كيف الرد على من قالوا لا يكفر الحاكم بغير ما أنزل الله إلا بالجحود أو الاستحلال؟
1- أن هؤلاء جهلوا مناط الكفر في الحكم ووجه كونه كفرًا، وهذا بأحد سببين: إما لأخذهم بمنهج الإرجاء في عدم التكفير بالأعمال، أو لجهلهم بحقيقة كفر الحكم وعدم تدبرهم الآيات التي بيَّنت شناعة هذا العمل وكفر فاعله.
2- أن أهل العلم صرّحوا بكفر الحاكم متى ترك حكم الله وأعرض عنه وامتنع عن الانقياد له، ولو كان مقرًّا غير جاحد ولا مستحل، ومن أقوالهم: قال ابن كثير في تاريخه: (فمن ترك الشرع المحكم المنزل وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه) (13/119). قال إسحاق بن راهويه: (أجمع العلماء على أن من دفع شيئًا أنزله الله وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر) (التمهيد لابن عبد البر 226/4). قال ابن القيم: (ومنهم من تأول آية ومن لم يحكم على ترك الحكم جاحدًا له، وهو قول عكرمة، وهو تأويل مرجوح، فإن جحوده كفر سواء حكم به أو لم يحكم) (مدارج السالكين 2/336). قلت: وهذا رد صريح على جهمية العصر ومرجئته القائلين لا يكفر الحاكم إلا إذا جحد واستحل، مع أن كلام عكرمة لا يحمل على المشرعين.
قال محمد بن إبراهيم: (لو قال من حكّم القانون: أنا أعتقد أنه باطل، فهذا لا أثر له، بل عزل للشرع، كما لو قال أحد: أنا أعبد الأوثان وأعتقد أنها باطلة) (الفتاوى 6/189). قال الجصاص عند آية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾: (وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئًا من أوامر الله تعالى وأوامر رسوله فهو خارج من الإسلام، سواء رده من جهة الشك فيه أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم) (أحكام القرآن 3/181).
3- أن الجحد والاستحلال مناطات مكفّرة مستقلة، ولو لم يحصل معها الحكم بغير ما أنزل الله، وليست هي مناطات التكفير الواردة في الآيات الدالة على كفر الحاكم بغير ما أنزل الله والمتحاكم إليه، فالحكم كفر عملي مستقل، والجحد والاستحلال كفر اعتقادي، وكلاهما كفر أكبر وليس بالضرورة اجتماعهما، فقد يحكم بالطاغوت ولا يجحد، وقد يجحد حكم الله ويستحل الحكم بغيره مع عدم فعله ذلك، والجميع كافر، والآيات كلها في القسم الأول المتعلق بالكفر العملي الظاهر القائم بالحكم والتحاكم والطاعة، وقدمت قول ابن القيم والجصاص.
4- أن قصر الكفر على الجحود والاستحلال وإخراج الكفر العملي من حقيقة الكفر هو بعينه مذهب المرجئة، ولم يفرقوا بين المعاصي التي يكفر بها الخوارج والنواقض والشرك الذي يكفر به أهل السنة.
قال ابن تيمية: (قد تقرر من مذهب أهل السنة أنهم لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا يخرجونه من الإسلام بعمل إذا كان فعلاً منهيًّا عنه مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر، ما لم يتضمن ترك الإيمان) (الفتاوى 20/90). قال محمد بن عبد الوهاب فيمن احتج بأن السلف لا يكفرون بالذنوب: (هذا حق، ولكن ليس هذا ما نحن فيه، وذلك أن الخوارج يكفرون من زنى أو من سرق، بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر، أما أهل السنة فمذهبهم أن المسلم لا يكفر إلا بالشرك، ونحن ما كفرنا الطواغيت وأتباعهم إلا بالشرك، وأنت رجل من أجهل الناس تظن أن من صلى وادعى أنه مسلم لا يكفر) (المؤلفات 7/233).
5- كيف يكون الشرك في الدعاء والذبح والسجود شركًا أكبر ولا يُشترط معه الاستحلال، ولا يكون الشرك في التشريع كذلك؟ ثم ما نحن فيه الآن من هجر لأحكام الإسلام جملة، هل يُنتظر فيه تصريح بالاستحلال؟ وهل يقول ذلك مسلم يعيش هذا الواقع فضلاً عن كونه عالمًا؟ فمن يفرض القوانين الوضعية الفرنسية أو الأمريكية على الشعوب، ويجعلها أصل الحكم في القضاء في الأموال والدماء وغيرها، بل ويعاقب من يطالب بتطبيق الشريعة الربانية، هل ننتظر منه بعد ذلك أن يعلن بلسانه أنه مستحل؟ وهل بعد استحلاله هذا استحلال؟ فإذا كان من الاستحلال اعتقاد حل الحكم بغير ما أنزل الله، فكيف بمن يوجبه ويلزم به، بل ويعاقب من تركه؟ أوليس هذا قد تخطى مرحلة الاستحلال إلى ما هو أشد منه؟
6- أن القرآن قد نص على تكذيب إيمان من لم يكفر بالطاغوت وأراد التحاكم إليه، فنحن نحكم ببطلان إيمان أمثال هؤلاء تصديقًا بحكم الله فيهم، ونُكذّب هذا المتحاكم للطاغوت ولو زعم الصدق والإيمان والتوفيق والإحسان، ولو صرّح بأن الشريعة أفضل من دين الطاغوت، وأقر بوجوب تحكيم الشرع. قال محمد بن إبراهيم: (لو قال من حكم القانون: أنا أعتقد أنه باطل، فهذا لا أثر له، بل عزل للشرع، كما لو قال أحد: أنا أعبد الأوثان وأعتقد أنها باطلة) (الفتاوى 6/189). قال ابن عثيمين: (ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية، لتكون منهاجًا يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات إلا وهم يعتقدون أنها هي الأصلح وأنفع للمخلوق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية، والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه، ونقص ما عدل عنه) (الفتاوى 36/1).
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام