ما هي منزلة الحكم بما أنزل الله من الدين ؟
> أصول في علم الأصول:
-
منزلة الحكم بما أنزل الله من الدين
أولًا: الحكم بما أنزل الله من توحيد الربوبية (التوحيد العلمي)
من خصائص الربوبية التشريع، فهو من معاني لا إله إلا الله، كما قال الله تعالى
﴿وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾
ذكر تفرده سبحانه بالحكم، ثم بيّن أنه يجب أن يُعبَد به، فاعتقاد الأول هو التوحيد العلمي، وامتثال الثاني هو التوحيد العملي، والمقصود بالحكم هنا التشريع.
فواجب على كل مكلّف أن يوحِّد الله به، وذلك بأن يعتقد أن الأحكام لا تُقبل من غير الله تعالى.
فمن نازع الله سبحانه التشريع، فشرّع حكمًا من دون الله، فقد نازع الله في ربوبيته، وكان طاغوتًا، ومن اتخذه مشرِّعًا أو حَكمًا من دون الله فهو مشرك، لأنه قبل بغير الله مشرعًا مُطاعًا، فنقض توحيد الربوبية.
والدليل قوله تعالى
﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَـٰهًۭا وَٰحِدًۭا ۖ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
قال ابن جرير الطبري رحمه الله: أربابًا من دون الله، يعني سادة لهم من دون الله، يُطيعونهم في معاصي الله، فيُحلّون ما أحلّوه لهم مما قد حرّمه الله عليهم، ويحرّمون ما يحرّمونه عليهم مما قد أحلّه الله لهم.
ففي الآية صنفان: صنف نازع الله في خصائصه من أفعال الربوبية، فشرّعوا الأحكام من عند أنفسهم، فسماهم الله أربابًا، وصنفٌ قبِل هذا التشريع منهم وأطاعهم فيه، فحكم الله عليهم بأنهم مشركون.
ثانيًا: الحكم بما أنزل الله من توحيد الألوهية (التوحيد العملي)
فتوحيد الألوهية هو توحيد الله سبحانه وتعالى بالأعمال التي أمر بها، ومنها الحكم بشرعه والتحاكم له، فهو عبادة لا تجوز لغير الله تعالى، ومن صرف منها شيئًا لغير الله فقد أشرك، قال تعالى
﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
وقال سبحانه
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلًۭا بَعِيدًۭا﴾
فجعل التحاكم للطاغوت سببًا في إبطال الإيمان المزعوم، لأن نفس الإيمان يقتضي الكفر بالطاغوت بترك التحاكم له، ومن فعل العكس بطل إيمانه.
فالذي يحكم أو يحتكم لغير حكم الله من الطواغيت، كالقانون الوضعي أو الدستور، أو غير ذلك مما شُرع من دون الله، فقد أشرك بالله تعالى في حكمه، ولو حكم ببعض ما فيه أو خلطه مع حكم الله تعالى.
قال تعالى
﴿وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِۦٓ أَحَدًۭا﴾
قال الشنقيطي: قرأه ابن عامر من السبعة (ولا تُشركْ) بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النهي، أي: لا تُشركْ يا نبيَّ الله، أو لا تُشرك أيها المخاطب أحدًا في حكم الله جل وعلا، بل أخلِص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم.
وحكمه جل وعلا المذكور في قوله ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِۦٓ أَحَدًۭا﴾ شامل لكل ما يقضيه جل وعلا، ويدخل في ذلك التشريع دخولًا أوليًا.
ثالثًا: الحكم بما أنزل الله من توحيد الأسماء والصفات
إن من الإيمان بالله الإيمان بأسمائه وصفاته سبحانه، والواجب أن يُفرَد بها وحده لا شريك له، بلا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف، وأن يُعمَل بمقتضى المعاني التي دلت عليها.
ومن أسماء الله تعالى (الحَكَم)، ومن أفعاله (الحُكم)، قال الله تعالى
﴿أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًۭا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلًۭا﴾
وقال تعالى
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾
وقال تعالى
﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾
وعن هانئ بن يزيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
إن الله هو الحكم، وإليه الحكم
قال الخطابي رحمه الله: هو الذي سُلِّم له الحكم، ورُدَّ إليه فيه الأمر.
ومعنى التسليم والرّد في الأمر هو توحيده به، والأمر هو أحكام الله وتشريعه لعباده، فوجب إفراده به بهذا المعنى.
واتخاذ شريك لله في حكمه، أو التحاكم لغير الله سبحانه، يناقض إفراده باسم (الحكم) وصفة (الحُكم).
قال ابن القيم رحمه الله:
فالحكم الشرعي، فهذا حقه أن يُتلقى بالمسالمة والتسليم وترك المنازعة، بل بالانقياد المحض.
وهذا تسليم العبودية المحضة، فلا يُعارَض بذوق ولا وُجد، ولا سياسة ولا قياس، ولا تقليد، ولا يُرى إلى خلافه سبيلًا البتة، وإنما هو الانقياد المحض والتسليم والإذعان والقبول.
> أصول في علم الأصول:
فإذا تُلقِّيَ بهذا التسليم والمسالمة إقرارًا وتصديقًا، بقي هناك انقياد آخر وتسليم آخر، له إرادة وتنفيذ وعمل، فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه، كما لم تكن له شبهة تعارض إيمانه وإقراره.
وهذا حقيقة القلب السليم، الذي سَلِم من شبهة تعارض الحق، وشهوة تعارض الأمر.
رابعًا: أن الحكم بما أنزل الله من مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله
فالشهادة له بالنبوة توجب اتباع ما أُنزل عليه، والحكم به، والتحاكم له.
فمن حكم بغير ما أنزله الله من قانون وضعي ونحوه، أو تحاكم إليه، فليس بمؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولو زعم ذلك ونطق به.
قال تعالى
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًۭا﴿٦٤﴾ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًۭا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًۭا﴾
فقرر فيها أمرين: أن الحكمة من إرسال الرسل هي طاعتهم بما أَذن الله فيه، ومن طاعتهم الحكم بما بُعثوا به، والتحاكم إليهم، لأن سياق الآيات السابقة واللاحقة في قضية الحكم والتحاكم.
وأن من لم يُحكّم النبي صلى الله عليه وسلم عند مواطن النزاع والشجار فليس بمؤمن. ونفي الإيمان هنا نفي لأصله، لا لكماله، فهو نفي حقيقي.
قال أبو بكر الجصاص رحمه الله: في هذه الآية دلالة على أن من رد شيئًا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام، سواء رده من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم، وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة، وقتلهم وسبي ذراريهم، لأن الله تعالى حكم بأن من لم يُسلّم للنبي صلى الله عليه وسلم قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان.
وبهذا البيان عن علاقة الحكم بما أنزل الله بالتوحيد، تعلم أن نفي الإسلام عمن لم يحكم بما أنزل الله، أو تحاكم لغير ما أنزل الله من شرائع الطاغوت كالقوانين الوضعية أو الأعراف الجاهلية ونحوها، هو القول الحق الذي لا ينبغي غيره، وهو المحكم الواضح الذي لا تُعارَضه المتشابهات.
فإياك يا أخا الإسلام أن تسمع لشبهات المبطلين، وتحريفات الزائغين الذين يُهوّنون من شأنها، أو يجعلون الكلام عليها من جنس كلام الرافضة عن الإمامة، فتلك قضية وهذه قضية، وليس بينهما أي علاقة بأي وجه.
وإنما يفعله البطّالون والمنافقون ترقيعًا للطواغيت، للبقاء في حكمهم، وتلبيسًا على المسلمين لئلا يقوموا عليهم بسبب كفرهم.
وعليك يا أخي أن تحفظ هذه الأصول، فإنها من أصل العلم بهذه المسألة. فمتى ما ضبطها الإنسان سَلِم قلبه من كل شبهة تَرد عليه من أهل الأهواء، والتمسك بالأصول قبل الفروع هو الطريقة العلمية السليمة التي تحفظ الإنسان من الأفهام الخاطئة والتأويلات المنحرفة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
لا بد أن يكون مع الإنسان أصولٌ كليّة يردّ إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام