كيف نرد على شبهة من يتوقف في كفر الطواغيت، ويحتج بأن الإمام أحمد لم يُكفر المأمون وهو يقول بخلق القرآن؟
على جلالة الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- وعلو كعبه في العلم، إلا أننا لا نعتقد فيه العصمة، لذلك لا يجوز لمن نحتج عليهم بالآيات الظاهرة، والأحاديث المتواترة، والإجماع والقياس الصحيحين، في وجوب الخروج على سكان زماننا المرتدين، أن يعارض كل ذلك بفعل الإمام أحمد.
- قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( والله ما أراكما منتهين حتى يعذبكم الله. أُحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتُحدثونا عن أبي بكر وعمر ). [أخرجه أحمد في مسنده].
- والإمام أحمد رحمه الله قد روى في مسنده حديث عبادة ابن الصامت: ( إلا أن تروا كفراً بواحاً ) برقم {23055}، فكيف يترك الخصوم ما روى الإمام أحمد بعد معرفة صحته، ويتمسكون برأي الإمام أحمد .. وهو القائل رحمه الله: ( عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان! ). [تيسير العزيز الحميد : ص546].
- قال الإمام بدر الدين الزكرشي رحمه الله: ( فالعبرة عند الشافعي بما روى، لا بما رأى ). [الإجابة ص138].
- وكأن الإمام أحمد يقصد بكل من تشبث بهذه الشبهة، حين قال: ( لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا ).
* #ثانياً: إن كان الإمام أحمد رحمه الله لم يخرج على حكام زمانه، ولا يرى ذلك، فهو رجل، وبقية الأئمة رجال . وكما جوزوا لأنفسهم الإحتجاج به، فلمخالفيهم الإحتجاج بغيره!
- وقد ذكر الإمام ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل {4/132} عدداً من الأئمة الذين يخالفون الإمام أحمد رحمه الله في هذه المسألة.
* #ثالثاً: إن كان الإمام أحمد رحمه الله لم يخرج على حكام زمانه بنفسه، فأنه أقر الخروج عليهم ولم ينكره على غيره ممن خرج.
- فلما خرج الإمام أحمد بن نصر بن مالك بن هيثم الخزاعي رحمه الله على حكام زمانه الذين وقعوا في فتنة خلق القرآن، لم ينكر عليه الإمام أحمد بن حنبل ولم يعده من الخوارج كما يفعل أهل الإرجاء والإرجاف في هذا الزمان ممن يلوكون تلك الشبهة، بل أثنى عليه، كما أثنى عليه كافة العلماء الصادقين ساعتئذ، بعكس أحمد ابن أبي دؤاد، وعبد الرحمن بن إسحاق، وأبي عبد الله الأرمني، وأضرابهم من دعاة الضلالة.
- قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ( وذكره الإمام أحمد ابن حنبل يوماً فقال: رحمه الله ما كان أسخاه بنفسه لله، لقد جاد بنفسه له ). {تاريخ ابن كثير 10/303}
- وقال أيضاً: ( ذهب أحمد بن نصر شهيداً وحزن عليه أهل بغداد سنين طويلة لا سيما الإمام أحمد ابن حنبل ). [البداية والنهاية 318/10، وانظر: سير أعلام النبلاء 11/166-169].
* #رابعاً: إن مسألة القول بخلق القرآن الذي تبناه بعض خلفاء بني العباس إنما يندرج تحت باب الأسماء والصفات، فالقرآن كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته.
- فجميع كتب العقيدة التي بحثت هذه المسألة إنما ذكرتها في أثناء كلامها عن أسماء الله وصفاته. وهذا الباب يعذر فيه بعض السلف بالجهل والتأويل، فقد أخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى، قال: سمعت الشافعي يقول: ( لله أسماء وصفات لا يسع أحدا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية ولا الفكر ).اهـ
- لذلك لم يكن الإمام أحمد رحمه الله يُكفّر القائلين بخلق القرآن بأعيانهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الإمام أحمد: ( إنما كان يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته. وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة. لكن ما كان يكفر أعيانهم ).
* #خامساً : إن التكفير بالقول بخلق القرآن، إنما هو تكفير بالمآل وبلازم القول. ومسألة الكفر باللازم ليست كمسألة الكفر الصريح.
- قال الإمام الذهبي رحمه الله: ( ونعوذ بالله من الهوى والمراء في الدين، وأن نكفّر مسلماً موحداً بلازم قوله، وهو يفر من ذلك اللازم، وينزه ويعظم الرب ). [الرد الوافر لابن ناصر الدين ص48].
- وأورد السخاوي في {فتح المغيث، 1/334} مقالة شيخه ابن حجر حيث قال: ( والذي يظهر أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله وعُرض عليه فالتزمه. أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافراً ولو كان اللازم كفراً ).
- ومن قال بخلق القرآن من الحكام العباسيين لم يلتزم بلوازم القول المكفرة .. بعكس من كان كفره صريحاً واضحاً كحكام زماننا، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ( وإذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في تلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها ). [فتح الباري 13/7].
* #سادساً: لو سلمنا جدلاً أن حكام بني العباس المعاصرين لزمن الإمام أحمد قد وقعوا في الكفر ووقع الكفر عليهم، فيُقال: إن كُفر الحاكم شرط جواز الخروج عليه، وليس شرط وجوب، بل إن شرط الوجوب إضافة إلى كفر الحاكم هو: الإستطاعة. وكل العبادات منوطة بالقدرة والإستطاعة.
- قال القاضي عياض -رحمه الله-: ( أجمع العلماء أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه كفر انعزل. فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة: خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه، ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ). [شرح صحيح مسلم 317-11/318].
- #والسؤال ها هنا: هل كان الإمام أحمد مستطيعاً على الخروج؟ وهل كانت لديه القدرة للخروج؟
- الجواب: لو نظر المنصف إلى سيرة الإمام أحمد رحمه الله، لعلم يقيناً أنه مستضعف، فهو بين منع ومطارد، وسجن، وتعذيب.
* #سابعاً: نقول : هل أشد كفراً الحكم بغير ما أنزل الله أم القول بخلق القرآن ؟
- لا شك ولا ريب أن الحكم بغير ما أنزل الله أشد كفراً وأوضح من القول بخلق القرآن ، والدليل على ذلك قول الله عزّ وجلّ : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ، فشيء سماه الله كفراً أشد من شيء لم يسمه الله كفراً ، فالحكم بغير ما أنزل الله سماه الله كفراً بينما القول بخلق القرآن لم يسمه الله كفراً ، ومع ذلك فهو كفر ، فهناك فرق بين الأمرين ، انتبه إليه يا أخا التوحيد لكي لا يُلبس عليك علماء الحكومات الطاغوتيه.
* #ثامناً: أنه لم يثبت عن الإمام أحمد أنه لم يكفر المأمون أو حكم بإسلامه بل النصوص المنقولة عنه تثبت التكفير لا عدمه ومن زعم خلاف ذلك فليأت بنقل صريح عنه أنه لم يكفر المأمون أو استثنى تكفيره من الجهمية , كيف وهو رأس الجهمية ؟!
- قال أحمد : (الجهمية كفار). {أخرجه الخلال في السنة 2137 ، وابنه عبد الله في السنة 535}
- قال أحمد لأحد مناظريه لما قال علم الله مخلوق : (يا كافر كفرت). {الحلية 9/197}.
- قال أحمد : ( وأي بلاء كان أكبر من الذي أحدث عدو الله وعدو الإسلام من إماتة السنة ). {الأحكام السلطانية ص:20} .. يعني الذي أحدثه المأمون ومن بعده قبل المتوكل.
- وكان أحمد إذا ذكر المأمون يقول : (كان لا مأمون). {الأحكام السلطانية أبو يعلى ص:20}
- وقال : (من دعا إلى بدعة فلا تجيبوه وإن قدرتم على خلعه فافعلوا) {طبقات الحنابلة 2/305}
- وقد ثبت عن الإمام أحمد تكفيره للمأمون كما في كتاب {السنة للخلال ، 5 / 95} : (أخبرني أحمد بن محمد بن مطر قال حدثنا أبو طالب قال ، قلت لأبي عبد الله : إنهم مرّوا بطرسوس بقبر رجل ، فقال أهل طرسوس : الكافر لا رحمه الله ، فقال أبو عبد الله -أى الأمام أحمد- : نعم فلا رحمه الله هذا الذي أسس هذا وجاء بهذا) ... وذُكر في السير أن المأمون مات في طرسوس .. ويقصد الإمام أحمد بأنه الذي أسس هذا وجاء بهذا، يعني فتنة خلق القرآن.
- وقال عن المأمون : (قاتله الله الخبيث عمد إلى كتاب الله فغيره). {طبقات الحنابلة 1/386}
* #تاسعاً: يحتمل عدم تكلمه بتكفير المأمون لو قلنا به أنه كان في أول الأمر في عدم تكفير الجهمية بما فيهم المأمون ثم رجع إلى تكفيرهم وتكفيره, كما صرح بذلك رحمه الله.
- قال احمد عن الجهمية : (كنت لا أكفرهم حتى قرأت آيات من القران). {طبقات الحنابلة 2/553}
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام