ما هي حقيقة العبادة - متى يُقال إن فلانًا يعبد فلانًا -؟ وما هو ضابط ذلك؟ وما حقيقة التشريع، مع الأدلة؟
حقيقةُ عبادة غير الله، هي صرفُ ما كان خاصًا بالله تعالى وحده، إلى غيره [ وهو الشرك ].
ومِن صور العبادة الخاصة بالله: الركوع، والسجود، والدعاء، وسائر أنواع القرُبات؛
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 21].
فالعبادة حَقٌّ خالص لله سبحانه.
وكتنبيه: لا يصح أن يُطلَق هذا الوصف على مجرد الطاعة -في المعروف- أو التوقير وحُسن الصُّحبة، ونحو ذلك؛ فطاعة الوالد، أو الأمير، وحسن صُحبة الصاحب، لا تُسمَّى عبادة له، كما يظن بعض الناس.
كذلك أمر التشريع، من تحليل وتحريم، وفرض العبادات على الناس، لا يكون إلا لله وحده؛
وما لم يشرعه الله، لا يجوز اعتباره دينا؛ قال تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [الشورى: 21].
وأودُّ التنبيه إلى أن: " مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ "، هو الشيء الذي لا وجود له في القرآن ولا في السنة، مما لم يَشرَعه الله سبحانه وتعالى.
ومن الخطأ أن يُظَنَّ أن النبي ﷺ لا يشرع إلا ما داوم عليه؛ بل إذا فِعل عبادة مرة واحدة، فهي تصبح مشروعة ومأذونا فيها للناس - كصلاة النبي لقيام الليل جماعة في رمضان يومين أو ثلاث - إلا إذا نصّ على تخصيصها بوقت، مثل صلاة العيد، والوقوف بعرفة، ورمي الجمرات، فحينها تكون مخصوصة بوقت معين.
أما أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم ببعض العبادات، ويشرع للناس الشيء ولو لمرة واحدة، فهذا الشيء يضاف إلى التشريع الإسلامي مباشرة، ولا يلزم أن يكرره صلى الله عليه وسلم.
وكثير من الأمور في الصلاة، والصيام، والحج، لم تَرِد إلا بفعل واحد من النبي ﷺ، فأصبحت تشريعا ثابتا؛ ولا يقال: هذا خاص بتلك المرة فقط، بل هو دين إلى يوم القيامة.
كذلك، يجب التفريق بين أخذ العلم من العلماء بالأدلة، وبين جعلهم مصدرًا للتشريع:
• نحن نأخذ من العلماء العلم بالأدلة الشرعية من القرآن والسنة - وهذا واجب وفريضة -.
• أما جعلهم مصدرا للتشريع، والعمل بتشريعاتهم المأخوذة من الإجماع والاستحسان والقياس، فذلك عينُ الشرك، إذ أنَّ مَن جعل العلماء مشرِّعين مع الله فقد أشرك، قال تعالى:
﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [الشورى: 21].
وقال: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 31].
وننبه أيضا إلى مسألة ما لا يدخل في التشريع - كما يظن البعض -، مثل: ما فَعله الصحابة من جمع المصحف، وترتيب السور، ونحو ذلك.
لا علاقة لهذا كله بالتشريع أو البدَع أو الاستحسان، لكونه ليس فيه شيء يضاف في الدين، وإنما هي وسائل تخدم الدين.
فالتشريع هو ما يُضاف إلى الدين من أحكام العبادات والحلال والحرام، أما ترتيب المصحف أو جمعه أو نسخه فلا يُعدّ من التشريع، ولا يُقال إنه بدعة.
وقد وصل الأمر عند البعض، إلى قولهم بأن كتابة الفهرس في المصحف من البدع!..
وهذا من الجهل.
يكفى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شرع لنا كتابة القرآن، وانتهى الأمر عند هذا الحد.
بعد ذلك لا فرق أن نكتب القرآن على ورق، أو على جدار، أو على جلد، أو أن نضع له فهرسا، فكل ذلك لا علاقة له بإضافة حُكم جديد إلى دين الإسلام.
لكن الجهل الكبير الذي عند بعض الناس، جعلهم لا يفهمون معنى التشريع؛ فالتشريع، كما قلنا وكررنا، هو أن يُضاف حكم إلى الشريعة فيُتعبد به.
أما اتخاذ الوسائل لحِفظ الدين وتعليمه ونحو ذلك، فليس من التشريع.
ومثال ذلك: أنني الآن أسجل لكم الدروس في تسجيلات، بينما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُعلِّم الناس مشافهة فيسمعونه مباشرة.
فوجود التسجيل الصوتي اليوم، لا علاقة له بالتشريع، ولا يُقال عنه بدعة.
وكذلك الكتابة بالهاتف أو بالوسائل الإلكترونية أو بالأقلام أو غيرها، كلها وسائل، ولا صلة لها بالتشريع في الدين ولا بالبدع؛ لأن البِدعة في حقيقتها، هي أن يُضاف تشريع إلى الدين لم يأذن به الله تعالى.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام