كيف نرد على شبهة الرجل الذي طلب من أولاده أن يحرقوه بمسآلة العذر بالجهل ؟
الذين يعذرون بالجهل في الشرك الأكبر يستدلون بحادثة الرجل الذي أمر أهله ان يحرقوه ويذروه بعد مماته» وان لا يجعلوه في قبر » من شدة الخوف من الله عزوجل لانه كان يُسرف على نفسه.
فالذين يعذرون بالجهل يقولون هذا شك بيوم البعث وهذا الفعل كفر ولكن الله عذره لانه جاهل.!
سأذكر الحديث من جميع الطرق ومن ثم نرد على هذه الشبهة الواهية وهي أوهن من بيت العنكبوت.
وردت هذه الرواية في كتب الحديث على ثلاثة وجوه مختلفة :
© الأول : أن الرجل أمر أهله أن يحرقوه خوفاً وخشية من الله
ولم يُذكر فيه نفي القدرة؛ كما عند البخاري من حديث حذيفة رضي الله عنه مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم
متن الحديث:
1 - كانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بعَمَلِهِ، فقالَ لأهْلِهِ: إذا أنا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُّونِي في البَحْرِ في يَومٍ صائِفٍ، فَفَعَلُوا به، فَجَمعهُ اللَّهُ ثُمَّ قالَ: ما حَمَلَكَ علَى الذي صَنَعْتَ؟ قالَ: ما حَمَلَنِي إلَّا مَخافَتُكَ، فَغَفَرَ له. .
الراوي: حذيفة بن اليمان
المحدث: البخاري
المصدر: صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 6480
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
إذا هذا الحديث لايوجد فيه انكار للبعث كما يزعم أهل الجهم والإرجاء
© الثاني : أيضًا الرجل لم ينكر قدرة الله ومن ذلك ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
متن الحديث: عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال النَّبِيّ
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ أن رَجُلَا فيمن كَانَ قَبْلَكُمْ رَاشَهُ الله مَالَا وَوَلَدَا
فَقَالَ لِوَلدِهِ لَتَفْعَلن مَا آمُرُكُمْ به أو لَأُولَينَ مِيرَاثي غَيْرَكُمْ إذَا أَنَا مُتُ
فأخرقوني وَاَكْتَرُ عِلَمِي أنه قال ثُمَ اسْحَقُونِي وَاذْرُونِي في الرّيح فَإني
لم أبتهز عِنْد الله خَيرَا وَإِنْ الله يقدر علَيّ أن يُعََذبني قال فَأَخذ مِنْهُم
مِيئَاقًا فَفَعلُوا ذَلِكَ به وَرَبّي فَقَالَ اله مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ فَقَالَ مخافتك قال فما تلافاه غيرها صحيح مسلم
إذا عند الامام مسلم كذالك لايوجد انكار للبعث او شك بل أثبت ان الله يقدر عليه و سيعذبه.
© الثالث : ورد فيه لفظ لئن قدر علي ربي
متن الحديث :
- قالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ: فإذا ماتَ فَحَرِّقُوهُ واذْرُوا نِصْفَهُ في البَرِّ، ونِصْفَهُ في البَحْرِ، فَواللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عليه لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا لا يُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، فأمَرَ اللَّهُ البَحْرَ فَجَمع ما فِيهِ، وأَمَرَ البَرَّ فَجَمع ما فِيهِ، ثُمَّ قالَ: لِمَ فَعَلْتَ؟ قالَ: مِن خَشْيَتِكَ وأَنْتَ أعْلَمُ، فَغَفَرَ له. .
الراوي: أبو هريرة
المحدث: البخاري
المصدر: صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 7506
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
هذه الرواية التي فيها لئن قدر علي ربي»
هي الذي يستدل بها أهل الجهم والارجاء
وللعلماء أقوال عدة في هذا الحديث؛ لا كما يحاول المرجئة أن يصوروا أن للحديث شرحاً واحدأ واتجاهاً واحداً للعلماء. وهناك عدة أوجه لأهل العلم تشرح الحديث ولكن قبل ان ننقل توجيه العلماء للحديث نسأل_الذين يعذرون بالجهل في الشرك الأكبر
أولاً: مالهدف من طرحكم لهذا الحديث للعذر بالجهل» ولايوجد في
الحديث مايدل على العذر في الدنيا؟!!!
إذ أن الحديث لوكان فيه عذر هو في الآخرة عندالله ليس في الدنيا
والنزاع بيننا وبينكم في الدنيا ليس في الآخرة والغيبيات.
ثانيًا: كيف تعذرون بمسائل قطعية في القرآن بقصة مختلفة عند اهل
الحديث.والله عز وجل قد أخبر أن إنكار البعث كفر برب العالمين؟!.
© قال تعالى: (وَمَا أَظْنْ السّاعَة قَائِمَةَ ولئن رُدِدت إِلَى رَبَي لأَجدنّ
خَيْرَا مُنْهَا مُنقََلبَا)» قال له صاحبّه المؤمِن: (أَكَفَرْتَ بِالّذِي خَلَقَكَ من
ثُرَابِ ثُمٌ من نْطْفةٍ ثْمَ سَوَاكَ رَجُلا)سورة الكهف
أين العذر في الآية ؟
© وقال تعالى
{ وَمَن یَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن یُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡیࣰا وَبُكۡمࣰا وَصُمࣰّاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَـٰهُمۡ سَعِیرࣰا }
[سُورَةُ الإِسۡرَاءِ: ٩٧]
قال ابن كثير: (يقول تعالى: هذا الذي جازَّيْناهم به من البَعْثِ على الغمى والبَكم والصَّمَّم: جزاؤهم الذي يستحقُونه؛ لأنّهم كذّبوا«بٱياتنا » أي: بٱياتنا وحُجّجنا واستبعدوا وقوع البَعث وَقَالُوا أَئذا
كُنَا عِظَامًا وَرُفَاتا بالية نخرةً إِنَا لمبعوثون خَلْقَا جَدِيدَا أي: بعد ما
صِرنا إلى ما صِرنا إليه من البلى والهلاكِ؛ والتفرق والذّهابِ في الأرض نعاد مَرَّةّ ثانية؛)
-أين العذر ؟
© وقال تعالى:
{ ۞ وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبࣱ قَوۡلُهُمۡ أَءِذَا كُنَّا تُرَ ٰبًا أَءِنَّا لَفِی خَلۡقࣲ جَدِیدٍۗ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلۡأَغۡلَـٰلُ فِیۤ أَعۡنَاقِهِمۡۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ }
[سُورَةُ الرَّعۡدِ: ٥]
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذِكْرُه: وإن تعجَبْ -يا محمّدُ- من
هؤلاء المُشركين المتّخِذِين ما لا يَضْرُ ولا يِنفعُ آلهةً يَعبُدونَها من
دوني؛ فعجَبٌ قَولُهم: أئذا كُنَا ترابًا وبَلينا فعدمَنا أَئنا في خَلْقٍ جَدِيدٍ كما كنا قبل وفاتنا تكذيبًا منهم(( بِقَدرة الله)): وجُحودًا للثَّوابِ والعقاب ((والبَّعث بعد
الممات)). . .وقَوله: أولئك الَذِينَ كَفرُوا برَبَهِمْ يقول تعالى ذِكْرُه:
هؤلاء الذين ((أنكروا البَعْثَ وجَحدوا الثواب والعقاب ))
وقالوا: أَئدّا كُنَا ثُرَابَا أئنا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ هم الذين جَحَدوا (( قُدرة رَبَهم)) وكذبوا رسوله؛ وهم الذين في أعناقهم الأغلالٌ يوم القيامة في نار َ جَهِنمَ فاولئك أَصْحَابُ الَّنار يقول: هم سْكَانُ النَارِ يوم
القيامة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يقول: ((هم فيها ماكثون ابدا لا يموتون فيها ولا يُخْرّجون منها)).
- آيات قطعية الدلالة على منكر البعث والشاك لقدرة الله لجمع
الخلق؛ كفرهم الله وجعلهم ماكثون في جهنم أبدًا لايموتون ولايخرجون منها نسأل الله العافية» والأدلة كثيرة في القرآن الكريم
ولكن لايسعنا الوقت لنقلها كلها لاسيما أنه ثبت في السُنة كذلك» ثم
يأتيك اهل الارجاء يُكذّْبون الآية ويُرقعون للمشركين بفهمهم لأحاديث النبي
ويجعلونها مناقضة للقرآن الكريم» ولكن سنسير مع تياركم
ونرى هل يوجد عذر لمنكر البعث والشاك بقدرة الله في الحديث كما زعمتم؟.
كما قلنا هناك عدة أوجه لأهل العلم تشرح الحديث ومنها.
أولاً: فسر أهل العلم لفظ قدر على عدة تفاسير ومنها :
والأول : إن قدر بمعنى قضى أو كتب فيكون اللفظ < لئن كتب الله علي العذاب يعذبني >.
والثاني: إن قدر بمعنى ضيق فيكون المعنى ضيق الله علي فأعادني وهو قادر على أن يعيدني ليعذبني, واستدلوا بقول الله عزوجل ( فقدر عليه رزقه )
واحتجوا أيضاً بروايات الحديث التي تدل على أن الرجل لم يشك بقدرة الله كما هو ظاهر مذهب مسلم ورواية حذيفة في البخاري المرفوعه عن النبي
وممن قال بهذا القول ابن عبد البر وابن الجوزي وغيرهم من أهل العلم.
و الثالث: أن الرجل كان زمن زمن فترة حيث كان ينفعه مجرد التوحيد.
يقول الإمام ابن خزيمة رحمه الله في كتاب التوحيد ج 2 ص 732
" ذكر الدليل أن جميع الأخبار التي تقدم ذكري لها إلى هذا الموضع في شفاعة النبي في إخراج أهل التوحيد من النار إلى الجنة إنما هي الفاظ عامة مرادها خاص وهذه اللفظة : ( لم يعملوا خيرا
قط ) من الجنس الذي يقول العرب. ينفي الاسم عن الشيء لنقصه
عن الكمال والتمام » فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل : لم يعملوا
خيرا قط على التمام والكمال» لا على ما أوجب عليه وأمر به. وقد
بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي.
-وقال القاضي عياض في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج
2 ص 586 : ولا يكون شكه في القدرة على إحيائه بل في((نفس البعث الذي لا يعلم إلا بشرع)) ولعله لم يكن ورد عندهم به شرع يقطع عليه فيكون الشك فيه يومئذ كفراً فأما ما لم يرد به شرع فهو
من مجاوزات العقل وقيل كان هذا في زمن فترة حيث كان ينفعه مجرد التوحيد.
وقال القرطبي في تفسيره ج 11 ص 332 : لم يعمل خيراً إلا التوحيد وقد قال حين قال الله تعالى ولم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب والخشية لا تكون إلا لمؤمن صادق وعالم أيضاً بحقوق الله
سبحانه وقال وهذان التأويلان تأولهما العلماء في قول الرجل الذي
لم يعمل خيرا قط لأهله إذا مات فحرقوه ( فوالله لئن قدر الله علي
....... الحديث ٠ فعلى التأويل الأول يكون تقديره : ((والله لئن ضيق الله عليه وبالغ في محاسبتي وجزائي على ذنوبي ليكونن ذلك ثم أمر أن يحرق بإفراط خوفه.
وعلى التأويل الثاني : أي لئن كان سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين غيري وحديثه أخرجه الأئمة في
الموطأ وغيره من كتب الحديث والرجل كان ((مؤمنا موحد)), وقد
جاء في بعض طرقه ) لم يعمل خيرا إلا التوحيد ( وقد قال حين قال
الله تعالى: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب والخشية لا تكون
إلا لمؤمن مصدق قال الله تعالى:[ إِنمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِه العلَمَاءُ}
وقال ابن عبد البر في كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج 18ص 40 : روي من حديث أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه في هذا الحديث أنه قال: قال رجل " لم يعمل
خيرا إلا التوحيد اللفظة إن صحت رفعت الإشكال في إيمان هذا
الرجل وإن لم تصح من جهة النقل فهي صحيحة من جهة المعنى
والأصول كلها تعضدها والنظر يوجبها لأنه ((محل غير جائز أن يغفر للذين يموتون وهم كفار)) ...
-قَالَ أبا حاتم الرازي في صحيح ابن حبان : معنى قوله : لَمْ يَعْمَلْ
خَيْرَا قَط يُرِيدُ به : ((سوى الإسلام))
-وقال ابن رجب الحنبلي في كتاب التخويف من النار : والمراد
بقوله [ لم يعملوا خيرأ قط ) من أعمال الجوارح: وإن كان أصل
التوحيد معهم؛ ولهذا جاء في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار» إنه لم يعمل خيرا قط غير ((التوحيد)) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي
هريرة مرفوعاً ومن حديث ابن مسعود موقوفاً ويشهد لهذا ما في
حديث أنس, عن النبي في حديث الشفاعة؛ قال ( فأقول : يا
رب ائذن لي في من يقول لا إله إلا الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي, لأخرجن من النار من قال : لا إله إلا الله
أخرجاه الشيخان في الصحيحين.
-قال ابن عبد البر في كتاب مرعاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح : وذلك دليل على إيمانه؛ إذ الخشية لا تكون إلا لمؤمن بل العالم» قال تعالى ( إِنّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادهِ الْعُلَمَاء ويستحيل
أن يخافه من لا يؤمن به. وقد روى الحديث بلفظ : قال رجل لم
يعمل خيرا قط إلا التوحيد وهذه اللفظة ترفع الإشكال في إيمانه
والأصول تعضدها ( إن الله لا يَغفِرُ أن يُشْرَكَ به ) قلت : الخشية
من لوازم الإيمان ولما كان فعله هذا من أجل خشية الله تعالى
وخوفه فلا بد من القول بإيمانه» وعلى هذا فالحديث ظاهر بل هو
كالصريح في استثناء التوحيد كما تقدم فلا إشكال فيه
والرابع:أن الرجل يثبت قدرة الله لكنه يرى أنها خاصة بالموجودات ولذا أمر بإحراقه وذروه بالهواء ليكون معدوماً فهو شك
في جزئية من جزئيات القدرة ولم ينكر عموم القدرة فهذا الرجل
استيقن أن الله متصف بالقدرة التامة لكن القدرة إنما هي في الممكنات لا في الممتنعات والممتنعات خارجة عن نطاق القدرة وهذا لا يعلم إلا بشرع ولعل في وقته لم يكن هنالك شرع فيكفي صاحبه
التوحيد. وممن قال بذلك ابن الوزير في كتاب إيثار الحق على الخلق ص
6 حيث قال : والجهل هنا ليس لأصل القدرة وإنما هو للمحال منها على ما ظنه الرجل.
أخيرًا وليس آخرًا أقول لكم أقوال العلماء كثيرة والمعلوم عند
الاختلاف يُرد الاختلاف للكتاب» وتُعرض الأقوال على القرآن و كلّ ويؤخذ من كلامه ويُرد عليه الا النبي صلى الله عليه وسلم ٠ ولو عرضنا ذلك على
القرآن لوجدنا أنه تبارك وتعالى حكم عليهم بالكفر و خلدهم في النار
ولم يعذرهم, كم ذكرنا أنقًا والادلة على ذالك في القرآن أكثر من ان
تحصى ولكن بهذه النقولات كفاية لمن اراد الهداية.
هذا والله تعالى اعلم و احكم.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام