ماذا جاء في صحيفة النباء العدد 551؟
العدد من صحيفة النبأ بعنوان: فاصبر إنّ وعدَ الله حقٌّ..
خاطب الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في آيات القرآن العظيم ثماني عشرة مرة بخطاب محكم بألفاظ: (فَاصْبر) (وَاصْبر) (اصبر) أمرًا إياه بالصبر على ما يلاقيه من ألوان الأذى والمحن في طريق توحيده وجهاده، لأنها لا تفارق هذا الطريق، ولم يسلم منها نبي ولا صديق.
ومن بين هذه الآيات ثلاث آيات تصبره وتسليه بوعد الله الحق واحدة في نهاية سورة الروم هي قوله تعالى:(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ )، وثنتان في سورة غافر في قوله: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ). وقوله:(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ).
وقد جمع الله تعالى في هذه الآيات الثلاث بين الأمر بالصبر والوعد بالنصر، ثم ساق شيئا من لطائف وأسرار هذا السبيل الذي لا بد لكل من سلكه أن يمر بمحطاته ويخوض غماره نبيًّا كان أو تابعا مقتفيًا آثار النبوة.
ومعلوم أن القرآن الكريم كتاب الله العظيم، فيه نبأ ما قبلنا، وخير ما بعدنا وحكم ما بيننا، وهو سبيل نجاتنا ونبراس هدايتنا وما شقيت الأمة في عصرنا إلا عندما حادث عن سبيله وزهدت في مناحله وراحت تستقي من مناهل الجاهلية الآسنة فازدادت بذلك مرضا وضعفاء ودواؤها وشفاؤها في العودة الجادة لكتاب ربها والاحتكام إليه، فالقرآن نزل يقود ولا يُقاد يعلو ولا يعلى، يحكم ولا يحكم، وهذا هو خير توظيف للقرآن في حياة الإنسان، وما سوى ذلك فهو بين النقصان والبطلان وعند التدبر في هذه الآيات الثلاث ناهيك عن البقية نجد أنها تلخص بدقة كبيرة أحوال المسلم المجاهد في دروبه وحروبه مع أهل الباطل على اختلاف راياتهم الجاهلية، فملة الكفر واحدة، منذ اشتعال شرارة المواجهة بين التوحيد والشرك.
ولما أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر ووعده بالنصر، نبّهه إلى سر من أسرار ذلك وهو اليقين فقال تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حقٌّ وَلَا يَسْتَخِفنكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ). ففي الآية تنبية للنبي وأتباعه ألا يستفزهم الذين فشلوا في اختبار اليقين بوعد الله فكذبوا أو شككوا وارتابواء قال البغوي: " معناه: لا يحملئك الذين لا يوقنون على الجهل واتباعهم في الفي". وقال القرطبي: "أي لا يستفزنك عن دينك الذين لا يوقنون.. والخطاب النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته".
وهي رسالة إليك أيها الموحد المجاهد: (ولا يَسْتَخِفَنكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ). فاحذر أن تجعل لفقراء اليقين المرتابين الشاكين إليك سبيلا فيضلونك عن الهدى ويحملونك على الزيغ والنكوص عن أمر الله فمخالطة هؤلاء تفريط في الثبات وعرضة للهلكة وهم كثر في الأمة اليوم. آمنوا بلسانهم ولم يدخل الإيمان قلوبهم قرأوا القرآن ولم يجاوز تراقيهم إن اليقين فارس لا يتخلف عن كل المعارك ضد الجاهلية، فهو في معركة الحاكمية حاضر بقوة لقوله سبحانه: (أفحكم..
..الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، فأهل اليقين لا يبغون حكم الجاهلية ودساتيرها وقوانينها لأنهم يوقنون أنه لا حكم يفضل أو يعدل حكم خالقهم مهما كانت المغريات ولا يحتكمون إلى غيره في صغيرة ولا كبيرة مهما كانت الضغوطات لأنهم يوقنون أنها لا تعادل غمسة واحدة في نار جهنم والعياذ بالله تعالى.
واليقين والصبر يتقدمان الصفوف في ميدان الإمامة كما أخبر تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ). وفي هذا نقل ابن كثير عن سفيان بن عيينة قوله: "لما أخذوا برأس الأمر صاروا رؤوسا" يعني أئمة في الخير وقادة في الحق وهذا معنى قولهم: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين". واليقين من أعلى درجات الإيمان، بل هو كما قال ابن القيم في المدارج اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد وبه تفاضل العارفون وفيه تنافس المتنافسون وإليه شمر العاملون".
واعلم أيها المجاهد، أنه لا صبر لمن لا يقين له، وكلما زاد يقينك زاد صبرك والعكس صحيح، ومن هنا كانت أزمة المنتكسين المنهزمين في يقينهم، وفي هذا قال الشيخ أبو حذيفة الأنصاري -حفظه الله- في خطابه اعلموا أيها المجاهدون أن الهمم والعزائم قد تفتر من تكرار النوائب وتتابع المصائب لكن المؤمن يرممها ويعالجها باليقين والتسليم بموعود الله لعباده، وما أعده للصابرين في دار كرامته وأفة عصرنا ضعف اليقين والمؤمنون يتفاوتون في مراتبه وقمين بالمجاهد أن يحوز أعلاه".
واليقين هو الذي يدفع المجاهد إلى الانغماس في صفوف عدوه، لأنه موقن بما أعده الله تعالى لعباده المقاتلين في الصفوف الأول، واليقين هو الذي يكسبه الشجاعة في مدافعة الكفار واقتحام
الأخطار، لأنه موقن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ولأنه موقن بأن الإقدام لا يقدم أجلا والإحجام لا يؤخره.
وفي قوله تعالى: (فَاصْبِرُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحُ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ والإبكار)، سر دقيق آخر من أسرار الصبر والنصر وهو الاستغفار، قال الطبري: "هذا تهييج للأمة على الاستغفار".
والذكر قرين المجاهد وزاده في حله وترحاله وعند رباطه وقتاله والتوبة والاستغفار عونه ومدده، وكلها بريد إلى الصبر والنصر، فما أجزع العصاة وما أعجزهم عن الصبرا وأبعدهم عن النصر.
ثم يخبر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن عاقبته في طريق جهاده لا تخرج عن أمرين اثنين: ١-الأول أن يريه وعده بالنصر والتمكين في الأرض، ٢-والثاني أن يقبضه قبل أن يريه ذلك، لقوله تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ). وكلا الأمرين ينطقان بأن وعد الله حق ويقران بأن العاقبة للمتقين.
وأنت أيها المجاهد السائر على درب نبيك اصبر فإن وعد الله حق اصبر على ما تلاقيه من المشركين لقاء توحيدك وما تلاقيه من الشاكين المرتابين لقاء يقينك وصاحب ذلك بدوام التوبة والاستغفار فإن وعد الله بالتمكين حق لا ينال إلا بالتقوى والصبر واليقين.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام