قد يفعل رجل معصية ما, فيطلع عليه رجل آخر فيطلب العاصي ممن رآه على هذه المعصية أن يكتم عليه الأمر ويأخذ عليه العهود والمواثيق, ولكن قد تكون هذه المعصية يتعلق بها حقوق أو قضاء فيستدعى هذا الشاهد للشهادة أمام القضاء فيمتنع عن الشهادة بحجة العهد, فهل هذا جائز وهل مثل هذا العهد معتبر وهل للقاضي أن يلزمه بالكلام والشهادة؟
ننبه إبتداء قبل الإجابة عن صلب السؤال أن الستر على عصاة المسلمين هو الأصل في التعامل معهم, ففي الصحيحين من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة), لكن المجاهر والمفسد والمستكبر عن قبول الحق والإذعان إليه لا بد من ردعه وتعزيره وعقوبته, ولذلك شرع الله الحدود وأذن بالتعزير.
- وأما ما يتعلق بالعهد فقد روى الترمذي في جامعه بإسناد فيه نظر وإن كان أصل الحديث صحيحاً من حديث عمرو ابن عوف المزني -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً), ومثل هذا التعهد الباطل يذكرني بقوله تعالى لما قص علينا في سورة النمل فقال {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}[النمل:48-50], قال الطبري -رحمه الله- في تفسيره (يقول تعالى ذكره قال هؤلاء التسعة الرهط الذين يفسدون في أرض حجر ثمود ولا يصلحون تحالفوا بالله أيها القوم ليحلف بعضكم لبعض لنبيتن صالحا وأهله فلنقتلنه ثم لنقولن لوليه ماشهدنا مهلك أهله) انتهى كلامه رحمه الله, قلت: فمثل هذه العهود باطلة لا قيمة لها بل هي من التعاون على الإثم والعدوان المذموم بإجماع, وليعلم كاتم الشهادة عن حق الله وحق المؤمنين أنه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب فقد قال الله تعالى {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}[البقرة:283]... والله تعالى أعلم
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام