ما هي فضائل أيام العشر من ذي الحجة والعمل فيها؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن العشر الأُوَل من ذي الحجة هي أفضل أيام الدنيا على الإطلاق، والعمل الصالح فيها أحب إلى الله تعالى وأفضل من العمل الصالح في غيرها من الأيام على الإطلاق، وقد بين الله تعالى ذلك في كتابه، وكذلك رسوله ﷺ في سنته.
[إقسام الله بها]
فقد أقسم الله تبارك وتعالى بها، والقسم لبيان الفضل والتعظيم -؛ فقال تعالى: ﴿وَلَیَالٍ عَشۡرࣲ ٢﴾ [الفجر ٢]
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إن الليالي العشر التي أقسم الله بها هي ليالي العشر الأول من ذي الحجة». [رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٤ /٣٩٦) بإسنادٍ صحيحٍ عنه].
وجمهور أهل العلم على ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما.
قال ابن جرير الطبري - رحمه الله تعالى - في "تفسيره": "والصواب من القول في ذلك عندنا أنها عشر الأضحى، لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه". اهـ.
والأيام العشر هي الأيام المعلومات التي أمر الله تعالى بذكره فيها في قوله تعالى: ﴿وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِیمَةِ ٱلۡأَنۡعَـٰمِۖ فَكُلُوا۟ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُوا۟ ٱلۡبَاۤىِٕسَ ٱلۡفَقِیرَ ٢٨﴾ [الحج ٢٨]
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "هي أيام العشر". [علقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم، ووصله غير واحد، كما في "فتح الباري" (٢ /٥٣١)]
[وعد الله لموسى عليه السلام]
وأيام العشر الأُوَلِ من ذي الحجة، قيل: بأنها المذكورة في قوله تعالى: ﴿۞ وَوَ ٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِینَ لَیۡلَةࣰ وَأَتۡمَمۡنَـٰهَا بِعَشۡرࣲ فَتَمَّ مِیقَـٰتُ رَبِّهِۦۤ أَرۡبَعِینَ لَیۡلَةࣰۚ﴾ [الأعراف ١٤٢].
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - في "تفسيره": "وقد اختلف المفسرون في هذه العشر ما هي؟ فالأكثرون على أن الثلاثين هي ذو القعدة، والعشر عشر ذي الحجة. قاله مجاهد، ومسروق، وابن جريج، وروي عن ابن عباس وغيره؛ فعلى هذا يكون قد كمل الميقات يوم النحر، وحصل فيه التكليم لموسى عليه السلام، وفيه أكمل الله الدين لمحمد ﷺ، كما قال تعالى: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَـٰمَ دِینࣰاۚ﴾ [المائدة ٣]". اهـ.
[حديث النبي ﷺ عن فضلها]
روى البخاري في صحيحه (٩٦٩)، وأبو دَاوُدَ في سننه (٢٤٣٨) - واللفظ لأبي دَاوُدَ -، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ». يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».
قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٥٣٢): "المراد بالأيام في حديث الباب أيام عشر ذي الحجة". اهـ.
ثم قال الحافظ في "الفتح" – أيضًا - (٢/ ٥٣٣): "وفي الحديث تعظيم قدر الجهاد، وتفاوت درجاته، وأن الغاية القصوى فيه بذل النفس لله؛ وفيه تفضيل بعض الأزمنة على بعض كالأمكنة؛ وفضل أيام عشر ذي الحجة على غيرها من أيام السنة". اهـ.
[يوم عرفة]
وفي هذه العشر يوم (عرفة) المعروف فضله، والثابت نقله، والمشهور في العالمين ذكره.
روى مسلم في صحيحه (١٣٤٨) عن عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ».
فيا له من فضل، وَيَا له من إكرام عظيم لحجيج بيت الله الحرام؛ جعلنا الله تعالى منهم ومعهم، ورزقنا فضلهم.
قال ابن القيم في "زاد المعاد" (١/ ٦٤): "قربه الخاص من أهل عرفة، ومباهاتُه بهم ملائكته، فتستشعرُ قلوبُ أهل الإيمان هذه الأمور، فتزداد قوة إلى قوتها، وفرحًا وسرورًا وابتهاجًا ورجاءً لفضل ربها وكرمه". اهـ.
وروى مسلم في صحيحه (١١٦٢) من حديث أبي قتادة ... وفيه قول النبي ﷺ: «.. صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ».
[يوم النحر]
وفي هذه الأيام: يوم العيد الذي هو يوم النحر.
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في "زاد المعاد" (١/ ٥٤): "ومن هذا تفضيله بعض الأيام والشهور على بعض، فخير الأيام عند الله يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر". اهـ.
فأيام بهذه المكانة والفضائل، كيف يفرط فيها عاقل؟!
فينبغي اغتنامها، والاستعداد لها، والعمل الصالح فيها، فربما فاتت وفات العمر، وانتهى الأجل؛ فيندم على تفريطه فيها، ويتمنى أن لو رجع إليها.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام