّ أكَّد المعنى بقوله: {بِإِذْنِ اللهِ}، ليرفع توهُّم الاستقلال.

وبهذا يتبيَّن: أنَّ الرواية لا تنفي وقوع هذا النوع من الأفعال على يد أولياء الله؛ لأنَّها لا تتحدّث عنه أصلاً، بل تتحدث عن مرتبةٍ أعلى من الفعل، وهي الإيجاد الابتدائيّ الذي لا يملكه إلا الله.

أمَّا المقطع الذي يقول: «ولا ينقل الشيء من جوهريّته إلى جوهرٍ آخر إلّا الله»، فقد يتوهَّم السائل بأنَّ معجزات الأنبياء والأئمَّة (ع) هي من قبيل (تغيير الجواهر)، فيقع التعارض. وهنا يجب التفريق بين (تبدُّل الجوهر) و(تبدُّل الصورة أو الأعراض).

فـ (الجوهر) في الاصطلاح: هو الحقيقة المقوِّمة للشيء التي بها هو هو، وأمَّا (الأعراض): فهي الصفات والحالات التي تطرأ عليه. والرواية تنفي عن غير الله القدرة على إيجاد جوهرٍ جديدٍ أو قلب حقيقة الشيء استقلالاً؛ لأنَّ هذا في حقيقته يرجع إلى الإيجاد من العدم أو الإعدام، وهو مختصٌّ بالله تعالى.

والذي يقع في المعجزات ليس من هذا القبيل، بل هو تبدُّلٌ في الهيئة أو الصورة أو الخصائص ضمن إطار القدرة الإلهيَّة، لا إنشاء جوهرٍ مستقلٍّ لا من شيء، ولا قلب جوهرٍ إلى جوهرٍ آخر استقلالاً. فـ {الطِّينِ} في مثال عيسى (ع) لم يتحوّل بجعلٍ مستقلٍّ إلى جوهر حياةٍ منقطع الصلة، بل صار طيراً بإذن الله، أي: إنَّ الله هو الذي ألبسه حقيقة الحياة وأجرى هذا التحول على يد النبيّ. فالفعل في حقيقته فعل الله، لا انتقالاً ذاتيّاً يقوم به المخلوق.

وفي المحصِّلة، الإشكال لم ينشأ من تعارض النصوص، بل من عدم التمييز بين نوعين مختلفين من الفعل: فعلٌ يتعلق بأصل الوجود، وفعلٌ يتعلق بتغيير ما هو موجودٌ. وبهذا التفريق، ينحلُّ الإشكال بشكلٍ مباشرٍ، ويظهر أنَّ الرواية والمعجزات لا تتعارضان، بل يُكمل كلٌّ منهما الآخر في بيان حدود القدرة الإلهيَّة ومجالها.

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام