كيف ننسف أوهام العاذرية بالأدلة القطعية؟
لا ترتفع ُ صفةُ الشِّركِ على المتلبِّسِ بالشرك الأكبرِ، وتثبتُ قبل قيام الحُجَّة الرِّسالية وبعدَها بالضرورة يعلم أنّ الفرد قبل قيام الحجة عليه يكون جاهلا ؛ لأنّ عبادةَ غيرِ اللهِ لا توجد مع الإسلام البتة، ولا توجد إلاّ من مُشركٍ وإن كان مُصرّحًا بالإسلام، ومعنى ذلك أنّ مَنْ عَبَدَ اللهَ تعالى وعَبَدَ معه إلهًا آخَرَ لم يكن مُسلمًا بمجرد صرفه العبادة لغير الله تعالى .
و الأدلة كثيرة على هذا :
من كتاب الله :
1_ قال تعالى ( وَإِنْ أَحَد مِنْ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَع كَلَام اللَّه ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنه ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْم لَا يَعْلَمُونَ ) "التوبة "
سمّاهم مشركين و هم لم يسمعوا كلام الله كما في وسط الآية و رُغم أنهم قوم جاهلون كما وصفهم عز وجل في أخر الاية بأنّهم قوم لا يعلمون
2 _ قال تعالى (لمَ ْيَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ) البينة
سمّاهم مشركين وقبل إقامة الحجّة عليهم ، كما أنّ الحجة هنا هي الرّسول – صلى الله عليه وسلم – ، بل حكم عليهم بالكفر والشرك قبل الرّسالة وقبل أن تبلغهم الحجّة ويأتيهم رسول ، فكل من تلبّس بالشرك يسمى مشركا
3 _ قال تعالى (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ ) الانعام
تمعّن فقد سمّاهم مشركين قبل مجيء الرسالة
4 _ قال تعالى حاكيا عن بلقيس : (وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ) النمل
فقد ألحق الكفر بالقوم قبل بلوغهم الرّسالة و قبل أن يُرسل الى ملكتهم بلقيس كتاب سليمان عليه السلام
5 _ قال تعالى (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُم مُّعْرِضُونَ ) الانبياء
فقد ذكر الله سبحانه في هذه الآية أن سبب إعراض الكفار عن الحق هو جهلهم وعدم معرفتهم به فجاهل الاسلام و ما يُدخل فيه معرض لأن الله بيَّن أمر الإسلام ووضحه وجلّى التوحيد وغرسه في العقول والفطر والأنفس والآفاق فمن جهل أمر التوحيد أو جهل أمراً لا يسع أحداً جهله، أولم يبحث عن الرسل ولم يصدقهم،أو لم يصغِ لهم البتة، فمثله كمثل الذي يصلي في الحِجر إلى غير الكعبة وهي قد سدت الأفق أمامه ويزعم أنه ما اهتدى إليها،فكل عاقل يسمي هذا معرضاً لا جاهلاً
6 _قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) البقرة
فسوّى سبحانه بين من اتاه النذير و بين من لم يأته النذير و جعلهم صنف واحد كفار لا يؤمنون .
7 _ قال تعالى ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ) الفاتحة
غير صراط المغضوب عليهم وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق
8 _ قال تعالى : (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) يونس
يخبر سبحانه عن المشركين الذين كذبوا رسول الله بجهلهم فلم يعذروا بل جعلهم ظالمين
9 _ قال تعالى : (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ) النحل
فأخبر الله تعالى أن من أضل الناس بغير علم (بجهل ) يحمل وزره يوم القيامة فدل على أن الجاهل بالله وأحكامه له أوزار مع أنه جاهل فهو غير معذور عند الله بل محاسب لأن الجهل بالله وأمره ليس عذراً بل هو جريمة وإثم. وهذا معنى ماجاء في صحيح البخاري (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ) باب كيف يقبض العلم
و ما جاء في صحيح مسلم (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا ) باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة
10 _ قال تعالى (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ ) النحل
فسمّى الله تعالى جهلهم بآياته ظلما ولم يسمّه عذرا
قال ابو حفص عمر بن علي بن عادل الدمشقي ( قَالَ لَهُمُ اللَّهُ : { أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً } ولم تعرفوها حتى معرفتها ؛ قلت : فلم يعذرهم مع عدم العلم و المعرفة ) اللباب في علوم الكتاب
11 _ قال تعالى : (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِير ) الحج
في هذه الآية بين سبحانه أن المشركين الذين هم أهل النار عبدوا غير الله بالجهل فسماهم الله ظالمين ولم يسمهم معذورين
قال عمر بن علي بن عادل ( { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً } حجة { وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } أي : عن جهل ، وليس لهم به دليل عقلي فهو تقليد وجهل ، والقول الذي هذا شأنه يكون باطلاً ) تفسيره اللباب في علوم الكتاب ج 12 ص 353
12 _ قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) العنكبوت
فدل على أن من أشرك بالله ماليس له به علم ( بجهل) لايعذره الله أبدا وإن جاهده والداه على ذلك
قال السمعاني في تفسيره لها (وَقَوله: {مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم} إِنَّمَا قَالَ هَذَا؛ لِأَن الشّرك كُله عَن جهل، فَإِن الْعَالم لَا يُشْرك بِاللَّه) تفسير القرآن
13 _ قال تعالى ( وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) المؤمنون
قال مقاتل بن سليمان في تفسيره وهو للاستئناس ( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ يعني ومن يصف مع الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ يعني لا حجة له بالكفر ولا عذر يوم القيامة، نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد المستهزئين فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ- 117- يقول جزاء الكافرين، أنه لا يفلح يعني لا يسعد في الآخرة عند ربه- عز وجل وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ الذنوب وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ- 118- من غيرك يقول من كان يرحم أحدا فإن الله- عز وجل- بعباده أرحم وهو خير يعني أفضل رحمة من أولئك الذين لا يرحمون ) تفسير مقاتل بن سليمان لسورة المؤمنون
14 _ قال تعالى (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) الاعراف
قال بن ابي حاتم الرازي في تفسيره (حدثنا أبو زرعة، ثنا صفوان، ثنا الوليد ثنا سعيد بن بشير عن قتادة قال قال الله تعالى: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة قال: من عجل الإيمان في الدنيا خلصت له كرامة الله يوم القيامة، ومن ترك الإيمان في الدنيا نزع الله منه كرامة الآخرة ثم لقي الله لا عذر له ) تفسيره لسورة الاعراف
15 _ قال تعالى: (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا ) الكهف
وصف الله النصارى في نسبتهم الولد لله تعالى بعدم العلم والجهل ولم يكن ذلك عذر لهم
16 _ و قال تعالى (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ) الزخرف
و هنا اعتقدوا أنه سبحانه اصطفى البنات على البنين، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ثم زادوا عبادتهم لهم بلا دليل ولا برهان، ولا إذن من الله عز وجل، بل بمجرد الآراء والأهواء، والتقليد للأسلاف والكبراء والآباء، والخبط في الجاهلية الجهلاء
17 _ قال تعالى: (فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) الاعراف
في هذه الآية بيّن سبحانه أن الفريق الذي حق عليهم الضلالة، إنما ضلوا عن سبيل الله وجارُوا عن قصد المحجة باتخاذهم الشياطين نُصراء من دون الله وظُهراء جهلا منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك بل فعلوا ذلك وهم يظنون أنهم على هدى و حق وأن الصواب ما أتوه وركبوه وهذا من أبين الدلالة على خطأ قول من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عنادا منه لربه فيها. لأن ذلك لو كان كذلك, لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضلّ وهو يحسَبُ أنه هادٍ. وفريق الهدى، فَرْقٌ. وقد فرَّق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية
18 _ قال تعالى (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ) الكهف
وهذا من أدلّ الدلائل على خطأ قول من زعم أنه لايكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته، وذلك أن الله تعالى ذِكْره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالا، وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم، ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لايكفر بالله أحدٌ إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه مثابين مأجورين عليه، ولكن القول بخلاف ما قالوا، فأخبر جَلَّ ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة وأن أعمالهم حابطة
19 _ قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) البقرة
قال بن جرير الطبري في تفسيرها (يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ : فَكَيْفَ أَيُّهَا النَّاسُ تَتَّبِعُونَ مَا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ فَتَتْرُكُونَ مَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ ، وَآبَاؤُكُمْ لَا يَعْقِلُونَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ شَيْئًا ، وَلَا هُمْ مُصِيبُونَ حَقًّا ، وَلَا مُدْرِكُونَ رُشْدًا؟ وَإِنَّمَا يَتَّبِعُ الْمُتَّبِعُ ذَا الْمَعْرِفَةِ بِالشَّيْءِ الْمُسْتَعْمَلَ لَهُ فِي نَفْسِهِ ، فَأَمَّا الْجَاهِلُ فَلَا يَتَّبِعُهُ – فِيمَا هُوَ بِهِ جَاهِلٌ – إِلَّا مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَلَا تَمْيِيزَ ) جامع البيان عن تأويل آي القرآن .
20 _قال تعالى ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) الاعراف
وهذه الآية من أعظم دلائل القرآن المجيد وأجلها , وذلك أنها أحكمت بيان القضية ثم فصلته في ذات الوقت ، فبينت إقامة الحجة بالأشهاد وأخذ الميثاق على التوحيد , ثم فصلت انقطاع العذر بهذه الحجة , سواء بالجهل أو التقليد في قوله تعالى
( أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) : أي جاهلين
( أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ) : أي كانوا مقلدين
وسبب هو الحالتين الجهل وعدم العلم , فأثبتت الآية ثبوت الحجة وقيامها على بني آدم بهذا الأشهاد , وانقطاع العذر بها كذلك
ومن كفر بنقض الميثاق فهو في النار كما قال تعالى ( أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِيـــــنَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضـــُونَ الْمِيثَــــاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِـــــكَ لَهُمْ عُقْـــبَى الـــدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ وَالَّذِيـــــنَ يَنقُضُـــونَ عَهـــْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِـــتهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهـــــُمْ ســـُوءُ الـــدَّار ) الرعد
فاثبت لهم سوء الدار بمجرد نقضهم الميثاق
و مثل قوله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) لقمان
والعذاب المهين لا يكون إلا جزاء الكفر قال تعالى( أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ) النساء
وقال تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ) المجادلة
21 _ وبين سبحانه وتعالى أنه لا يتوب على من مات على الكفر وأن التوبة مكانها في الحياة الدنيا أما في الآخرة فلا يعذرهم ولا يتوب عليهم , قال تعالى( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) النساء
22 _ قال تعالى (وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ) اَل عمران
فصح بنص الآية أن العرب المشركين قبل بعثة محمد كانوا مستوجبين لعذاب النار أي كافرين مع أنهم كانوا قبل الحجة الرسالية، إلاّ من نجاه الله ببعثة النبي وإتباعه النور الذي أنزل معه
قال ابن أبي حاتم (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، ثنا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلُهُ: ( وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ ...) يَقُولُ: كُنْتُمْ عَلَى طَرَفِ النَّارِ، مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ وَقَعَ فِي النَّارِ ) تفسير القرآن العظيم مسنداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين
قال بن جرير الطبري (حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : ثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ ، بَعْدَمَا شَارَفَ الْمَدِينَةَ ، قَرَأَ ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا . . . الْآيَةَ) ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ ذَاكُمْ ؟ قِيلَ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ : وَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَسُولَانِ إِلَّا كَانَ بَيْنَهُمَا فَتْرَةٌ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَهُمْ أَهْلُ النَّارِ وَإِنَّكُمْ بَيْنَ ظَهْرَانِيِّ خَلِيقَتَيْنِ لَا يُعَادُّهُمَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا كَثَّرُوهُمْ ، وَهُمْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ، وَهُمْ أَهْلُ النَّارِ ، وَتَكْمُلُ الْعِدَّةُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ) تفسير سورة الحج
و قد شبّه سبحانه الكفّار بالانعام التي لا تفهم
23 _ قال تعالى (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) الفرقان
و جعل سبحانه أكثر أهل النّار الذين لا يفقهون
24 _ قال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) الأعراف
و عدم الفقه هنا هو عدم الفهم وهو نوع من انواع الجهل
25 _ قال تعالى (فَمَالِ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ) الانعام
26 _ قال تعالى (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ ......الأية ) الكهف
قال حرب الكرماني ( قُلْتُ لِإِسْحَاقَ : الرَّجُلُ يَقُولُ لِلْمُشْرِكِ : إِنَّهُ رَجُلٌ عَاقِلٌ ، قَالَ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسَتْ لَهُمْ عُقُولٌ ) مسائله
27 _ قال تعالى ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) البقرة
قال بن أبي حاتم (حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ رَوَّادٍ ثَنَا آدَمُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً إِلَى قَوْلِهِ: لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فَعَذَرَ اللَّهُ الْحِجَارَةَ، وَلَمْ يَعْذُرِ الْقَاسِيَةَ قُلُوبُهُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ نَحْوُ قَوْلِ أَبِي الْعَالِيَةِ ) تفسير القرآن العظيم مسنداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين
و على هذا كان السلف
قال بن ابي حاتم ( حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، شَيْخُ أَهْلِ الطُّرُقِ، ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ صَفْوَانَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: إِنَّ آخِرَ خُطْبَةٍ خَطَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكُمْ لَمْ تُخْلَقُوا عَبَثًا وَلَنْ تُتْرَكُوا سُدًى، وَإِنَّ لَكُمْ مَعَادًا يَنْزِلُ اللَّهُ فِيهِ لِلْحُكْمِ بَيْنَكُمْ، وَيَفْصِلُ بَيْنَكُمْ، فَخَابَ وَخَسِرَ مَنْ خَرَجَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَحُرِمَ جَنَّتَهُ، عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ غَدًا إِلَّا مَنْ حَذِرَ الْيَوْمَ، وَخَافَهُ وَبَاعَ نَافِذًا بِبَاقٍ، وَقَلِيلًا بِكَثِيرٍ، وَخَوْفًا بِأَمَانٍ، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مِنْ أَصْلَابِ الْهَالِكِينَ، وَسَيَكُونُ مِنْ بَعْدِكُمُ الْبَاقُونَ حِينَ تُرَدُّونَ إِلَى خَيْرِ الْوَارِثِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ تُشَيِّعُونَ غَادِيًا وَرَائِحًا إِلَى اللَّهِ، قَدْ قَضَى نَحْبَهُ وَانْقَضَى أَجَلُهُ حَتَّى تُغَيِّبُوهُ فِي صَدْعٍ مِنَ الْأَرْضِ، فِي بَطْنِ صَدْعٍ غَيْرِ مُمْتَدٍّ وَلَا مُوَسَّدٍ، قَدْ فَارَقَ الْأَحْبَابَ، وَبَاشَرَ التُّرَابَ، وَوَاجَهَ الْحِسَابَ، مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، غَنِيٌّ عَنْ مَا تَرَكَ، فَقِيرٌ إِلَى مَا قَدَّمَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ قَبْلَ انْقِضَاءِ مَوَاثِيقِهِ، وَنُزُولِ الْمَوْتِ بِكُمْ. ، ثُمَّ رَفَعَ (جَعَلَ طَرْفَ) رِدَائِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ ) تفسير القرآن العظيم مسنداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين
فهذا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يحكُم على من مات قبل البعثة بأنّه من الهالكين
الأدلة من السنـة :
# قال البخاري رحمه الله تعالى ( حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ وَالسَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ قَالَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ وَالْوَصِيلَةُ النَّاقَةُ الْبِكْرُ تُبَكِّرُ فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الْإِبِلِ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثَى وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ إِنْ وَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ وَالْحَامِ فَحْلُ الْإِبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَ فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَعُوهُ لِلطَّوَاغِيتِ وَأَعْفَوْهُ مِنْ الْحَمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَسَمَّوْهُ الْحَامِيَ) باب قصة خزاعة
قال أبي طالب الطرطوشي عقيل بن عطية ( تقدم أول هذا القسم الذي نحن بصدده حديث النبي – عليه السلام – أنه رأى عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وجاء في الحديث الثاني هنالك إطلاق الكفر عليه بقوله – عليه السلام – لأكثم بن الجون: «إنك مؤمن وهو كافر»، وذكر – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أنه أول من غير دين إبراهيم وإسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السوائب . فانظر أيها الواقف على هذا الموضع كيف استحق عمرو بن لحي النار بهذه الأفعال، ولم يعذره الله تعالى بكونه كان في الجاهلية، حيث لا شريعة هنالك تلزمه ) حرير المقال في موازنة الأعمال ج 2 ص 538
# قال الامام مسلم في صحيحه (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلاً، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبِي قَالَ فِي النَّارِ فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ ) 1/163
# قال بن ماجة في السنن ( عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ وَكَانَ وَكَانَ فَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي النَّارِ قَالَ فَكَأَنَّهُ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ أَبُوكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ قَالَ فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدُ وَقَالَ لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَبًا مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ ) كتاب الجنائز
عمرو بن لحي بن خزاعة و أب النبي عليه الصلاة و السلام و أب الاعرابي لم تبلغهم رسالة و كذلك أمه عليه الصلاة و السلام في النار.و قد قال تعالى : لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ
# قال مسلم في صحيحه (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى قَالَا حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ يَزِيدَ يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي ) باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه
قلت: قوله صلى الله عليه و سلم (اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي ) لأن أمه ماتت مشركة كافرة ونهى الله تعالى عن الإستغفار للمشركين قال تعالى ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) التوبة . وفي هذه الأية دلالة على أن من مات على الكفر والشرك حكم عليه الناس أنه من أصحاب الجحيم فلا يستغفر له والعياذ بالله تعالى. وفي هذه الأية دليل على عدم التفريق بين أحكام الدنيا والآخرة فإن الذين ءامنوا يعرفون أقاربهم أنهم من أصحاب الجحيم إذا ماتوا على الكفر والعياذ بالله تعالى
# جاء في سنن ابي داود (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، ثنا ابْنُ أُوَيْسٍ ، ثنا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَخْلا لِبَنِي النَّجَّارِ ، فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رِجَالٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزِعًا ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ) و كذلك في كِتَابُ الْجَنَائِزِ – بَابٌ السُّؤَالُ فِي الْقَبْرِ
فهذا الحديث من أوضح الأدلة على عدم العذر بالجهل إذ أن هؤلاء المشركين ماتوا في الجاهلية قبل رسالة النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلم ولم يعذرهم الله بالجهل فكيف بمن أتى بعد الرسالة
# جاء في الطبقات الكبري لاِبن سعد ( عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ , عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ , أَنَّهُ جَاءَ وَفِي عُنُقِهِ وَثَنٌ مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 🙁 اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا ......الأية )سورة التوبة آية 31 , فَقَالَ عَدِيُّ : وَاللَّهِ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَيْسَ إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ ؟ , فَقَالَ عَدِيُّ : بَلَى . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ )
فعدي كان يجهل أن ما يفعله من طاعته للأحبار و الرهبان عبادة و ذلك في قوله ( ولسنا نعبدهم ) ومع ذلك لم يعذرهم الله سبحانه بل سماهم مشركين كما في قوله ( سبحانه عما يشركون ) الآية
# قال الامام أحمد في مسنده (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ حُمْرَانَ ، عَنْ عُثْمَانَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، دَخَلَ الْجَنَّةَ ) مُسْنَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ
و المفهوم المخالف للحديث أنّ من مات وهو يجهل معنى كلمة التوحيد لم يدخل الجنّة
# قال مسلم في صحيحه (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ النَّاسِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ) كتاب العلم
فهؤلاء قوم أفتوا بجهل فضلوا وأضلوا مقلديهم الجاهلين فلم يُعذروا بجهلهم ولم يمنعهم جهلهم من أن يوصفوا بالضالين، وهذا في قوم لاتزال معالم الإسلام بين أيديهم .
# قال البخاري في صحيحه ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَدَّ وَقَالَ : ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ، فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلَاثًا ، فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي ، فَقَالَ : إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا ، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا ) كذلك في صحيح مسلم كتاب الصلاة
فدل هذا الحديث على عدم عذر أحد بالجهل أبداً لأن هذا المصلي كان جاهلا بالصفة الصحيحة للصلاة من قوله (والذي بعثك بالحق فما أحسن غيره فعلمني ) فلم يعذره النبي بالجهل وحكم على صلاته بالبطلان من قوله (ارجع فصل فإنك لم تصل) فكيف بمن أشرك بالله أن يعذر بالجهل
# قال الامام أحمد في مسنده (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ ، عَنْ دُخَيْنٍ الْحَجْرِيِّ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَهْطٌ ، فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَايَعْتَ تِسْعَةً وَتَرَكْتَ هَذَا ؟ ! قَالَ : إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا ، فَبَايَعَهُ ، وَقَالَ : مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ ) مُسْنَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ
فهذا الحديث دليل على عدم العذر بالجهل لأن النَّبِيَّ لم يعذر معلق التميمة بالجهل وهو حديث عهد بكفر فكيف يعذر غيره
# قال أحمد في المسند كذلك (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ يَعْنِي الدَّسْتُوَائِيَّ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : لَا تَفْتَخِرُوا بِآبَائِكُمْ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَمَا يُدَهْدِهُ الْجُعَلُ بِمَنْخَرَيْهِ ، خَيْرٌ مِنْ آبَائِكُمْ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ) َمِنْ مُسْنَدِ بَنِي هَاشِمٍ
فهذا الحديث من أوضح الأدلة على عدم العذر بالجهل إذ أن ءاباء الصحابة الذين ماتوا على الشرك والكفرفي الجاهلية كانوا جهّالا ؛ فكان خيراً منهم ما (يُدَهْدِهُ الْجُعَلُ بمنخريه ) وهو (الخَرآء) أوالبٌراز فإنهم لم يعذروا عند الله ولا يقيم لهم يوم القيامة وزنا ولايزنون عند الله جناح بعوضة لأنهم ماتوا مشركين كافرين فلم يعذرهم الله بجهلهم مع أنهم كانوا جهّالا نعوذ بالله من الشرك
# قال مسلم (حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ دَاوُدَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ لَا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) بَاب الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَا يَنْفَعُهُ عَمَلٌ
و هذا بن جدعان مات في الجاهلية و كان يأتي ببعض الشعائر و حكم عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم بالنار
و قد ثبت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كفر من مات على الكفر في الجاهلية :
# جاء في السيرة النبوية لابن هشام ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ زِيَادٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، قَالَ : قَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْفَرِدٌ نَاحِيَةً : أُرِيدُ أَنْ أَقُومَ إِلَى مُحَمَّدٍ فَأَعْرِضُ عَلَيْهِ أُمُورًا لِيَكُفَّ عَنْ أَمْرِهِ هَذَا فَأَيُّهَا شَاءَ أَعْطَيْنَاهُ إِذَا رَجَعَ لَنَا عَنْ هَذَا ، فَقَالُوا لَهُ : شَأْنُكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ ، وَكَانَ عُتْبَةُ سَيِّدًا حَلِيمًا فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ لَهُ : يَابْنَ أَخِي ، إِنَّكَ مِنَّا بِحَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ مِنَ السُّلْطَةِ فِي النَّسَبِ وَالْمَكَانِ مِنَ الْعَشِيرَةِ , وَإِنَّكَ قَدْ آتَيْتَ قَوْمَكَ بِمَا لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ قَوْمَهُ بِمِثْلِهِ : سَفَّهْـتَ أَحْلامَنَا , وَكَـفَّــرْتَ آبَـاءَنَا , وَعِبْتَ آلِهَتَنَا , وَفَرَّقْتَ كَلِمَتَنَا ، فَإِنْ كَانَ هَذَا لِمَالٍ تَبْغِيهِ جَمَعْنَا لَكَ أَمْوَالَنَا حَتَّى تَكُونَ أَيْسَرَنَا ، وَإِنْ كُنْتَ تَمِيلُ إِلَى الرِّئَاسَةِ رَأَّسْنَاكَ عَلَيْنَا وَلَمْ نَقْطَعْ أَمْرًا دُونَكَ ، وَإِنْ كَانَ لِرَئِيٍّ مِنَ الْجِنِّ يَعْتَادُكَ أَعْذَرْنَا فِي الْجِدِّ وَالاجْتِهَادِ حَتَّى يَنْصَرِفَ عَنْكَ , فَإِنَّ الرَّئِيَّ يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى مَا لا يَصِلُ مَعَهُ إِلَى تَرْكِهِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاكِتٌ يَسْمَعُ ، فَلَمَّا سَكَتَ عُتْبَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْمَعْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا أَقُولُ : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (حم { 1 } تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ { 2 } كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ { 3 } بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) سورة فصلت آية 1-4 ) و كذلك في الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي
# جاء في صحيح بن حبان (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ النَّقَّالُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : إِذَا مَرَرْتُمْ بِقُبُورِنَا وَقُبُورِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَخْبِرُوهُمْ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَمَرَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْخَبَرِ الْمُسْلِمَ إِذَا مَرَّ بِقَبْرِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ ، أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ جَلَّ وَعَلا عَلَى هِدَايَتِهِ إِيَّاهُ الإِسْلامَ ، بِلَفْظِ الأَمْرِ بِالإِخْبَارِ إِيَّاهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، إِذْ مُحَالٌ أَنْ يُخَاطَبَ مَنْ قَدْ بَلِيَ بِمَا لا يَقْبَلُ عَنِ الْمُخَاطِبِ بِمَا يُخَاطِبُهُ بِهِ ) كِتَابُ الرَّقَائِقِ – باب الاذكار
و كل هذه الآثار تبين أن مصير من مات في الجاهلية النار رغم أنه عاش و مات في زمن اندرس فيه العلم
*** و قد وصف سبحانه أقوام الأنبياء السابقين بالجهل و رغم هذا كفرهم الله و رُسُله
* قال تعالى عن قوم شعيب ( قَالُواْ يَا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ) هود
فهؤلاء قوم شُعيب عليه السلام إِعترفوا بانهم لا يفقهون أصل دعوته (يَا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ ) و عدم الفهم من صوّر الجهل هل هو مقبول عند الله تعالى؟
قال تعالى ( وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ )هود
* و قوم نوح عليه السلام جُهال كما وصفهم سبحانه فقال ( وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُوَاْ رَبِّهِمْوَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ) هود
* ووصف قوم هود عليه السلام بالجهل قال تعالى ( قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ) الأحقاف
* ووصف قوم لوط عليه السلام بالجهل, قال تعالى( أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) النمل
* و كذلك مشركين قريش وصل بهم الجهل أن طلبوا من رسول الله عبادة أصنامهم قال تعالى( قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ) الزمر
و رغم هذا كل الرسل كفروا هؤلاء المشركين كما قال تعالى عنهم (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) الممتحنة
قال بن جرير الطبري (حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله عزّ وجلّ: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) قال: الذين معه : الأنبياء ) جامع البيان عن تأويل آي القرآن
قال برهان الدين البقاعي (فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَبِيٌّ إِلَّا بِتَكْفِيرِ الْمُشْرِكِينَ – كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِقَوْلِهِ: “الْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عِلَّاتٍ؛ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى؛ وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ”؛ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ يَعْنِي – وَاللَّهُ أَعْلَمُ – أَنَّ شَرَائِعَهُمْ؛ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِي الْفُرُوعِ؛ فَهِيَ مُتَّفِقَةٌ فِي الْأَصْلِ؛ وَهُوَ التَّوْحِيدُ ) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج 6 ص 268
#* الله سبحانه و تعالى لا يسمع للظالمين عُذر يوم القيامة ولا يقبله منهم , وإن كانوا سيقدمون الكثير من الأعذار , منها الصادقة ومنها الكاذبة , وقد أفاض القرآن الكريم بذكر أنواعاً من اعتذاراتهم , منها أنهم سيقولون
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام