هداية.

ما حكم أنصار الطواغيت؟

📂 فقه #صلاة #طلاق #حديث #سحر وعين

اعلم - رحمك الله - أن أعوان الطواغـ.ـيت، وأنصارهم مشـ.ـركون وكفـ.ـار بأعيانهم - و هذا الحكم على الظاهر فنحن علينا أن نحكم عليهم بالكفـ.ـر لإظهارهم الكفـ.ـر لنا إذ أجمع العلماء على أن الأحكام الدنيوية تجري على ظاهرها اللهم إلا إذا كنا نعلم وجود هذا المانع في حق هذا المعين.

ولهذا روي أن العباس رضي الله عنه حين أسره المسلمون وقد كان في صف المشـ.ـركين قال: يارسول الله كنت مكرها، فقال عليه الصلاة والسلام: (أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله) وقال الشافعي: (إنما كلف العباد الحكم على الظاهر من القول والفعل وتولى الله الثواب على السرائر دون خلقه) [الأم: 1 ص 259]، وقال: (وأحكام الله ورسوله تدل على أنه ليس لأحد أن يحكم على أحد إلا بظاهر).

ونقل الحافظ ابن حجر - رحمه الله - الإجماع فقال: (وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر) [فتح الباري: 12 ص 272، 273]- والأدلة على كفـ.ـرهم من الكتاب، والسنة، والإجماع:

أولًا: الكتاب:

قوله تعالى: { فَمَنْ يَكفـ.ـرْ بالطَّاغـ.ـوتِ ويُؤمنْ باللهِ فقدِ استمسَكَ بالعُروةِ الوُثقى...) [البقرة: 256]، فَجَعلَ اللهُ شرطَ صِحَّةِ الإيمانِ الكُفـ.ـرُ بالطَّاغـ.ـوت فَمَنْ لم يَكفُـ.ـرْ بالطَّاغـ.ـوتِ لم يَصحُ له عَقدُ الإسلامِ إلاّ بالكُفـ.ـرِ بالطَّاغـ.ـوتِ، والمُناصرُ والمُعاونُ للطَّواغـ.ـيتِ لم يَكفـ.ـرْ بِمَا أمَرَه اللهُ به مِنْ الكُفـ.ـرِ بالطاغـ.ـوتِ، فيكونُ بإيمانِهِ بالطَّاغـ.ـوتِ كافـ.ـرًا بالله.

قوله تعالى: { اللهُ وَليُّ الذينَ آمنوا يُخرجُهُم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُّورِ والذينَ كفروا أولياؤُهُم الطَّاغـ.ـوتُ يُخرجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُلُماتِ أولئكَ أصحابُ النَّار هُم فيها خالدون } [البقرة: 257]، فَبيَّنَ اللهُ سبحانَه وتعالى أنَّ الذينَ كفـ.ـروا هُم أولياءُ الطَّاغـ.ـوتِ أي أحبابُهُ وأنصارُهُ وأعوانُهُ، فَيتَبيَّنُ مِنْ ذلكَ أنَّ مَنْ ناصرَهُم أو عاونَهُم فَهوَ كافـ.ـرٌ مثلُهُم.

قوله تعالى: { بَشِّرِ المُنافـ.ـقينَ بأنَّ لهم عذابًا أليمًا، الذينَ يَتَّخِذُونَ الكافـ.ـرينَ أولياءَ مِنْ دُونِ المُؤمنينَ أيَبتَغُونَ عندَهُمُ العِزَّةَ فإنَّ العِزَّةَ للهِ جَميعًا } [النِّساء: 138، 139]، فَمِنْ صِفاتِ المُنافـ.ـقينَ أنَّهم يُوالُونَ الكُفَّـ.ـارَ مِنْ دُونِ المُؤمنينَ، وأنصارُ الطَّاغـ.ـوتِ وأعوانِهِ مِنْ أولياءِ الطَّاغـ.ـوتِ كَمَا هُوَ مَعلومٌ، فَيتبيَّنَ مِنْ ذلكَ أنَّ أنصارَ الطَّواغـ.ـيتِ وأعوانِهِم كالمُنافِـ.ـقينَ فَهُمْ في الكُفـ.ـرِ سواء.

قوله تعالى: { لا يَتَّخِذِ المُؤمنونَ الكافـ.ـرينَ أولياءَ مِنْ دُونِ المُؤمنينَ ومَنْ يفعلْ ذلكَ فليسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ إلاّ أنْ تَتَّقوا مِنهم تُقاةً ويُحذِّرُكُم اللهُ نَفسَه وإلى اللهِ المَصيرُ } [آل عمران: 28]، وهذِهِ الآيةُ تَدلُ على كُفـ.ـرِ أنصارِ الطَّاغـ.ـوتِ وأعوانِهِ مِنْ قولِهِ تعالى: (فليسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ)، (يَعني فقد بَريءَ مِنَ الله، وبَريءَ اللهُ مِنه، بارتِـ.ـدادِهِ عن دينِهِ ودُخُولِهِ في الكُفـ.ـر).

قوله تعالى: { يا أيُّها الذينَ آمنوا لا تَتَّخِذوا اليَهـ.ـودَ والنَّصـ.ـارى أولياءَ بعضُهُم أولياءُ بعضٍ ومَنْ يَتولَّهم مِنكم فإنَّه مِنهم إنَّ اللهَ لا يَهدي القومَ الظالمينَ } [المائدة: 51]، ومَوضعُ الإستدلالِ مِنْ هذِهِ الآيةِ أنَّ الحُكَّامَ الطَّواغـ.ـيتَ قدْ وَالوا اليَهـ.ـود والنَّصـ.ـارى فَهُم كُفَّـ.ـار مِثلُهُم لقولِهِ تعالى: (ومَنْ يَتولَّهم مِنكم فإنَّه مِنهم)، فيُعلَمُ مِنْ ذلكَ أنَّ أعوانَ الطَّواغـ.ـيتِ وأنصارِهِم كُفَّـ.ـارٌ لكونِهم تَولَّوا الطَّواغـ.ـيتَ فهُم دَاخِلونَ جميعًا في عُمومِ قولِهِ تعالى: (ومَنْ يَتوَلَّهم مِنكم فإنَّه مِنهم)، وقالَ الإمامُ ابنُ جريرٍ رحِمه اللهُ تعالى في تَفسِيره [6: ص277] (ومَنْ يَتولَّ اليَهـ.ـود والنَّصـ.ـارى دُونِ المُؤمنينَ فإنَّه منهم، يقولُ: فإنَّ مَنْ تَولاّهُم ونصرَهُم على المُؤمنينَ فَهوَ مِنْ أهلِ دينِهم ومِلَّتِهم، فإنَّه لا يَتولَّى مُتولٍّ أحَدًا إلاّ وهَوَ به وبدينِه ومَا هُوَ عليهِ راضٍ، وإذا رَضيَه ورَضيَ دينَه فقد عادَى مَا خالفَه وسخِطه وصارَ حُكمُهُ حُكْمَه).

قولُهُ تعالى: { يا أيُّها الذينَ آمنوا لا تَتَّخِذُوا الذينَ اتَّخَذُوا دينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الذينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قِبلِكم والكفَّـ.ـارَ أولياءَ واتَّقُوا اللهَ إنْ كُنتُم مُؤمنينَ } [المائدة: 57]، فَدلَّت هذِهِ الآيةُ أنَّ اتَّخاذَ الذينَ اتَّخَذُوا دينَ الإسلامِ هُزُوًا ولَعِبًا أولياءَ كُفـ.ـرٌ بالله، والطَّواغـ.ـيتُ مِنْ أكثرِ النَّاسِ هُزُوًا ولَعِبًا بدينِ اللهِ، فَمَعنى ذلكَ أنَّ أنصارَ الطَّواغـ.ـيتِ وأعوانَهم كُفَّـ.ـارٌ مِثلُهم، قالَ الشيخُ عبد اللطيفِ بنُ عبد الرحمنِ آل الشيخ رحِمه اللهُ تعالى: (فتَأمَّلْ قوله تعالى: (واتَّقُوا اللهَ إنْ كُنتُم مُؤمنينَ) فإنَّ هذا الحرفَ - وهو "إنَّ" الشَرطيَّة - تَقتَضي نفيَ شرطِها إذا انتفَى جوابُها، ومَعناه: أنَّ مَنْ اتَّخَذهم أولياءَ فليسَ بمُؤمنٍ) [الدرر السنية: 8: ص 288].

قولُهُ تعالى: { ولو كانوا يُؤمنونَ باللهِ والنَّبيِّ وما أُنزِلَ إليهِ مَا اتَّخَذُوهُم أولياءَ ولكنَّ كثيرًا مِنهم فاسـ.ـقونَ } [المائدة: 81]، قالَ شيخُ الإسلامِ: (فَذَكَرَ جُملةً شَرطيَّةً تَقتَضي أنَّه إذا وُجدَ الشَّرطُ وُجدَ المَشرُوطُ بحرفِ "لو" الَّتي تَقتَضي مَعَ انتفاءِ الشَّرطِ انتفاءِ المَشروطِ، فقالَ: (ولو كانوا يُؤمنونَ باللهِ والنَّبيِّ ومَا أُنزلَ إليهِ مَا اتَّخَذُوهم أولياءَ) فَدلَّ على أنَّ الإيمانَ المَذكُورَ ينفي اتِّخاذَهم أولياءَ ويُضادَّه، ولا يَجتمعُ الإيمانُ واتِّخاذُهُم أولياءَ في القلبِ) [مجموع الفتاوى: 7: ص 17]، ومَوضعُ الإستِدلالِ مِنْ هذهِ الآيةِ أنَّ أنصارَ الطَّواغـ.ـيتِ وأعوانَهم لو كانوا يُؤمنونَ باللهِ والنَّبيِّ والقرآنِ ما اتَّخذُوا الطَّواغـ.ـيتَ أولياءَ، فاتِّخاذُهُم للطَّواغـ.ـيتِ أولياءَ مِنْ دُونِ المُؤمنينَ يَنفي عنهُمُ الإيمانَ إذ لا يَجتمعُ الإيمانُ واتِّخاذُ الطَّواغـ.ـيتِ أولياءَ في قلبِ مُؤمنٍ.

قولُهُ تعالى: { والذينَ كَفـ.ـرُوا بعضُهُم أولياءُ بعضٍ إلاَّ تفعَلُوهُ تَكُنْ فِتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ كبيرٌ } [الأنفال: 73]، وهذِهِ الآيةُ مِنْ أصرحِ الأدلَّةِ على أنَّ المُتَّخِذينَ للكُفَّـ.ـارِ أولياءَ أنَّهم مِنهم وهُم مِثلُهم في الكُفـ.ـرِ سواءً بسواءٍ ولذلكَ قالَ: (بَعضُهم أولياءُ بعضٍ)، فأنصارُ الطَّاغـ.ـوتِ وأعوانُهُ مَا دامُوا يُوالونَ الطَّواغـ.ـيتَ فَهُم مِثلُهم في الكُفـ.ـرِ، حيثُ جَعلَ اللهُ الكُفَّـ.ـارَ بعضَهُم أولياءَ بعضٍ فقَطَعَ ولايتَهم عنِ المُؤمنينَ، وقولُهُ: (إلاَّ تَفعلُوه تَكُنْ فِتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ كبيرٌ)، قالَ الشَّيخُ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشَّيخ: (وهلِ الفتنةُ إلاَّ الشـ.ـركُ، والفسـ.ـادُ الكبيرُ هَوَ انتِثارُ عِقد التَّوحيدِ والإسلامِ وقَطْعُ مَا أحكَمَه القرآنُ مِنْ الأحكامِ والنِّظام) [الدرر السنية: 8: ص 326].

قولُهُ تعالى: { إنَّ الذينَ ارتدُّوا على أدبارِهِم مِنْ بَعدِ مَا تَبيَّنَ لهُمُ الهُدى الشَّيطانُ سوَّلَ لهم وأمْلَى لهم * ذلكَ بأنَّهم قالوا للذينَ كرِهُوا مَا نزَّلَ اللهُ سنُطِيعُكُم في بعضِ الأمرِ واللهُ يَعلمُ إسرَارَهم } [محمَّد: 25، 26]، ومَوضِعُ الإستدلالِ في هذِهِ الآيةِ أنَّ المُرتـ.ـدَّينَ قالوا للكافـ.ـرينَ الذينَ كَرِهُوا مَا نزَّلَ اللهُ، (سنُطِيعُكُم في بعضِ الأمرِ)، فإذا كانوا قد أطاعُوهم في بعضِ الأمرِ صاروا به مُرتـ.ـدَّينَ مع أنَّهم لم يُطيعُوهم في كلِّ الأمرِ، فكيفَ بمَنْ أطاعَهم في كلِّ أمورِهِم بلْ وناصرَهم وعاونَهم وسانَدَهم ووطَّد مُلكَهم وحَمَى دَولتهم، فمَن كانَ هذا حالُهُ فمِن بابِ أولَى أنْ يكونَ مُرتـ.ـدَّا.

قولُهُ تعالى: { يا أيُّها الذينَ آمنوا إنْ تُطيعُوا الذينَ كفـ.ـروا يَردُّوكم على أعقابِكم فتنقَلِبُوا خاسرينَ، بلِ اللهُ مولاكُم وهَوَ خيرُ النَّاصرين } [آل عمران: 149، 150]، فأخبَرَ تعالى أنَّ المُؤمنينَ إنْ أطاعُوا الكافـ.ـرينَ رَدُّوهم عن دينِهم لأنَّهم يَوَدُّونَ أنْ يَكفُـ.ـروا ليكُونوا في الكُفـ.ـرِ سواء، ولذلكَ لم يُرخص في طاعتِهم، ثم أخبَرَ أنَّه هَوَ سبُحانه مَولاهم وناصِرهم وهَوَ خيرُ النَّاصرينَ، وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ طاعةَ الكافـ.ـرينَ ِردَّةٌ عن دينِ الإسلامِ لقولِهِ: (يَردُّوكُم على أعقابِكم).

قولُهُ تعالى: { ألمْ تَرَ إلى الذينَ نافَـ.ـقوا يَقولونَ لإخوانِهِمُ الذينَ كفـ.ـروا مِنْ أهلِ الكتابِ لئنْ أُخرجتُم لنَخْرُجَنَّ معكم ولا نُطيعُ فيكم أحدًا أبدًا وإنْ قُوتِلتُم لنَنصُرنَّكُم واللهُ يَشهدُ إنَّهم لكاذبون } [الحشر: 10]، فأفادت هذِهِ الآيةُ أنَّ المُنافـ.ـقينَ إخوانُ الكُفَّـ.ـارِ لأنَّهم وعَدُوهُم سِرًّا بالخروجِ معهم إذا قَاتـ.ـلوا المُسلمينَ ولا يُطيعونَ أحدًا ِسواهُم أبدًا وَسينصُرونَهم في القتـ.ـالِ والحـ.ـربِ، فإذا كانَ كلُّ ذلكَ إنَّما كانَ سِرَّا وَعَدَّهُ اللهُ نِفـ.ـاقًا وكُفـ.ـرًا، فكيفَ بمَنْ أظهرَ ذلكَ صِدقًا واستَمَاتَ عليه، والمُهمُّ أنَّ أعوانَ الطَّواغـ.ـيتِ وأنصارَهُم كُفَّـ.ـارٌ لأنَّهم يُقاتِـ.ـلونَ في سبيلِ أولياءِ الشَّيـ.ـطانِ عِياذًا باللهِ مِنْ ذلك.

قولُهُ تعالى: { ولا تَركَنُوا إلى الذينَ ظَلَموا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ومَا لكم مِن دُونِ اللهِ مِن أولياءَ ثُمَّ لا تُنصَرون } [هود: 113]، فإذا كانَ مُجرَّدُ الرُكونِ إلى الذينَ ظَلموا قد جاءَ فيهِ هذا الوعيدِ الشّديدِ، مع أنَّ الرُكونَ قد يكونُ مِن نوعِ المُداهَنةِ، فكيفَ بمَنْ اتَّبَعهم على كُفِـ.ـرهِم أو َرضيَ بأعمالِهم أو عاونَهم وأحبَّهم ونَصَرهم، فواللهِ إنَّه سَيكونُ مِثلَهم في الكُفِـ.ـر مادامَ راِضيًا بأعمالِهِم، ثمّ تأمَّل قولَه تعالى: (ومَا لكُم مِن دُونِ اللهِ مِن أولياءَ ثُمَّ لا تُنصرون)، فإذا كانَ مَنْ مَالَ إلى الظَّالمينَ واستعانَ بِهم قَطَعَ اللهُ وُلايَته عنه ولم يَكنْ ناصرًا له، فكيفَ بمَنْ تَولاّهم وأعانَهم كأنصاِر الطَّواغـ.ـيتِ وأعوانِهم.

قولُهُ تعالى: { يا أيُّها الذينَ آمنوا إنْ تُطِيعُوا فريقًا مِنَ الذينَ أُوتُوا الكتابَ يَردُّوكُم بعدَ إيمانِكم كافـ.ـرينَ، وكيفَ تَكفـ.ـرونَ وأنتُم تُتلَى عَليكُم آياتُ اللهِ وفِيكُم رسولُهُ ومَنْ يَعتَصم باللهِ فقدْ هُديَ إلى صراطٍ مُستقيم } [آل عمران: 100، 101]، فأخبرَ سُبحانَه وتعالى أنَّ المُؤمنينَ إنْ أطَاعُوا أهلَ الكتابِ رَدُّوهم عن دينِهم، ثُمَّ بيَّنَ أنَّهم كيفَ يَكفـ.ـرونَ بعدَ أنْ هَداهُم للإيمانِ وفِيهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَتلُوا عليهم آياتِه، ثُمَّ قالَ: (ومَنْ يَعتَصم باللهِ فقدْ هُديَ إلى صراطٍ مُستقيم)، فأفادت الآيةُ أنَّ المُطِيعينَ للكافـ.ـرينَ لمْ يَعتَصمُوا باللهِ إذْ لا يَستَقيمُ في قلبِ ُمؤمنٍ الإعتصامُ باللهِ وطاعةُ الكافـ.ـرين، ومَحلُّ الإستدلالِ مِنْ هذِهِ الآيةِ أنَّ الحُكَّامَ الطَّواغـ.ـيتَ أطَاعُوا أولياءَهم مِنَ اليَهـ.ـود والنَّصـ.ـارى وبالأخصِّ الأمريكان، فطَاعَتُهُم لليَهـ.ـودِ والنَّصـ.ـارى ِردَّ،ةٌ ظَاهرةٌ عن دينِ الإسلامِ، ومَنْ أطاعِ المُطِيعينَ لليَهـ.ـودِ والنَّصـ.ـارى كانَ مثلَهم لإشتراكِهم جميعًا في طاعةِ الكافـ.ـرينَ.

ثانيًا: السنة:

عنِ حسنِ بن محمد قالَ: أخبَرنِي عُبيد بن أبي رافعٍ قالَ: سَمعتُ عليَّا رضيَ اللهُ عنه يقولُ: بَعثني: (رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَا والزُّبيرُ والمِقدادُ بن الأسودِ، قالَ: إنطَلِقوا حتَّى تَأتُوا روضة خاخٍ فإنَّ بها ظُعينة، ومَعَها كتابٌ فَخُذُوه مِنها، فانطَلقنا تعادى بنا الخيلُ، حتَّى انتَهينا إلى الروضةِ، فإذا نَحنُ بالظعينة فقلنا: أخِرجي الكتابَ، فقالتْ مامَعيَ مِن كتابٍ، فقُلنا لتُخِرجِنَّ الكتابَ أو لنُلقينَّا الثيابَ، فأخرَجَتُه مِن عقاصها، فأتَينا به رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فإذا فيه: مِنْ حاطبِ بن أبي بَلتَعةَ إلى أنُاسٍ مِن المُشـ.ـركينَ مِنْ أهلِ مكَّة، يُخبِرُهم ببعضِ أمرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا حاطبُ مَاهذا؟ قالَ: يا رسولَ اللهِ لا تَعجَل عَليَّ، إنِّي كُنتُ إمرًا ملصقًا في قريش، ولم أكنْ ِمنْ أنفسها، وكانَ مَنْ معكَ مِنْ المُهاجرينَ لهم قَرابات بمكَّة، يَحمُونَ بها أهليِهِم وأموالِهم، فأحبَبتُ إذ فاتَني ذلكَ مِنَ النَّسبِ فيهم أنْ أتّخذَ عندهم يَدًا يحمونَ بها قَرابتي، ومَا فعلتُ كُفـ.ـرًا ولا ارتـ.ـدَادًا، ولا رِضًا بالكُفـ.ـرِ بعدَ الإسلام، فقالَ رسولُ اللهِ: لقدْ صدَقكم، قالَ عُمر: يا رسول الله دَعني أضربْ عُنقَ هذا المُنافـ.ـق، قالَ: إنَّه قدْ شَهِدَ بدرًا وما يُدريكَ لَعلَّ اللهَ أنْ يكونَ قدْ إطَّلعَ على أهلِ بدرٍ فقالَ؛ اعِملوا ما شِئتم فقدْ غَفرتُ لكم) [رواه البخاري]، وقِصَّةَ حاطبِ بن أبي بَلتَعةَ رضي الله عنه تَدلُّ على أنَّ مُناصرةَ الكُفَّـ.ـارِ ومُعاونتَهم ومُظاهرتَهم على المُسلمينَ كُفـ.ـرٌ ورِدَّ،ةٌ عَنِ الدِّينِ؛ ويَتبيَّنُ ذلكَ مِنْ وجُوهٍ:

الأوَّل: قولُ حاطبٍ رضيَ اللهُ عنه: (ومَا فَعلتُ كُفـ.ـرًا ولا ارتِـ.ـدَادًا ولا ِرضًا بالكُفـ.ـرِ بعدَ الإسلامِ)، وفي ِروايةٍ عند البُخاري قال: (واللهِ مَا بيَ أنْ لا أكونَ مُؤمنًا باللهِ ورسولِهِ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)، وفي ِروايةٍ عنده أيضًا قالَ: (ولمْ أفعَلُهُ ارتِـ.ـدادًا عن ِديني ولا ِرضًا بالكُفـ.ـرِ بعدَ الإسلام)، وفي ِروايةٍ عنده أيضًا قالَ حاطبُ: (ومَا فَعلتُ ذلكَ كُفـ.ـرًا ولا ارتِـ.ـدَادًا عن ِديني)، وفي ِروايةٍ عنده أيضًا قالَ: (مَا بيَ ألا أكونَ مُؤمنًا باللهِ ورسولِهِ، ومَا غيَّرتُ ولا بدَّلتُ)، وفي ِروايةٍ عنده أيضًا قالَ: (يا رسولَ اللهِ ماليَ أنْ لا أكونَ مُؤمنًا باللهِ ورسولِهِ)، فهذا يدُلُّ على أنَّ المُقرَّر عند الصَّحابةِ رضيَ اللهُ عنهم ومِنهم حاطبُ رضيَ اللهُ عنه أنَّ مُعاونةَ الكُفَّـ.ـارِ والتَّجسُسَ لهم وإفشاءَ أسرارِ المُسلمينَ لهم، ومُناصرتَهم ومُظاهرتَهم على المُسلمينَ أنَّه ِردَّ،ةٌ عن دينِ الإسلامِ وكُفـ.ـرٌ باللهِ ورسولِهِ.

الثَّاني: قولُ عمر بن الخطَّاب رضيَ اللهُ عنه: (يا رسولَ اللهِ، دَعني أضربُ عُنقَ هذا المُنافـ.ـقِ)، وفي ِروايةٍ (دَعني أضربُ عُنقَه فإنَّه قدْ نَافـ.ـق)، وفي ِروايةٍ قالَ عمر: (يا رسولَ اللهِ قدْ خانَ اللهَ ورسولَه والمُؤمنينَ فدعني فلأضْرِبْ عُنُقَه ... )، ثُمَّ قالَ: (إنَّه قدْ خانَ اللهَ والمُؤمنينَ فدعني فلأضْربْ عُنُقَه)، وفي ِروايةٍ أنَّ عمر بن الخطَّاب قالَ: (إنَّه قدْ خانَ اللهَ ورسولَه والمُؤمنينَ، فدعني فأضربُ عُنُقه)، وفي ِروايةٍ قالَ عمر: (يا رسولَ اللهِ قدْ خانَ اللهَ ورسولَه والمُؤمنينَ، دعني فأضربُ عُنقه ... )، ثُمَّ عادَ عمر فقالَ: (يا رسولَ اللهِ قدْ خانَ اللهَ ورسولَه والمُؤمنينَ، دعني فلأضربْ عُنُقه)، فقدْ كانَ المُقرَّر عندَ عمر بن الخطَّاب رضيَ اللهُ عنه أنَّ مُظاهرةَ الكُفَّـ.ـارِ على المُسلمينَ ومُعاونتَهم والتَّجسُسَ لهم نفـ.ـاقٌ وكُفـ.ـرٌ وِردَّ،ةٌ عن دينِ الإسلامِ وخيانةٌ للهِ ولرسولِه وللمُؤمنينَ وذلكَ ظاهرٌ مِن قولِ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فليسَ فيهِ خَفاء.

الثَّالث: عدمُ إنكارِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم على عمر قولُه هذا، وإنِّما ذَكرَ له صِدقَ مَا اعتذرَ بهِ حاطب، ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (لقدْ صدَقَكم)، وفي ِروايةٍ قالَ: (صَدَقَ لا تَقُولوا له إلاَّ خيرًا)، وفي ِروايةٍ قالَ: (إنَّه قد صَدقَكم)، وفي ِروايةٍ: (فصدَّقَه النبَّي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم).

الرابع: أنَّ حقيقة فعل حاطب معصية وكبيرة من الكبائـ.ـر وإن كان ظاهره كفـ.ـرًا إلا أن النبي صلي الله عليه وسلم علم سريرته بالوحي ولذلك صدقه في قوله: (ومَا فعلتُ ذلكَ كُفـ.ـرًا ولا ارتِـ.ـدَادًا عن ديني)، وعلَّلَ ذلكَ أيضًا بأنَّه مَا فَعلَ فعْلَته تلكَ إلاَّ لِيتَّخذَ عندَ قريشٍ يَدًا يَحمُون بها قُرابتِه، ومع أنَّ ذلكَ ليسَ بعذرٍ لحاطبٍ ولا لغيره، إلاَّ أنَّ حاطبًا لمَّا كانَ مُتأوِّلًا انتَفى عنه الكُفـ.ـر، ولذلكَ قالَ الحافظُ ابن حجر: (وعُذرُ حاطبَ مَا ذَكَره، فإنَّه صَنعَ ذلكَ مُتأوِّلًا أنْ لا َضَرَرَ فيهِ) [فتح الباري: 8: ص 634].

(وإنما الذي قاله الرسول عليه الصلاة و السلام؛ أنه استثنى حاطبًا من أن يكون قد كفـ.ـر في هذه الحادثة.. باطلاعه من طريق الوحي على سريرته وأنه لم يفعله نصرة للمشـ.ـركين ومظاهرة لهم على الموحدين، وذلك بعد مقالة حاطب (ما فعلته كفـ.ـرًا ولا ارتـ.ـدادًا) فقال صلى الله عليه وسلم: (قد صدقكم.. ) وقال: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فهذا الصحابي البدري قد استثناه النبي صلى الله عليه وسلم وزكاه وشهد بصدق سريرته وباطنه وأنه لم يفعل ذلك رد،ةً أو كفـ.ـرًا أي لم يكن فعله نصرة ومظاهرة للمشـ.ـركين على المسلمين، بل كان إفشاؤه لسر رسول الله مع تأوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منصور مؤيد لا محالة من الله؛ كبيرة من كبائر الذنوب اغتفرت مع كونه بدريًا.. ) [الشهاب الثاقب ص 12، 13].

الخامس: قالَ ابن حجر: (وعندَ الطَّبريُ مِن طَريقِ الحارثِ عن عليٍّ في هذهِ القِصَّةِ فقالَ: أليسَ قدْ شَهدَ بدرًا؟ قالَ: بَلَى، ولكنَّه نَكث وظَاهرَ أعـ.ـدائكَ عليكَ) [فتح الباري: 8: ص 634]، فهذا يَدُلُّ على أنَّ مُظاهرةَ الكُفَّـ.ـارِ ومُناصرتَهم ومُعاونتَهم على المُسلمينَ نَكثٌ للعهدِ وِردَّ،ةٌ ظَاهرةٌ وكُفـ.ـرٌ صُراح.

السادس: أنَّ حَاطبًا رضي الله عنه مَع أنَّه نَصَرَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بنَفْسِهِ ومَالِهِ وخَرجَ مَعَه غَازيَا في غَزواتِهِ وشَهِدَ مَع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم المَشاهِدَ كُلَّها، وكانَ ِممَّنْ شَهِدَ بَدرَا والحُديبَّية، قدْ قالَ فيهِ عمر رضي الله عنه: (إنَّه قدْ خانَ اللهَ ورسولَهَ والمُؤمنينَ)، وَعدَّ فِعْلَه ذاكَ مُظاهرةً للمُشـ.ـركينَ وتَجَسُسَا على المُسلمينَ، مَع أنَّه مَا فَعَلَ ذلكَ إلاَّ لظنِّه أنَّ اللهَ نَاصِرُ رسولِه، وأنَّ إخبارَه لقريشٍ بتَجهِيز رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم لا يَضرُّ اللهَ ولا رسولَه كَمَا رَوَى قِصَتَه إبن مَردَويه مِنْ حديثِ إبن عبَّاسٍ فَذَكَرَ مَعنى حديثِ عليٍّ وفيهِ فقالَ: (يا حاطبُ مَا دعاكَ إلى مَا صَنعتَ؟ فقالَ: يا رسولَ اللهِ كانَ أهلِي فيهِمِ فكَتَبتُ كِتابًا لا يَضُرُّ اللهَ ولا رسولَه)، ورَوى ابن شَاهين والبَارُودي والطَّبَرانِيُ وسَمَويه مِن طَريقِ الزُهرِيِّ عن عُروة عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بَلتَعة قالَ: (وحاطبُ رجلٌ مِنْ أهلِ اليَمنِ وكانَ حَليفَا للزُّبيرِ وكانَ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقدْ شَهدَ بدرًا وكانَ بَنُوهُ وإخوَتُهُ بمكَّة فكَتَبَ حاطبُ مِنَ المدينةِ إلى كِبارِ قريشٍ يَنصَحُ لهم فيهِ... )، فَذَكَرَ الحديثَ نَحَوَ حديثِ عليٍّ وفي آخرِهِ فقال َحاطبُ: (واللهِ مَا ارتَبتُ في اللهِ مُنذُ أسلَمتُ ولكنَّني كُنتُ إمرًا غريبَا وليْ بمكَّة بَنونَ إخوةً... الحديث)، وزادَ في آخرِهِ: (فأنزَلَ اللهُ تعالى: (يا أيُّها الذينَ آمنوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوي وعَدُوكم أولياءَ... ) [الممتحنة: 1 - 4]، ورَواهُ ابن مَردَويه مِن حديثِ أنسٍ وفيه نُزولُ الآيةِ، ورَواهُ ابن شَاهين مِن حديثِ ابن عمر بإسنادٍ قويٍّ [الإصابة في تمييز الصحابة: 1: ص 300]، فكيفَ بمَنْ يَتولَّى الكُفَّـ.ـارَ ويُعادي المُؤمنينَ ويُناصرُ الطَّواغـ.ـيتَ ويُعينَهم على حربِ المُجاهـ.ـدينَ، وَيَستعمَله الطَّاغـ.ـوتُ لمُظاهرةِ الأمريَكانَ على المُسلمينَ وبالأخصِّ على الحركاتِ الإسـ.ـلاميَّةِ، فمَنْ كانَ حَالُه هكذا فَهوَ أولَى بإنزالِ حُكمِ الِردَّ،ةِ والنِفـ.ـاقِ عليهِ.

السابع: إنَّ لفظَ الكتابِ الذي بَعثَه حاطبُ لنفرٍ مِنَ المُشركينَ لمْ يَكنْ مِنْ المُظاهرةِ في شيءٍ فقدْ ذَكَرَ بعضُ أهلِ المَغازي وَهَوَ في "تَفسِير يَحي بن سلام" أنَّ لفظَ الكتابِ: (أمَّا بعدُ يا مَعشرَ قريشٍ فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَاءَكم بِجيشٍ كاللَّيل، يَسيرُ كالسَّيلِ، فواللهِ لو جَاَءكم وَحدَه لنَصَرَهُ اللهُ وأنجَزَ لَه وعْدَه، فانظُروا لأنفُسِكم والسَّلام)، كَذا حَكاهُ السُهيليِّ [فتح الباري: 7: ص 521]، فمَضمُونُ ِرسالةِ حاطبٍ لا يُفهَمُ مِنه المُظاهرةُ للمُشـ.ـركينَ على المُسلمينَ، وليسَ فيهِ مَا يَدُلُّ على أنَّه نَاصَرَ الكُفَّـ.ـارَ وعاونَهم على المُسلمينَ، غايَتُه أنْ يكونَ مَعصيةً، كَفَّـ.ـرَها اللهُ لَه بِسببِ شُهودِهِ بَدرًا.

الثامن: إنَّ حَاطِبًا لمْ يَفعلْ ذلكَ نِفـ.ـاقًا ولا تَجَسُسَا للكُفَّـ.ـارِ على المُسلمينَ، بَلْ إنَّما فَعَلَه مُصانَعةً ليكونَ لَه عندَهُم يَدٌ، وهذا الفِعلُ وإنْ كانَ بِحَدِّ ذَاتِه يُعَدُّ كُفـ.ـرَا في الإسلامِ، إلاَّ أنَّ حَاطِبًا ظَنَّ أنَّه ليسَ مِنْ جِنْسِ الكُفـ.ـر فَفي روايةِ ابن إسحاق أنَّه قالَ: (وكانَ لِي بَينَ أظهُرهِم وَلَدٌ وَأهلٌ فَصَانَعتُهُم عليه... ورَوى الواقديُّ بِسنَدٍ لَهُ مُرسلٌ أنَّ حَاطِبَا كَتَبَ إلى سُهيلِ إبن عَمْرو وصَفوان بن أميّة وعِكرمة؛ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أذَّنَ في النَّاسِ بالغزو ولا أرَاهُ يُريدُ غَيرَكُم، وقدْ أحبَبتُ أنْ يكونَ لِيَ عِندَكُم يَدّ) [فتح الباري: 7: ص 521]، ولذلكَ قَبِلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عُذرَهُ، مِمَّا يَدُلُّ على أنَّه كانَ صَادِقًا في عُذْرِهِ الذي اعتَذَرَ به.

عنْ جَريرِ بن عبد الله البَجليُّ رضي الله عنه قالَ: (أتيتُ النَّبيَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَهُوَ يُبَايَعُ فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ أُبسُطْ يَدكَ أُبايِعكَ واشتَرِطْ عَلَيَّ فأنتَ أعلم، قالَ: أُبايعُكَ على أنْ تَعبدَ اللهَ، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤدِّي الزكاةَ، وتُناصِحَ المُسلمينَ، وتُفَارقَ المُشـ.ـركينَ) [رواه أحمد، والنسائي، والبيهقي]، فأفادَ الحديثُ وجوبَ مُفارقةِ المُشـ.ـركينَ، وأنَّ ذلكَ مِمَّا اشتَرَطَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليهم عندَ مُبايَعتِهِم لَه، ومُظاهرةُ المُشـ.ـركينَ ومُعاونتُهُم بأيِّ نوعٍ مِنْ أنواعِ المُعاونةِ لا يُحَقِّق ذلكَ الشَّرط.

وعن بَهز بن حكيم عن أبيه عن جَدِّه قالَ: (قُلتُ؛ يا نَبيَ اللهِ مَا أتَيتُكَ حتَّى حَلَفتُ أكثرَ مِنْ عَددِهِنِّ - لأصَابِع يَديِهِ - ألاَّ آتِيكَ، ولا آتيَ دِينَكْ، وإنِّي كُنتُ إمرًا لا أعْقْلُ شَيئَا إلاَّ مَا علَّمَني اللهُ ورسولُهُ، وإنِّي أسألُكَ بِوجهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا بَعَثَكَ ربُكَ إلينَا؟ قالَ: بالإسلامِ، قالَ: قُلتُ: وَمَا آياتُ الإسلامِ؟ قالَ: أنْ تقولَ؛ أسْلمتُ وَجهَيَ إلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وتَخلَّيتَ، وتُقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤدِّي الزكاةَ، كُلُّ مُسلمٍ على مُسلمٍ مُحَرَّم، أخوان نصيران، لا يَقبَلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ مُشـ.ـركٍ بعدَ مَا أسلَمَ عَملًا أو يُفارقُ المُشـ.ـركينَ إلى المُسلمينَ) [رواه أحمد، والنسائي، والحاكم، وصحَّحَه ووافَقَه الذَّهبيُ]، ومَحلُ الإستدلالِ بِهِ قولُهُ: (لا يَقبلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ مُشـ.ـركٍ بَعدَ مَا أسلمَ عَملًا أو يُفارقُ المُشـ.ـركينَ)، فَدَلَّ على أنَّ مَنْ لمْ يُفارقْ المُشـ.ـركينَ لا يَقبَلُ اللهُ مِنه عَملًا بَعدَ إسلامه، وأنَّ الشَّرطَ في ِصحَّة إيمانِهِ هُوَ مُفارقةُ المُشـ.ـركينَ إلى المُسلمينَ، ومُظاهرةُ الكُفَّـ.ـارِ ومُعاونتُهُم ومُناصرتُهُم بالقولِ والفعلِ لا يُحقِّقُ ذلكَ الأصلَ العظيم.

عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه: (أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعَثَ سَريَّةً إلى خَثعَم فاعتَصمَ ناسٌ بالسُّجُودِ فأسرَعَ فيهم القتـ.ـلَ، فبَلَغَ النَّبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأمَرَ لَهم بنصِفِ العَقلِ وقالَ: أنَا بَريءٌ مِنْ كُلِّ مُسلمِ يُقيمُ بَينَ أظْهُرِ المُشـ.ـركينَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ وَلِمَ؟ قالَ: لا تَرَايَا نَارَاهُما) [رواه الترمذي، وأبو داود، وإسناده صحيح]، فإذا كانَ المُقيمُ بينَ أظْهُرِ المُشـ.ـركينَ قدْ بَريءَ مِنهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فكيفَ بِمَنْ ظاهَرَهُم وعَاونَهُم ونَاصَرَهُم على المُسلمين.

وقالَ الإمامُ التِّرمذيُ في "السُّننِ" في "كتابِ السِّير"، "بابُ؛ مَا جَاءَ في كراهيةِ المُقامِ بينَ أظْهُرِ المُشـ.ـركينَ" [4: 1605: 133]: (وَرَوى سَمُرَةُ بن جُندُب، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالَ: لا تُسَاكِنُوا المُشـ.ـركينَ ولا تُجَامِعُوهم، فَمَنْ سَاكَنَهم أو جَامَعَهم فَهُوَ ِمثلُهم)، فإذا كانَ مَنْ سَاكنَهم أو إختلطَ بِهم صَارَ ِمثلَهم، فَمِنْ بابِ أولَى أنْ يَصيرَ ِمثلَهم في الكُفـ.ـرِ مَنْ ناصَرَهم وعَاونَهم وظَاهَرَهم على المُسلمينَ أو تَجَسَّسَ لَهم.

ثالثًا: الإجماع:

قدْ ذَكَرَ بعضُ أهلِ العلمِ الإجماعَ على كُفـ.ـرِ مَنْ تَولَّى الكُفَّـ.ـارَ وظَاهَرَهم على المُسلمينَ فَمِنْ ذلكَ:

مَا قَالَهُ الإمامُ ابنُ حزم رحِمه اللهُ تعالى في "المُحلَّى بالآثار" [11: 138] مَا نَصُّهُ: (صَحَّ أنَّ قولَهُ تعالى: (وَمَنْ يَتَولَّهُم مِنْكُم فإنَّه مِنْهم)، إنَّمَا هُوَ على ظَاهِرِهِ بأنَّه كافـ.ـرٌ مِنْ جُملةِ الكُفَّـ.ـارِ، وهذا حقٌ لا يَختلِفُ فيه اثنانِ مِنْ المُسلمينَ).

وقالَ الشَّيخُ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشَّيخ رحِمه اللهُ تعالى بعدَ أنْ تَكلَّمَ على وُجُوبِ مُعاداةِ الكافـ.ـرينَ: ( ...فكيفَ بِمَنْ أعَانَهم أو جَرَّهم على بلادِ أهلِ الإسلامِ، أو أثنَى عليهم، أو فَضَّلَهم بالعدلِ على أهلِ الإسلامِ، واختارَ دِيَارَهم وَمَسَاكِنَهم وَوِلايَتَهم وأحبَّ ظُهورَهم، فإنَّ هذا ِردَّ،ةٌ صرَيحةٌ بالإتِّفاق، قالَ اللهُ تعالى: { وَمَنْ يَكفُـ.ـر بالإيمانِ فقدْ حَبِطَ عَمَلُه وَهَوَ في الآخرةِ مِنَ الخاسرين } [الدُّررُ السُنيَّة: 8: 326].

[نثر اللؤلؤ والياقوت لعبد الرحمن الأمين: ص 11 - 21 بتصرف].

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام