ما الفرق بين المقربين، وبين أصحاب اليمين، المذكورين في مقدمة سورة الواقعه ؟
سورة الواقعه من السور المكية التي اشتملت على معاني عظيمه في التذكير بيوم القيامه، وتحقق وقوعه، ووصف ما يعرض لهذا العالم عند القيامه، وذكر الساعة، ومراتب الناس فيها، ثم نعيم الجنة وعذاب النار، التي استحقها أصحابها بتكذيبهم بالبعث .
- وفيها أيضا الاستدلال بقدرة الله تعالى على نزع الأرواح، وإنبات الزرع، وغير ذلك من الآيات الباهرة الظاهرة، التي تخضع لعظمتها الأعنة والرقاب .
- هذا ملخص لمقاصد وهديات سورة الواقعه .
- وأما ما وقع السؤال عنه من الفرق بين العباد المقربين، وبين أصحاب اليمين، فقد قال الله تعالى بعد ذكر هول يوم القيامة في مطلع السوره قال ( وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)
- قال بن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره (يقول تعالى ذكره وكنتم أيها الناس أنواعا ثلاثه ودروبا).
- قال قتاده (وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً) أي منازل الناس يوم القيامه .
- فأصحاب اليمين هم: الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنه.
- وقيل هم: الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
- (مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) اي ماذا لهم وماذا أعد لهم تشويقا وترغيبا .
- وأصحاب المشأمة هم: أصحاب الشمال الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار .
- وهم الذين يعطون كتبهم بشمالهم .
- (مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ) أي ماذا أعد الله لهم تحذيرا وتخويفا .
- وأما قوله تعالى (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ)
- هم الزوج الثالث وهم: الذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله .
- وهم المهاجرون الأولون، وقيل هم الذين صلوا القبلتين .
- وقال آخرون هم أولهم رواحا إلى المسجد، وأسرعهم خفوقا ونفيرا في سبيل الله تعالى .
- وقيل هم المسارعون إلى التوبه وإلى أعمال البر، وقيل هم أهل القرآن .
- وملخص أقوال الأئمة في تفسير المقصود بقوله تعالى (أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) أنهم أولئك الذين يقربهم الله منه يوم القيامه، إذا ادخلهم الجنه بسبب مسارعتهم لإجابة الله ورسوله، ومسارعتهم للجهاد، وصلاة الجماعه وأعمال البر، والتوبة بعد الغفلة، وإدامة ذكر الله، وقراءة القرآن .
- فالسابقون في الدنيا إلى الخيرات، هم السابقون يوم القيامة إلى الجنات، والسابقون إلى الإيمان، هم السابقون إلى الجنان، نسأل الله من فضله .
- وقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، ولا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا) هؤلاء هم المقربون السابقون.
- وأما أصحاب اليمين: فقد قال ميمون بن مهران وهو من التابعين: (أصحاب اليمين منزلة دون المقربين، وهم الذين قال رسول الله صلى عليه وسلم فيهم بعد أن ذكر وصف أول زمرة وتشبيههم بالقمر ليلة البدر قال: والذين على آثارهم كأحسن كوكب دري في السماء اضاءه)
- ويوضح الفرق أيضا ما حكاه بعض المفسرين، بأن السابقين المقربين، وأصحاب اليمين، هم المعنيون في قوله تعالى في سورة فاطر (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ)
- فاصحاب المشأمة هم الظالمون لأنفسهم، وأصحاب اليمين هم المقتصدون، والسابقون المقربون هم السابقون بالخيرات بإذن الله ( ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ)
- ومن تأمل الفروق التي وردت في سورة الواقعه بين النعيمين، أعني نعيم المقربين، ونعيم أصحاب اليمين، تبين له في ذلك أسرار عجيبه، ولطائف غريبة، وعلم أن بينهما في درجات التفضيل ما بينهما .
- وأذكر من ذلك طرفا :
- قد قال الله تعالى واصفا نعيم المقربين (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ) و"مَّوْضُونَة"ٍ هي التي نسجت وشبكت، وإنما نسجت أسرتهم بالذهب والحرير.
- وقال تعالى في مقابل ذلك عن نعيم أصحاب اليمين: (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ) هي فرش وضع بعضها فوق بعض فارتفعت.
- وكل الناس تعلم الفرق بين الإتكاء على الأسرة المنسوجة المشبكة بالحرير والذهب، وبين الفرش التي توضع بعضها فوق بعض حتى ترتفع .
- وأما في الطعام: فذكر سبحانه وتعالى نعيم المقربين السابقين بأنه (فَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) بأنه فاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون.
- ثم قال عن نعيم أصحاب اليمين بأنه ( طَلْحٍ مَنْضُودٍ) وهو الموز.. (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ)
- وفرق كبير بين أن يكون النعيم بما يشتهي المرء وما يختار، وبين أن يوضع بين يديه طعام لم يختاره .
- وكذلك ترى في نعيم المقربين: بأن الله سبحانه وتعالى اختصهم بحور عين (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ)
- وأما اصحاب اليمين: فذكر أن نعيمهم بنساء من نساء الجنه (أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا)
- و عُرُبًا جمع "معُرُوبةً " وهي المتحببه إلى زوجها.
- وشتان شتان بين من وعد بالحور العين اللواتي شبهن باللؤلوء المكنون، وبين من اقتصد ولم يسارع، فكان متاعه من عموم نساء الجنه، لا خواص الحور العين .
- ولقد اطلنا الكلام عن هذا، لعل الله سبحانه وتعالى يشرح به صدر سامع، فيسارع لإجابة نداء الله ويسارع.
- فالجهاد خير أبواب المسارعة إلى طاعة الله، ورضوانه، فيكون بذلك من السابقين.
- ونعوذ بالله تعالى أن ننسب أنفسنا إليهم، وحسبنا ما قاله بن القيم -رحمه الله تعالى- في طريق الهجرتين إذ قال (وأما السابقون المقربون، فنستغفر الله الذي لا إله إلا هو من وصف حالهم، وعدم الاتصاف بهم بل ما شممنا لهم رائحة، ولكن محبة القوم تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها، وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم) انتهى كلامه
- اللهم ارزقنا من فضلك العظيم واجعلنا من عبادك المقربين آمين آمين
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام