هداية.

هل تعتبر شبهة عام الرمادة مانعًا من إنزال الحكم؟

📂 فقه #عام

ذكرنا قول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه وأرضاه- وكذلك إجماع العلماء الذي نقله ابن المنذر -رحمه الله تعالى رحمةً واسعة-.هناك كلام لابن القيّم أيضًا -رحمه الله تعالى رحمةً واسعة- قال: "ومقتضى قواعد الشرع، فإن السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورةٍ تدعوه إلى ما يسدّ به رمقه

[ثم قال] وهذه شبهة قويّة تدرأ القطع عن المحتاج." هذا قول ابن القيم -رحمه الله تعالى رحمةً واسعة-.

أي أنك في مثل هذه الأجواء، إذا جئت بسارق فتذرّع بالجوع وبالمخمصة، هذه شبهة؛ لأن غالباً الناس في مثل هذه الأوقات ما يسلمون من الجوع وما يسلمون من الاضطرار إلى التطاول على أموال المسلمين.

إذاً من هنا كانت الشبهة عند عمر، وبسبب هذه الشبهة أوقف قطع يد السارق، لا جاء بالبديل ولا عطّل حكم الشرع، بعد ذلك بعد انتهاء عام الرّمادة عاد القطع وعاد حكم الله عز وجل كما كان.

هُنَاكَ حَالَةٌ أُخْرَى يَذْكُرُهَا هَؤلاءِ النَّاسُ:

وهي مسألة:

في زمن عمر أيضًا -رضي الله عنه وأرضاه-

جيء بعبدين لعبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، وكانا قد سرقا جملًا وذبحاه، ثم علم بهم عمر فجيء بهم، وأراد أن يقطع يدهما، فأثبتوا له أن الذي دفعنا إلى السرقة والذبح والأكل؛ الجوع، تيقّن من هذا الأمر فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة وأمره أن يدفع ضعفي ثمن الناقة إلى أهل الناقة، فبهذا عاقبه، إذاً إيش يكون عندي؟

إمَّا أَنَّهَا حَالَةٌ عَامَّةٌ: الناس كلهم يمرّون -والعياذ بالله- بحالة جوع

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة:155]. -لا قدّر الله- إذا الناس المسلمون كلهم مرّوا بهذه الحالة، عند ذلك يجوز لأمير المؤمنين أن يصدر أمرًا بأن لا تقطعوا اليد خلال هذه الفترة لوجود شبهة أن الناس قد يضطرون إلى الأكل

هذا يجوز.

لَكِنْ في بَعْضِ الحَالاتَ الفَرْدِيَّةِ: رجلٌ سرق، ثم أثبت بالدليل أن الذي دفعه إلى السرقة الجوع والمخمصة والشدّة، إذا أُحيل أمره إلى القاضي، وثبت عند القاضي أن الدافع كان الجوع، يجوز للقاضي أيضًا أن يعفي هذا المسلم من قطع يده. وهذه حادثة لها شبه بقضية هذين العبدين، فلم يقطع الفاروق -رضي الله عنه وأرضاه- يد هذين العبدين لأنه ثبت له أنهما ما أخذا هذا الجمل إلا بدافع الجوع والمخمصة.

[[[تمت بفضل الله]]]

دَلِيلٌ آخَرٌ: ذكره عبد الرزاق في مُصنّفه -رحمه الله تعالى رحمةً واسعة- بسندٍ مُنقطع، أما ابن أبي شيبة -رحمه الله تعالى- فقد ذكره بسندٍ مُتصّل، قول عمر -رضي الله عنه وأرضاه-: "لا قطع في عِذْقٍ ولا عام السنةِ".

إيش عام السنة؟

أي: العام الذي يمرّ على الناس وعليهم جدب أو قحط أو قلّة مطر، هذا يسمى سنة، ولهذا في الدعاء تقول:

عليهم سنين كسني يوسف.

هذا الكلام لعمر، سُئِل عنه الإمام أحمد: أتقول بهذا القول؟ (يعني في عام السنة، في عام المجاعة لا تقطع؟)

قال: إذا كان الناس في شدّة ومجاعة نعم، لا نقطع.

إذاً الآن الشبهة أين وُجِدَت عند عمر بالذات؟، أن هذا الجوع سيدفع بعض الناس إلى أن يأخذوا مالًا لا يحلّ لهم، وهم يرون أنفسهم أنه يحلّ لهم، لماذا يحلّ لهم؟؛ لقول الله تبارك وتعالى:

﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

الدَلِيلُ الثَّانِي على أن أهل المدينة كانوا يعلمون هذه المسائل:

أنهم أهل حيطان وبساتين، فكانوا يعرفون ما معنى أن يدخل إنسان بُستانًا وأن يأخذ من هذا البستان شيئًا في حالة الرفاهية وكذلك في حالة الجوع.

في حالة الرفاهية: ذكر الإمام النسائي -رحمه الله تعالى رحمةً واسعة- حديثًا لرسول الله ﷺ عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه وعن أبيه-، قال:

قال رسول الله ﷺ:

(مَا أَصَابَ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ).

خُبنةً بمعنى: دخل الحائط -أي: البستان- وأخذ ما يكفيه ويسدّ رمقه، لكن ما أخرج في حضنه شيئًا من البستان، خُبنةً بمعنى: أخذ في حضنه من البستان.. هذا لا شيء عليه.

أما من خرج وأخرج معه شيئًا دون النصاب: فعليه غرامة مثليه، والعقوبة، هذا حديث رسول الله ﷺ

دخل البستان، وأخذ حاجته وكفايته من الطعام، وعندما خرج أخرج معه بعض الثمار، لكن هذا الذي أخرجه ما بلغ النصاب، فما حكم الشرع فيه؟، قال: يدفع ضعفي ثمن الذي أخذه، وعلى وليّ الأمر أن يُعاقبه، وهذا ما يُسمّى بالتعزير، إذاً إذا خرج من البستان بعد أن أخذ حاجته وضُبِط، هذا يدفع ضعفي الثمن وعليه العقوبة.

أما إذا آواه الجرين -الجرين: المكان الذي كانوا يحفظون فيه التمر أو الثمار- فإذا دخل وأخذ حاجته وأخذ من الجرين -أي: بعد أصبح في الحرز- وبلغ النصاب، هذا عليه القطع.

إذاً هذه المسائل كانت معروفة عند أهل المدينة، فإذا جاء أحدهم ودخل وأخذ وأكل، إذاً الشبهة متحققة عند عمر -رضي الله عنه وأرضاه-، أما إذا جاء رجل الآن وقال هذه ليست فيها شبهة، نقول: ليست فيها شبهة عندك، لكن عند ولي الأمر صاحب الأمر والنهي في ذلك الوقت رأى أن هذه شبهة، فدفع هذا الحدّ عن المسلمين بسبب هذه الشبهة.

إذاً هذا هو قول عمر، وهذا هو تبرير عمر لعدم قطع يد السارق في تلك السنة.

إذاً لا دلالة في هذه الحادثة على جواز الدخول في البرلمانات، ما العلاقة؟!

هَذَا الأَمْرُ الأَوَّلُ.

الأَمْرُ الثَّانِي: أنه لا علاقة بين حادثة عام الرّمادة، وبين جواز الدخول في مواطن الردّة.

الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أن عمر -رضي الله عنه وأرضاه- عندما أوقف قطع يد السارق، ما عطّل هذا الحكم إلا لشبهة، وما جاء بالبديل.. ما جاء بالبديل، طالما هناك شبهة إذاً لا تُقطع يد السارق، انتهت المسألة، يعني لا يقول عمر -حاشاه-: طالما أننا توقفنا عن قطع يد السارق لشبهة، إذان العقوبة تكون كذا، ما قال هذا الشيء، ما جاء بالبديل، لكن أنتم الذين دخلتم في هذه الحكومات عطّلتم أحكام الله عز وجل، وجئتم بالبدائل، وبدأتم تحكمون الناس بالبدائل، والفارق شاسع بين عمر -رضي الله عنه وأرضاه- الذي أوقف حكمًا لله عز وجل لوجود شبهة، وبينكم أنتم الذين عطّلتم أحكام الله عز وجل، وجئتم بالبدائل وحكمتم الناس بالبدائل الآن.. فأين أنت من عمر؟!

أين وجه الشبه بين عملك وبين عمل عمر؟!

هل قال عمر: أن الذي يسرق في عام الرّمادة نسجنه؟!، أو أن يدفع؟!

ما قال شيئًا من هذا القبيل، وإنما حدٌ توقف بسبب عذر شرعي، وهذا العذر الشرعي هو وجود الشبهة، والشبهة: وجود المخمصة عند الناس.

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام