هداية.

كيف نرد شبهة في العُذرِ بالجهل حديث ذاتِ أنواط ؟

📂 حديث وسنة #عام

عن أبي واقدٍ الليثيِّ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حُنينٍ، ونحن حُدَثاءُ عهدٍ بكُفر، وللمشركين سِدرةٌ يعكفون عندها، ويَنُوطون بها أسلحتَهم، يُقال لها: ذاتُ أنواط. فمررنا بسِدرة، فقلنا: يا رسولَ الله، اجعلْ لنا ذاتَ أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواط. فقال رسولُ الله ﷺ: «اللهُ أكبر! إنها السُّنن! قُلتم – والذي نفسي بيده – كما قالت بنو إسرائيلَ لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، قال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.

أخرجه أحمدُ، والترمذي، والنسائي، وغيرُهم.

قالوا: فهؤلاء الصحابةُ أرادوا الشركَ، ولم يُكفِّرهم النبيُّ ﷺ، وعذرَهم بالجهل.

والجواب أن ما طلبَه حديثو العهدِ بالإسلام من الرسولِ ﷺ هو من الشركِ الأصغرِ، وليس من الشرك الأكبر؛ حيث أرادوا التبركَ والطلبَ بالمخلوقِ لا منه، وهذا من الشركِ الأصغرِ الذي لا يُكفِّر فاعله، وهو من قبيل التشاؤمِ، ولبسِ التمائمِ، وقولِهم: مُطِرنا بِنَوءِ كذا، أي بسببِ الكوكب.

ثم إنهم طلبوا مجردَ المشابهةِ للكفار، حيث أرادوا منه أن يجعل لهم شجرةً يَنُوطون بها سلاحَهم، ويستمدُّون بها، لا منها، وهناك فرقٌ بين الطلب من المخلوقِ، وبين الطلب به، ولذلك سألوا النبيَّ ﷺ ذلك، فقالوا: اجعلْ لنا ذاتَ أنواط، أي شجرةً يُعلِّقون بها سلاحَهم لتنزلَ بها البركةُ من الله تعالى، فصاروا مثلَ بني إسرائيل في طلبِ مشابهةِ المشركين، لكنهم في الشرك الأكبر، وهؤلاء الصحابةُ طلبوا مشابهةَ المشركين في الشرك الأصغر، أو أن طلبَهم هذا قد يؤولُ إلى الشرك الأكبر مع طولِ الزمان، لأن البدعَ بريدُ الشرك الأكبر.

قال الشاطبيُّ:

قوله: فقلنا يا رسولَ الله اجعلْ لنا ذاتَ أنواط، فقال عليه السلام: قلتم كما قالت بنو إسرائيل: اجعلْ لنا إلهًا — فإن اتخاذ ذاتِ أنواط يشبه اتخاذَ الآلهةِ من دونِ الله، لا أنه هو نفسُه، فلذلك لا يلزمُ الاعتبارُ بالنصوصِ عليه ما لم يُنصَّ عليه مثلُه من كلِّ وجه.

الاعتصام (246/2).

فجعل قولَهم من بابِ المشابهة، لا أنه نفسُ الفعل، ولو أنه كان نفسَ الفعل، لما شَكَّ في كُفرِهم بذلك القول أو غيرِه، وإنما المشابهةُ هنا بدعةٌ لا تقتضي التكفير.

وقال ابن تيمية:

فأنكر النبيُّ ﷺ مجردَ مشابهتِهم الكفّارَ في اتخاذِ شجرةٍ يعكفون عليها، معلّقين عليها سلاحَهم، فكيف بما هو أطمُّ من ذلك، من مشابهتِهم المشركين، وهو الشركُ بعينه؟

الاقتضاء، ص 314.

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام