هداية.

كيف نردعلى شبهة أن الحاكم بغير ما أنزل الله من القوانين الوضعية أو الأعراف الجاهلية نحكم بالكفر على فعله دون عينه حتى تقام عليه الحجة؟

📂 عقيدة وتوحيد #عام

أن التفريق بين الفعل والفاعل واشتراط قيام الحجة إنما يقال في #المسائل_الخفية التي تحتمل الجهل أو التأويل ودخول الشبهة على فاعلها، أما الحكم بغير شريعة الله كالحكم بالقوانين الوضعية أو الأعراف الجاهلية، فإنها من نواقض الإسلام #الظاهرة، التي يكفر فيها الفاعل إذا كان مكلفا مختارا، ولا يعذر فيها إلا #المكره إكراها ملجئا بشروطه ولمن لا يعلم ماهو الإكراه المبيح للوقوع في الشرك سيتم نشر رابطه بالتعليق الأول

فإن وجوب الحكم بما أنزل الله والتحاكم الى شرعه أصل مقرر ومكرر ومؤكد في

القرآن كثيرا وبأوجه مختلفة وصيغ متنوعة منها الأمر به.

. أو النهي عن ضده.

. أو نفي الإيمان عن الحاكم والمتحاكم لغير شريعة الله.

. أو بيان تفرد الله تعالى بالحكم والتشريع.

. أو إبطال الشرائع الجاهلية.

فهذا تأكيد بعد تأكيد بيانا لمقامه ومنزلته من التوحيد.

ومما جاء في القرآن عن الحكم بما أنزل الله :

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بالعدل إِنَّ اللَّهَ نِعِما يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (1) .

وقوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٢).

وقوله: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي

أنفسهم حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أراك اللَّهُ وَلَا تَكُن

لِلْخَائنينَ خَصِيمًا

وقوله تعالى:

{ وَكَیۡفَ یُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِیهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ یَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَ ٰ⁠لِكَۚ وَمَاۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ إِنَّاۤ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِیهَا هُدࣰى وَنُورࣱۚ یَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِیُّونَ ٱلَّذِینَ أَسۡلَمُوا۟ لِلَّذِینَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِیُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَیۡهِ شُهَدَاۤءَۚ فَلَا تَخۡشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُوا۟ بِـَٔایَـٰتِی ثَمَنࣰا قَلِیلࣰاۚ وَمَن لَّمۡ یَحۡكُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡكَـٰفِرُونَ وَكَتَبۡنَا عَلَیۡهِمۡ فِیهَاۤ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَیۡنَ بِٱلۡعَیۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصࣱۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةࣱ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ یَحۡكُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ وَقَفَّیۡنَا عَلَىٰۤ ءَاثَـٰرِهِم بِعِیسَى ٱبۡنِ مَرۡیَمَ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَیۡنَـٰهُ ٱلۡإِنجِیلَ فِیهِ هُدࣰى وَنُورࣱ وَمُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدࣰى وَمَوۡعِظَةࣰ لِّلۡمُتَّقِینَ

{ وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَمُهَیۡمِنًا عَلَیۡهِۖ فَٱحۡكُم بَیۡنَهُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَاۤءَهُمۡ عَمَّا جَاۤءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلࣲّ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةࣰ وَمِنۡهَاجࣰاۚ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةࣰ وَ ٰ⁠حِدَةࣰ وَلَـٰكِن لِّیَبۡلُوَكُمۡ فِی مَاۤ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُوا۟ ٱلۡخَیۡرَ ٰ⁠تِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِیعࣰا فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِیهِ تَخۡتَلِفُونَ

وَأَنِ ٱحۡكُم بَیۡنَهُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَاۤءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن یَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَیۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡا۟ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا یُرِیدُ ٱللَّهُ أَن یُصِیبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَـٰهِلِیَّةِ یَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمࣰا لِّقَوۡمࣲ یُوقِنُونَ

وقوله تعالى:

{ قُلۡ إِنِّی عَلَىٰ بَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّی وَكَذَّبۡتُم بِهِۦۚ مَا عِندِی مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦۤۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ یَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَیۡرُ ٱلۡفَـٰصِلِینَ }

[سُورَةُ الأَنۡعَامِ: ٥٧]

وقوله تعالى

{ ثُمَّ رُدُّوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَـٰسِبِینَ }

[سُورَةُ الأَنۡعَامِ: ٦٢]

وقوله تعالى

{ أَفَغَیۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِی حَكَمࣰا وَهُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ إِلَیۡكُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ مُفَصَّلࣰاۚ وَٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَـٰهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ یَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلࣱ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِینَ }

[سُورَةُ الأَنۡعَامِ: ١١٤]

وقوله تعالى

{ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ أَنزَلۡنَـٰهُ حُكۡمًا عَرَبِیࣰّاۚ وَلَىِٕنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَاۤءَهُم بَعۡدَ مَا جَاۤءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِیࣲّ وَلَا وَاقࣲ }

[سُورَةُ الرَّعۡدِ: ٣٧]

وقوله تعالى

{ مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦۤ إِلَّاۤ أَسۡمَاۤءࣰ سَمَّیۡتُمُوهَاۤ أَنتُمۡ وَءَابَاۤؤُكُم مَّاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَـٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِیَّاهُۚ ذَ ٰ⁠لِكَ ٱلدِّینُ ٱلۡقَیِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ }

[سُورَةُ يُوسُفَ: ٤٠]

وقوله تعالى

{ وَقَالَ یَـٰبَنِیَّ لَا تَدۡخُلُوا۟ مِنۢ بَابࣲ وَ ٰ⁠حِدࣲ وَٱدۡخُلُوا۟ مِنۡ أَبۡوَ ٰ⁠بࣲ مُّتَفَرِّقَةࣲۖ وَمَاۤ أُغۡنِی عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَیۡءٍۖ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ عَلَیۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَعَلَیۡهِ فَلۡیَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ }

[سُورَةُ يُوسُفَ: ٦٧]

وقوله تعالى

{ قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ۖ لَهُۥ غَیۡبُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِیࣲّ وَلَا یُشۡرِكُ فِی حُكۡمِهِۦۤ أَحَدࣰا }

[سُورَةُ الكَهۡفِ: ٢٦]

وقوله تعالى

{ وَإِذَا دُعُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِیَحۡكُمَ بَیۡنَهُمۡ إِذَا فَرِیقࣱ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ

وَإِن یَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ یَأۡتُوۤا۟ إِلَیۡهِ مُذۡعِنِینَ

أَفِی قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوۤا۟ أَمۡ یَخَافُونَ أَن یَحِیفَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُو۟لَـٰۤىِٕك هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ

إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ إِذَا دُعُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِیَحۡكُمَ بَیۡنَهُمۡ أَن یَقُولُوا۟ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ }

[سُورَةُ النُّورِ: ٥١]

وقوله تعالى

{ وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا یَنفَعُكَ وَلَا یَضُرُّكَۖ فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذࣰا مِّنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ }

[سُورَةُ يُونُسَ: ١٠٦]

وقوله

{ وَهُوَ ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِی ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡـَٔاخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ }

[سُورَةُ القَصَصِ: ٧٠]

وقوله :

{ یَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَـٰكَ خَلِیفَةࣰ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَیۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَیُضِلَّكَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِینَ یَضِلُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابࣱ شَدِیدُۢ بِمَا نَسُوا۟ یَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ }

[سُورَةُ صٓ: ٢٦]

وقوله تعالى: { ذَ ٰ⁠لِكُم بِأَنَّهُۥۤ إِذَا دُعِیَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُۥ كَفَرۡتُمۡ وَإِن یُشۡرَكۡ بِهِۦ تُؤۡمِنُوا۟ۚ فَٱلۡحُكۡمُ لِلَّهِ ٱلۡعَلِیِّ ٱلۡكَبِیرِ }

[سُورَةُ غَافِرٍ: ١٢]

وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ

تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (1) .

وقوله : ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (1) .

وقوله : أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ )

فهل بعد هذا يزعم أحد أن الحكم بغير شريعة الله أمر يمكن أن يجهل

أو يتأوّل، كلا والله، إنما هو #الإعراض و التولي عن حكم الله تعالى.

٢.معنى قولهم إقامة الحجة على الحاكم بغير شريعة الله هو إفهامها له قبل الحكم عليه، وهذا يعني أن قراءة الآيات السابقة عليه لا يكفي لقيام الحجة عليه حتى يفهمها، ويلزم من قولهم أن هذه الآيات قاصرة عن إقامة الحجة وبيان المحجة لهذه المسألة العظيمة، وقد تقرر سابقا أن آيات الحكم بما أنزل الله الدالة على وجوبه وكفر الحاكم بالطاغوت كالقوانين، من أحكم المحكمات وأوضح الواضحات ومن #المعلوم_من_الدين_بالضرورة، وليست من #المتشابه الذي يحتاج لرده للمحكم حتى يفهم، أو من الخفي الذي يحتاج للبيان.

فهي من مسائل الدين الظاهرة التي تقوم الحجة فيها بالبلاغ لا بالفهم المقصود عندهم، كما قال تعالى : لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَغَ )

فمن بلغه القرآن فقد قامت عليه حجة الله تعالى، ولا عذر له إن حكم بالطاغوت ثم ادعى أنه جاهل بهذه الآيات أو عدم فهمها، فإن دعواه غير مقبولة لأن الجهل بها وبما دلت عليه غير متصور مع كثرتها في كتاب الله تعالى، وكثير من المشركين قديما وحديثا يدعون عدم فهم آيات التوحيد والنهي عن الشرك، ولم يكن جهلهم لها أو سوء فهمهم عذرا لهم في عدم تكفيرهم بفعل الشرك، لأن آيات التوحيد والنهي عن الشرك مما لا يحتمل الجهل ولا يقبل التأويل، وهكذا آيات الحكم بما أنزل الله لأنها من آيات التوحيد.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في جواب من احتج عليه بهذه الشبهة في الشرك الأكبر :

ما ذكرتم من قول الشيخ : كل من جحد كذا وكذا، وقامت عليه الحجة، وأنكم شاكون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم، هل قامت عليهم الحجة؟

فهذا من العجب، كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مرارا ؟!

فإن الذي لم تقم عليه الحجة، هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرف.

وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه، فإن حجة الله هو القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال، أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة، وبين فهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين، لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ، وقيام الحجة نوع، وبلوغها نوع، وقد قامت عليهم، وفهمهم إياها نوع آخر، ((((وكفرهم ببلوغها إياهم، وإن لم يفهموها.))))

إن أشكل عليكم ذلك، فانظروا قوله في الخوارج: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم"، وقوله: "شر قتلى تحت أديم السماء"، مع كونهم في عصر الصحابة، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم، ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين هو التشدد والغلو والاجتهاد؛ وهم يظنون أنهم يطيعون الله، وقد بلغتهم الحجة، ولكن لم يفهموها.

وكذلك قتل علي رضي الله عنه الذين اعتقدوا فيه، وتحريقهم بالنار، مع كونهم تلاميذ الصحابة، ومع عبادتهم وصلاتهم وصيامهم، وهم يظنون أنهم على حق. وكذلك إجماع السلف على تكفير غلاة القدرية وغيرهم، مع علمهم وشدة عبادتهم، وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل كونهم لم يفهموا، فإن هؤلاء كلهم لم يفهموا.

إذا علمتم ذلك، فإن هذا الذي أنتم فيه كفر؛ الناس يعبدون الطواغيت، ويعادون دين الإسلام، فيزعمون أنه ليس ردة لعلهم ما فهموا الحجة، كل هذا بين. اهـ

قال الشيخ أبو بطين رحمه الله

فمن بلغته رسالة محمد وبلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، فلا يعذر في عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل.

وقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار، مع تصريحه بكفرهم، ووصف النصارى بالجهل، مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم، ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون فنعتقد كفرهم وكفر من شك في كفرهم.

وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر، والشك هو التردد بين شيئين، كالذي لا يجزم بصدق الرسول ولا كذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه، ونحو ذلك، كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوبها، أو لا يعتقد تحريم الزنى ولا عدم تحريمه؛ وهذا كفر بإجماع العلماء، ولا عذر لمن كان حاله هكذا، بكونه لم يفهم حجج الله وبيناته، لأنه لا عذر له بعد بلوغها، وإن لم يفهمها.

وقد أخبر الله تعالى عن الكفار أنهم لم يفهموا، فقال: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي ٱذَانِهِمْ وَقْراً ، وقال : إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ..

(1) الدرر السنية (٣٦٥/١٠).

فبين الله سبحانه أنهم لم يفقهوا، فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا، بل صرح القرآن بكفر هذا الجنس من الكفار، كما في قوله تعالى : قُلْ هَلْ ننبئكم بِالْأَخْسَرِينَ أعمالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أولئك الَّذِينَ كَفَرُوا بٱيات ربهم وَلِقَائهِ ، فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنَا .

وقال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله (۱):

وكل من بلغه القرآن فليس بمعذور؛ فإن الأصول الكبار، التي هي أصل دين الإسلام، قد بينها الله تعالى في كتابه، وأوضحها وأقام بها حجته على عباده، وليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها الإنسان فهما جليا، كما يفهمها من هداه الله ووفقه، وانقاد لأمره، فإن الكفار قد قامت عليهم الحجة من الله تعالى، مع إخباره بأنه جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوا كلامه، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا، وقال: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرُ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّى ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ،

وقال تعالى : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا .

والآيات في هذا المعنى كثيرة، يخبر سبحانه أنهم لم يفهموا القرآن ولم يفقهوه، وأنه عاقبهم بالأكنة على قلوبهم، والوقر في آذانهم، وأنه ختم على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، فلم يعذرهم مع هذا كله، بل حكم بكفرهم وأمر بقتالهم، وقاتلهم رسول الله ﷺ وحكم بكفرهم، فهذا يبين لك أن بلوغ الحجة نوع،

وفهمها نوع آخر. اهـ

(1) الدرر السنية (۷۳/۱۱)

وقال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن رحمه الله ) في جواب من يشترط إقامة

الحجة على فاعل الشرك الأكبر :

ومسألتنا هذه وهي عبادة الله وحده لا شريك له والبراءة من عبادة ما سواه، وأن من عبد مع الله غيره فقد أشرك الشرك الأكبر الذي ينقل عن الملة، وهي أصل الأصول وبها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وقامت على الناس الحجة بالرسول وبالقرآن، وهكذا تجد الجواب من أئمة الدين في ذلك الأصل عند تكفير من أشرك بالله فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل لا يذكرون التعريف في مسائل الأصول، إنما يذكرون التعريف في المسائل الخفية التي قد يخفي دليلها على بعض المسلمين كمسائل نازع بها بعض أهل البدع كالقدرية والمرجئة أو في مسألة خفية كالصرف والعطف. اهـ

وقال الشيوخ عبد الله وإبراهيم ابنا عبد اللطيف آل الشيخ، وسليمان بن سحمان في جواب عمن يقول بالتفريق بين النوع والعين في المسائل الظاهرة مما وقع فيه بعض الجهمية وعباد القبور في زمنهم:

أما قوله نقول بأن القول كفر، ولا نحكم بكفر القائل، فإطلاق هذا جهل صرف، لأن هذه العبارة لا تنطبق إلا على المعين، ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة، إذا قال قولا يكون القول به كفرا، فيقال من قال بهذا القول فهو كافر، لكن الشخص المعين، إذا قال ذلك لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها.

وهذا في المسائل الخفية، التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك مما قاله أهل الأهواء، فإن بعض أقوالهم تتضمن أمورا كفرية من رد أدلة الكتاب والسنة المتواترة، فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفرا، ولا يحكم على قائله بالكفر، لاحتمال وجود مانع كالجهل، وعدم العلم بنقض النص، أو بدلالته، فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في كثير من كتبه.

وذكر أيضا تكفير أناس من أعيان المتكلمين بعد أن قرر هذه المسألة، قال: وهذا إذا كان في المسائل الخفية، فقد يقال بعدم التكفير، وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة، فهذا لا يتوقف في كفر قائله، ولا تجعل هذه الكلمة عكازة تدفع بها في نحر من كفر البلدة الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات، بعد بلوغ الحجة ووضوح المحجة.

وأما قوله : وهؤلاء ما فهموا الحجة، فهذا مما يدل على جهله، وأنه لم يفرق بين فهم الحجة وبلوغ الحجة، ففهمها نوع وبلوغها نوع آخر، فقد تقوم الحجة على من لم يفهمها. اهـ

وقال الشيخ سليمان بن سحمان ردًّا على من يشترط إقامة الحجة في المسائل الظاهرة لاحتمال جهل الفاعل بها :

وهؤلاء الأغبياء أجملوا القضية وجعلوا كل جهل عذرا ولم يفصلوا، وجعلوا المسائل الظاهرة الجلية وما يعلم من الدين بالضرورة كالمسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، وكذلك من كان بين أظهر المسلمين كمن نشأ ببادية بعيدة أو كان حديث عهد بالإسلام فضلوا وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل. اهـ

وبهذا يتقرر أن الحاكم بالقوانين الوضعية أو الأعراف الجاهلية أو المتحاكم لها يكفر بفعله ولا يشترط إقامة الحجة عليه لأنها قائمة بالفعل، لكون ما اقترفه من النواقض الظاهرة الجلية التي لا يعذر فيها بالجهل والتأويل والله أعلم

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام