لو حكم الطاغوت بشيئ من الشريعة يكون ذلك كفرا؟
> احتياطية فتاوى مكتوبة ومسموعة:
هناك من يقول: لو حكم الطاغوت بشيئ من الشريعة يكون ذلك كفرا.
نسأله : لماذا يكون كفرا ؟
هذا سؤال يطرح نفسه.
الصحيح أنه إذا حكم الطاغوت بما أنزل الله فلا يكون كفرا. فليقرأوا القرءان:
قال تعالى : { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } المائدة.
-هل أهل الإنجيل مسلمون؟
-لا!
قال تعالى : { ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } آل عمران.
وقال تعالى : { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } المائدة.
الله عز وجل أمر هؤلاء أن يحكموا بحكم الله الموجود في التوراة.
لو حكموا بالتوراة هل هذا كفر؟
لا ليس كفرا! فلايمكن أن يأمر الله بالكفر.
ومن يقول أن الطاغوت لو حكَم بشريعة الله سيصبح كفرا فهو جاهل مستغرق في الجهل وقوله باطل، وكلامه هو الكفر بعينه وقائله هو الكافر.
فرعون لو نفّذ أمر الله عز وجل هل يصبح تنفيذ هذا الأمر كفرا بسبب أن فرعون أمر به؟
هذا الكلام لا يصح يا إخواني!
إفتحوا المصحف واقرأوا القرآن وانظروا ماذا قال الله تعالى : { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّه} المائدة
إذن الله يريد منهم أن يُحَكِّموا حكم الله الحق الموجود في التوراة.
لِمن؟
لطواغيت ولأقوام أعداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعداء للإسلام.
حتى تعرفوا مقدار الجهل العميق في هؤلاء الناس الذين يظنون أن كل ما يصدر من الطاغوت كفر.
وهذا لايصح! فالذي يكون كفرا من الطاغوت هو ما يصدر منه من حكم بغير ما أنزل الله -الحكم المخالف لحكم الله-
هذا هو حكم الطاغوت وهذا هو الكفر.
أما لو حكَم الطاغوت بما أنزل الله فلن يكون هذا كفرا. راجعوا الآيات في سورة المائدة وستجدون أن ربنا سبحانه وتعالى أمَر هؤلاء الكفار بأن يحكموا بما أنزل الله.
وربنا لايأمر بالفحشاء ولا بالكفر ولا يرضى لعباده الكفر، والنبي صلى الله عليه وسلم في قصة اليهود الذين رجمهم النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات قال : أما تجدون في التوراة الرجم؟
سؤال نطرحه هنا: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : أمَا تجدون في التوراة الرجم؟
-معناها: لماذا جئتموني بهؤلاء الناس ولم تحكموا فيهم بحكم الله الموجود في التوراة.
هل القرءان والرسول صلى الله عليه وسلم يأمران الناس بالكفر؟
طبعا لا. فإذن إذا حكَم هؤلاء اليهود بحُكم الله الموجود في القرءان فذلك لن يكون كفرا.
و من يقول عكس هذا فهو يعارض الدين كله.
- لماذا نحن أصلا ندعوا الناس للدين؟
-ندعوا الناس ليرجعوا لِما أنزل الله.
ولايصح حين يرجع العبد إلى ما أنزل الله نقول له أن هذا الفِعل كفر.
لا يصبح الشيء كفرا فقط لأن الكافر فعَله.
الكفر يكون كفرا إذا كان مخالفا لِما أنزل الله.
ولذلك الكافر لو تزوج لن نقول له : " لا تتزوج فهذا كفر"
أو أن الطاغوت أمَر الناس بالزواج. لانقول أن هذا أمرُ طاغوت ومن ينفذه يصبح كافرا.
لا! لن يصبح كفرا أبدا. لأن هذا الزواج هو أمرُ الله تعالى وهذا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
على الناس أن يفهموا أننا لا نعارض الطاغوت ((إلا فيما خالف دين الله سبحانه وتعالى))
ومن يقول أن الطاغوت إذا حكم بما أنزل الله فهذا الحكم يصير كفرا : نقول له بل أنت الكافر لأنك خالفت الحق.
اِرجعوا للآيات في سورة المائدة حتى تفهموا أننا لا نعارض الطاغوت في كل شيء. ولتفهموا معنى تحريم التحاكم للطاغوت وفي ماذا يكون؟
قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60)وإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا } النساء
هؤلاء الناس لا يريدون حُكم الله إنما يريدون حكما بغير ما أنزل الله وهذا هو الكفر والنفاق.
- نقول لهم : هل هؤلاء المسلمون الذين تظلِمونهم بجهلكم العميق إذا قيل لهم : تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى ما أنزل الرسول سيصدون عنك صدودا أم يريدون حكم الله؟
- يريدون حكم الله وحكم رسول الله والحكم بما أنزل الله.
فالقضية أننا لا نعارض الكافر والطاغوت في كل شيء إنما نعارضه في الأحكام التي خالفت حكم الله. ولذلك سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام لو رأى عدْل فرعون في قضية : ماعارضَه عليه الصلاة والسلام وقال له أنت كافر ! لاتعدل!
إنما عارض فرعون فيما هو مخالف لشريعة الإسلام.
أصلِحوا هذه الأخطاء واعلموا أننا لا نعارض الطاغوت إلا فيما خالف فيه أمر الله وحكمه.
فنحن نكفُر بحكمه كما كفرنا به هو لكن لا نعارض الطاغوت في كل شيئ.
مثلا الطاغوت إذا عمل إشارة مرورية لمصلحة الناس أو قال لا تأكلوا المادة الفلانية فيها سم، لن آكلها لأن السم أصلا محرم في الشريعة.
والقيام بأعمال أحلّها الله عز وجل تكلمنا عنها في دروس "ما يحل للمسلم أن يعامل به الكافر " (فراجعوها)
إذا لم نجد مخالفة لأمر الله تعالى فنحن لا نحارب الطاغوت.
ويكون عدم التحاكم للطاغوت ورفضُ حكمه (حين يكون مخالفا لحكم الله ومعارضا له).
لو لاحظنا في قصة سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام عندما كان في السجن : { قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}
-من سيقوم بالتحقيق في هذه القضية؟ومن سيبحث عن الحقائق؟
-سيدنا يوسف عليه السلام أمَر الطاغوت نفسه بأن يفتش له ويبحث.
والطاغوت حين يعلم أن يوسف عليه الصلاة والسلام قد أُدخِل السجن ظلما، ألا يعرِّض هذا الكلام إمرأةَ العزيز وتلك النسوة لعقوبة الطاغوت؟
-نعم سيعاقبهم الطاغوت.
-بحكم الله أم بحكمه هو؟
-الجزء الذي أمر به يوسف عليه السلام هو جزء حلال " تفويض الأمر للطاغوت في أمر أحلّه الله" وهو سنة الأنبياء والمرسلين.
{ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ } : أي فتّش في أمري -وكما يقال إستأنِف الأمر- والإستئناف هو أن يفتش هل هذا القاضي حكَم بحُكم بناءً على الإثباتات الموجودة.
هو فوّض أمرَه للطاغوت ليبحث عن سبب دخوله للسجن فيحقق له في الأمر ليخرج نبي الله يوسف بريئا. وهؤلاء النسوة كُنّ معرضات لعقوبة الطاغوت وٱمرأة العزيز كذلك..
فلا يخدعنكم أحد بقوله : " لا تدافعوا عن أنفسكم ولا تستأنفوا..."
لماذا لا نستأنف؟ بل نستأنف مئة مرة.
ومن حقنا أن ندافع عن أنفسنا وهذا لا يعتبر تحاكما للطاغوت.
-هل تحقيق الطاغوت في مصلحة يوسف فيه معارضة لِما أنزل الله؟
لا! فسيدنا يوسف هو الذي أمر وهو لايأمر بكُفر وبالتالي هذا التحقيق حلال.
ومن الممكن للمسلم أن يطلب التحقيق في أمره من المسلم و من الكافر ومن الطاغوت لأنه فِعل حلال أصلا وتبرئة البريئ حلال في الشريعة.
العدْل هو أمرُ الله سبحانه وتعالى. ولن يصبح يوسف عليه الصلاة والسلام كافرا لأن كافرا( العزيز) برَّأه واستخرج له الحق.
تدبروا الآيات في سورة يوسف وانظروا لها في عدة جوانب:
فمثلا حين قال يوسف عليه السلام: "هي راودتني عن نفسي" هو وجّه التهمة لهذه المرأة.
فهل يترتب على اتهامه لها عقوبة عند الطاغوت؟
نعم سيترتب على ذلك معاقبة المرأة بسبب تهمة يوسف عليه السلام. والعزيز كان من الممكن أن يعاقب هذه المرأة بسبب تلك التهمة التي وجهها سيدنا يوسف لها.
بعض الناس يقولون أن هذا دفاع عن النفس. صحيح في هذا دفاع عن النفس وفي نفس الوقت فيه توجيه تهمة لإمرأة العزيز.
وتوجيه التهمة لها في محكمة الطاغوت ليس حراما. فتوجيه التهمة لخصمك بالكذب أو الظلم مثلا وغير ذلك.. سيترتب عن ذلك أن الطاغوت سيحكم عليه.
لكن جزء معاملتي معه حلال.
وكون الطاغوت يحكم بغير ما أنزل الله فأنا لم آمُره بهذا. هذا فِعله هو والعقوبة عقوبته هو.
أنا آمره أن يحكم في هذا الانسان بما أنزل الله وهو يتحاسب عن فِعْله إن حكم بغير ما أنزل الله.
لكن لا أرضى لنفسي الظلم وأن أُسجَن أو يضيع حقي ..وإن ترتَّب على هذا الدفاع عن النفس نزول عقوبة على هذا الخصم بأن يحاكمه الطاغوت بحكمه سواء كان هذا الحكم يوافق حكم الله أو يخالفه.
فيا إخواني أكتبوا هذا النّقاط وتدبروا القرءان، راجعوا قصة سيدنا يوسف وانظروا لها من عدة جوانب: كيف أنه وجه لها التهمة ودافع عن نفسه واستأنف القضية ...
اقرؤوا الآيات التي في سورة المائدة لتفهموا دين الحق!
ثم إسألوا بعد ذلك واستفتوا حتى يثبت الحق في قلوبكم، أما أن يفرض عليك أحدٌ دينا كي تدين به ويضع فكرة محددة ويلزِمك ويخوفك بالحُكم عليك بالكفر إن أنت خالفتها فهذا باطل لا أساس له..
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام