كيف نرد على شُبهة في العُذر بالجهل ؟
استدلّ بعضهم بحديث سجود معاذ رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه لما قدم على نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم من الشام، سجد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال (ما هذا يا معاذ؟) فقال (إنِّي أتيت الشام، فرأيت النصارى يسجدون لأساقفهم وقُسيسيِّهم ورهبانهم وبطارقتهم، ورأيت اليهود يسجدون لأحبارهم وفقهائهم وعلمائهم، فقلت: بأيِّ شيء تصنعون هذا أو تفعلون هذا؟ قالوا: هذه تحيَّة الأنبياء. فقلت: فنحن أحقُّ أن نصنع بنبيِّنا صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنهم كذبوا على أنبيائهم، كما حرّفوا كتابهم، ولو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عِظَم حقِّه). أخرجه ابن ماجه والبزار.
قالوا: هذا معاذ بن جبل قد سجد للنبي صلى الله عليه وسلم جهلًا منه بأن السجود لغير الله كُفر، ومع هذا لم يُكفّره النبي صلى الله عليه وسلم.
والحديث أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه بلفظ: (لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها)، ولم يذكروا في روايتهم سجود معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم. فهذه الزيادة ضعيفة، انفرد بها أزهر بن مروان عن القاسم الشيباني عن عبد الله بن أبي أوفى. وأزهر هذا هو أزهر بن مروان الرقاشي، وهو ليس بالثقة، والقاسم هذا هو القاسم بن عوفي الشيباني البكري الكوفي، وهو ضعيف متفق على ضعفه وتركوا حديثه.
وأخرج أبو داود قصة السجود عن قيس بن سعد، قال: (أتيت الحِيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسولُ الله أحق أن يُسجد له. قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني أتيت الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله أحق أن نَسجد لك. قال: أرأيتَ لو مررتَ بقبري، أكنتَ تسجد له؟ قلت: لا. قال: فلا تفعلوا). وإسناد هذه الرواية لا يقلُّ ضعفًا عن سابقتها، فقد تفرّد بها شَريك بن عبد الله القاضي، ضعّفه كثير من المحدثين، فسقط دليلهم من حيث الأصل والمبدأ.
ثم إن معاذًا لم يذهب إلى الشام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم كيف يصحُّ أن معاذًا رضي الله عنه، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (أعلم أمتي بالحلال والحرام)، يجهل الشرك، الذي هو أعظم المحرمات، وأن سجود التحية منسوخ في شريعتنا؟
وقال بعض أهل العلم: لو فرضنا صحة الحديث جدلًا، لما صلحت لهم فيه حُجّة أبدًا، فإن سجود معاذ رضي الله عنه كان على وجه التحية والسلام والتوقير والإكرام، وليس على وجه العبادة والتدين. وهذا كان مباحًا في الشرائع السابقة، كسجود الملائكة لآدم، وسجود إخوة يوسف له، إلى أن نُسخ في شريعتنا. ومن المعلوم أن السجود لغير الله على وجه العبادة لم يكن مباحًا في أي شريعة، فكل الأنبياء نهوا عن ذلك.
قال ابن كثير في تفسيره: (كانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرمه الله أن أسجد له ملائكته تحية وإكرامًا). وقال: (كان السجود سَائغًا في شرائعهم، إذا سلَّموا على الكبير سجدوا له، ولم يزل هذا جائزًا من آدم إلى عيسى، فحُرِّم هذا في هذه المِلّة).
وقولهم هنا في هذه المسألة بهذا الحُكم، ليس من باب العذر بالجهل في الشرك، وإنما هذا من باب المسائل الخفية التي تحتمل الشرك وغيره. وذهب هؤلاء إلى أن الأصل في السجود أنه من الشرك، ومثله الوقوف والانحناء إذا كان لتعظيم المخلوق والذل له، فهذا يُعد من الشرك في العبادة. أما إن كان للتحية أو من باب التشبه دون قصد العبادة والتعظيم، فلا يُعد شركًا، كما يفعله بعض المسلمين في الملاعب والمسرحيات عند مقابلة الجمهور، وفي الألعاب القتالية ونحو ذلك، فيرون عذر فاعل ذلك لجهله وتأوّله، على ظنهم صحة حديث معاذ. وقال هؤلاء: هذا الحديث إن صح، فالسجود ليس من باب العبادة، وإنما التحية.
والصحيح والله أعلم، أن هذا التوجيه مردود وغير مقبول، ولا يُلتفت إليه، لما تقدّم تقريره، فالسجود لغير الله كفرٌ مطلقًا بمجرد فعله، ولا يُعذر بجهله وتأوّله أن السجود بقصد التحية.
وحديث معاذ لا يصح.
قال ابن القيم: (ومن أنواع الشرك: سجود المريد للشيخ، فإنَّه شرك من الساجد والمَسجود له، والعجب أنهم يقولون: ليس هذا سجودًا، وإنما وضع الرأس قُدام الشيخ احترامًا وتواضعًا. فيُقال لهؤلاء: ولو سميتموه ما سميتموه، فحقيقة السجود وضع الرأس لمن يُسجد له. وكذلك السجود للصنم، وللشمس، وللنجم، وللحجر، كله وضع الرأس قدامه. ومن أنواعه: ركوع المتعمّمين بعضهم لبعض عند الملاقاة، وهذا سجود). المدارج (١/٣٤٤).
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام