سؤال: ثلث ينهزم لايتوب الله عليهم.... لماذا لا يتوب الله عليهم؟ انهزم بعض الصحابة في أحد فعفا الله عنهم مع أنهم انكشفوا عن خير خلق الله.... لماذا هذا الثلث تحديداً لن يتوب الله عليه؟
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله ..
لست من هواة التّعمّق بأحاديث الآخرة، وأميل أكثر لسماعها وعدم الخوض فيها لكثرة الأقوايل الظّنّيّة فيها ..
ولكن دعنا نتحدّث عن المعصية والتّوبة وهي أحد جوانب السّؤال..
قد يرتكب اثنان نفس المعصية فيغفر للأوّل ولا يغفر للثّاني ..
وقد يكون اثنان في نفس البيئة فيوفّق الله سبحانه أحدهم للتّوبة ويبعد الآخر عنها ..
وهذا من تمام عدل الله سبحانه..
فإنّ المعصية لها شكل ولها حقيقة، ونحن عندما نرى ونحكم ونتحدّث فإنّما حديثنا يُحاكم الشّكل والمظهر ولا ينفذ للحقيقة وكامل الاعتبارات ..
الصّغيرة قد تكون في الميزان كبيرة لما خالطها من ذنوب القلوب كالكبر والغرور والازدراء، أو الشّرك الخفيّ فيرائي في العمل، أو التّهاون وعدم المبالاة لأمر الله سبحانه .. فعمل الجوارح تراه وعمل القلب لا تراه ولا تعلمه، والحساب يكون في الاثنتين معًا ..
والكبيرة كذلك قد تكون في الميزان صغيرة لما رافقها من خوف ووجل وتوقّع سخط واستغفار و خضوع وذلّ وانكسار وإنابة ..
على ذلك ستجد في الآخرة زانيًا يعبر الحساب بأسهل ما يكون، ونمّامًا يجد الأثقال العظام !
ستجد قاتلًا يُقال له ادخل الجنّة مغفورًا لك، وستجد من قيل فيه "ثكلتك أمّك وهل يكبّ النّاس على مناخرهم في النّار إلّا حصائدُ ألسنتهم" ..
لماذا لا يتوب الله عليهم وقد تاب على غيرهم ؟
لن تعرف حتّى تعرف الواقع، والحال، وبأيّ ظرف حصل، وأي خيارات كانت متاحة لهم فتنكّبوا عنها ..
إبليس عصى ربّه مرّة فلُعن وطُرد وأخلد في النّار، لأنّ الكِبر أصابه في موطن الانغماس في الأدلّة والبراهين رأي العين، فلا مكان ولا فُرصة ولا يُتخيّل لأحد أن يتكبّر في ذاك المُقام.. بينما من يسبّ الله -تعالى علوًّا عظيما- ويحارب دينه، ويقتّل أوليائه، يمهله الله ويفتح له أبواب التّوبة، فإنّ مُقام المعصية في الأولى ليس كمُقامها في الثّانية..
وإنّ آدم عليه السّلام عصى ربّه فاستخطأ وانكسر وتاب وأناب فغفر الله له، فقد مزج المعصية هنا بمغفرة أذابها، وذاك اللّعين نفخ المعصية بغروره وكبره ..
فبدر ليست كأُحد وأُحد ليست كالفتح أو حُنين .. بدر القلّة والخوف والوجل وأوّل بلاء من نوعه، لذا من دخل بدرًا دخل الجنّة، وليس كلّ من دخل أُحد دخل الجنّة .. هل لاحظت؟ غزوتين متقاربتين لكن الفارق في معطيات وتسلسل كلّ واحدة فرّق بين الحساب فرقًا كبيرًا ..
وفي ذات الباب في التّفريق بين الذّنبين نقل ابن القيّم رحمه الله كلامًا طيّبًا جميلًا فقال:
"وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول : انظر إلى موسى - صلوات الله وسلامه عليه - رمى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه بيده فكسرها ، وجر بلحية نبي مثله ، وهو هارون ، ولطم عين ملك الموت ففقأها ، وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد صلى الله عليه وسلم ورفعه عليه ، وربه تعالى يحتمل له ذلك كله ، ويحبه ويكرمه ويدلله ، لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدو له ، وصدع بأمره ، وعالج أمتي القبط وبني إسرائيل أشد المعالجة ، فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر .
وانظر إلى يونس بن متى حيث لم يكن له هذه المقامات التي لموسى ، غاضب ربه مرة ، فأخذه وسجنه في بطن الحوت ، ولم يحتمل له ما احتمل لموسى ، وفرق بين من إذا أتى بذنب واحد ، ولم يكن له من الإحسان والمحاسن ما يشفع له ، وبين من إذا أتى بذنب جاءت محاسنه بكل شفيع ، كما قيل :
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع
فالأعمال تشفع لصاحبها عند الله ، وتذكر به إذا وقع في الشدائد ، قال تعالى عن ذي النون فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ، وفرعون لما لم تكن له سابقة خير تشفع له وقال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال له جبريل آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين"
فلنستكثر من الطّاعات والاستغفار والإنابة لعلّ الله يشفع لنا بها عن معاصينا ..
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام