ما حكم من اعتقد ان تحكم شريعة الاسلام تفضي الى القتال والمخالفة وانه لا يحصل الاجتماع والالفة الا على حكم الطاغوت ؟
إِنَّ أَصْلَ الدِّينِ وَأَسَاسَ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ هُوَ تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ، وَالتَّوْحِيدُ لَا يَصِحُّ وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِرُكْنَيْنِ عَظِيمَيْنِ: الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، . وَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا: الْبَرَاءَةُ مِنْ أَحْكَامِهِ وَتَشْرِيعَاتِهِ، وَالِامْتِنَاعُ التَّامُّ عَنِ التَّحَاكُمِ إِلَيْهِ.
فَالتَّحَاكُمُ إِلَى الطَّاغُوتِ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَعْصِيَةٍ أَوْ ذَنْبٍ كَبَاقِي الذُّنُوبِ، بَلْ هُوَ نَاقِضٌ مِنْ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ، يَقْتَلِعُ الْإِيمَانَ مِنْ جُذُورِهِ. فَمَنِ ابْتَغَى حُكْمًا غَيْرَ حُكْمِ اللَّهِ، أَوْ تَحَاكَمَ إِلَى طَاغُوتٍ، سَوَاءٌ كَانَ قَانُونًا وَضْعِيًّا أَوْ حُكْمًا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، فَقَدِ اتَّخَذَ ذَلِكَ الطَّاغُوتَ رَبًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَالتَّحَاكُمُ وَالِاتِّبَاعُ فِي التَّشْرِيعِ هُوَ عَيْنُ الْعِبَادَةِ، وَصَرْفُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ هُوَ الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ الْمُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ.
وَلَقَدْ جَاءَتِ النُّصُوصُ حَاسِمَةً لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ فِي سَلْبِ وَصْفِ الْإِيمَانِ عَمَّنْ تَحَاكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. فَسَمَّى اللَّهُ إِيمَانَهُمْ زَعْمًا، وَهُوَ الِادِّعَاءُ الْكَاذِبُ؛ لِأَنَّ التَّحَاكُمَ لِلطَّاغُوتِ يُنَاقِضُ الْكُفْرَ بِهِ تَمَامًا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ، وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فَأَقْسَمَ اللَّهُ بِنَفْسِهِ عَلَى نَفْيِ الْإِيمَانِ عَمَّنْ لَمْ يُحَكِّمِ الشَّرِيعَةَ فِي كُلِّ شَأْنِهِ.
فَالتَّحَاكُمُ إِلَى الطَّاغُوتِ كُفْرٌ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ، وَالْوُقُوعُ فِيهِ يَتَضَمَّنُ تَوْلِيَةَ غَيْرِ اللَّهِ حَكَمًا، وَالرِّضَا بِغَيْرِ الشَّرِيعَةِ بَدِيلًا. وَصَرْفُ التَّنَازُعِ إِلَى مَحَاكِمِ الْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ هُوَ تَوَلٍّ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
وَلَا يُمْكِنُ لِقَلْبٍ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ تَوْحِيدُ اللَّهِ مَعَ الرُّضُوخِ وَالذَّهَابِ إِلَى مَحْكَمَةٍ تَحْكُمُ بِغَيْرِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إِقْرَارًا بِشَرْعِيَّةِ الطَّاغُوتِ، وَإِعْطَاءَهُ حَقَّ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَفَصْلِ الْخُصُومَاتِ.
وَالْإِسْلَامُ لَمْ يَعْذُرْ فِي مُقَارَبَةِ الْكُفْرِ إِلَّا بِالْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْإِنْسَانُ تَحْتَ حَدِّ السَّيْفِ، مَعَ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِالْإِيمَانِ. أَمَّا الذَّهَابُ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا مِنْ أَجْلِ مَالٍ أَوْ خُصُومَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، فَإِنَّهُ بَيْعٌ لِلدِّينِ بِالدُّنْيَا، وَوُقُوعٌ فِي النَّاقِضِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ مَعَهُ صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ، مَا دَامَ أَصْلُ التَّوْحِيدِ قَدْ هُدِمَ.
فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُوَحِّدٍ أَنْ يُعْلِنَ بَرَاءَتَهُ التَّامَّةَ مِنْ كُلِّ طَاغُوتٍ، وَمِنْ كُلِّ حُكْمٍ وَقَانُونٍ يُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ، فَالْحُكْمُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالتَّحَاكُمُ لَا يَكُونُ إِلَّا إِلَى شَرْعِهِ.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام