هل الإنسان مخير أم مسير؟ وما معنى ذلك؟
لعل في سؤال الأخ السائل ابتداءً خطأ يجب تبيينه, وهو أنه لا يصح أن يقال هل الإنسان مسير أم مخير, لأن الإنسان في حقيقة الأمر مسير ومخير في الوقت نفسه, ولعلنا نقول ميسر ومخير, فقد أعطى الله سبحانه وتعالى السمع والبصر, قال تعالى {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}[البلد:8-10], وقال تعالى {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}[الإنسان:2-3], وقال تعالى {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}[الشمس:7-10].
- وهو في هذا التخيير بين طريق الحق وطريق الباطل لا يخرج بحال من الأحوال عن مشيئة الله تبارك وتعالى وقدرته, فقد قال الله سبحانه وتعالى {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}[التكوير:28-29], وقال سبحانه {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}[القمر:49], وقال {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً}[الفرقان:2].
- وخير ما يوضح المسلم حقيقة مسألة القدر ما رواه الشيخان ولفظ البخاري من حديث علي ابن أبي طالب -رضي الله عنه وأرضاه- قال [كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصره "أي عصا صغيره" فنكس فجعل ينكت بمخصرته "أي طأطأ رأسه" وجعل ينكت الأرض بعصاه, ثم قال: (ما منكم من أحد ما من نفس منفوسه إلا كتب مكانها من الجنة والنار, وإلا قد كتب شقية أو سعيدة), فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير الى عمل أهل السعادة وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير الى عمل أهل الشقاوة, قال أي النبي -صلى الله عليه وسلم- (أما أهل السعادة فييسرون لعمل السعادة, وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل الشقاوة), وفي رواية عند الإمام أحمد في "المسند" أنه قال (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) ثم قرأ قوله تعالى {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}[الليل:5-10].
- وينبغي أن يعلم السائل أن التصديق بالقدر ركن الإيمان, ففي حديث جبريل -عليه السلام- المشهور لما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان فذكر من أركانه (و تؤمن بالقدر خيره وشره), وقد قال الصحابي الجليل عبدالله ابن عمر -رضي الله عنهما- لما سأله سائل عن أقوام أنكروا القدر فقال له (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريئ منهم وأنهم براء مني), والذي يحلف به عبدالله ابن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر.
- وأنصح السائل بالرجوع "للرسالة الواسطيه" لشيخ الإسلام ابن تيميه -رحمه الله- ولكتاب "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل" للعلامة شمس الدين ابن القيم الجوزية -رحمه الله تعالى- ففيهما بحث كافي شافي بإذن الله للمسألة ولعل الله ييسر بسط المسألة في مقام آخر... والله تعالى أعلم
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام