هداية.

كيف نرد على شُبهةِ العذرِ بالجهل؟ استدلالُهم بقوله عز وجل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ؟

📂 فقه #عام

استدلالُهم بقوله عز وجل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾

هذا الدليلُ في مسألةِ العذابِ وعلى عدمِ عذابِ قومٍ إلَّا بعدَ إرسالِ رسولٍ إليهم، والكلامُ فيمَن نقضَ التوحيدَ وتكفيرِ مَن أشركَ وتسميتِهم كُفَّارًا ومشركين كما سماهم اللهُ تعالى، مع نفيِ العذابِ عنهم، كما سمى أهلَ الفترةِ مشركين.

فالناسُ قبلَ البعثةِ وإقامةِ الحجةِ معذورون في أحكامٍ، وغيرُ معذورين في أحكامٍ أخرى.

معذورون بأنهم لا يُعذَّبون في الدنيا والآخرةِ حتى تُقامَ عليهم الحجةُ الرسالية، وهذا من رحمةِ اللهِ وفضلِه، وغيرُ معذورين في اقترافِهم الشركَ وما ينبني عليه من أحكامٍ، كعدمِ الصلاةِ عليهم، ولا دفنِهم في مقابرِ المسلمين، وكعدمِ القيامِ على قبورِهم، والاستغفارِ لهم، وحرمةِ أكلِ ذبائحِهم ونكاحِ نسائهم.

قال ابنُ القيِّمِ: بل الواجبُ على العبدِ أن يعتقدَ أن كلَّ مَن دان بدينٍ غيرِ الإسلامِ فهو كافرٌ، وأن اللهَ تعالى لا يُعذِّبُ أحدًا إلَّا بعد قيامِ الحجةِ عليه بالرسولِ. هذا في الجملةِ، والتعيينُ موكولٌ إلى علمِ اللهِ وحكمِه، وهذا في أحكامِ الثوابِ والعقابِ، وأما في أحكامِ الدنيا فهي جاريةٌ على ظاهرِ الأمرِ، فأطفالُ الكفارِ ومجانينُهم كفارٌ في أحكامِ الدنيا، لهم حكمُ أوليائِهم. كما في طريقِ الهجرتين.

قال ابنُ تيميةَ: فلا ينجو من عذابِ اللهِ إلَّا مَن أخلص للهِ دينَهُ وعبادتَهُ ودعاه مخلصًا له الدينَ، فلا بُدَّ من عبادةِ اللهِ وحدَهُ، وهو واجبٌ على كلِّ أحدٍ، فلا يسقط عن أحدٍ البتةَ، وهو الإسلامُ العامُّ. ولكن لا يُعذِّبُ اللهُ أحدًا حتى يبعثَ إليه رسولًا، وكما أنه لا يعذِّبُهُ فلا يدخلُ الجنةَ إلَّا نفسٌ مسلمةٌ مؤمنةٌ، ولا يدخلها مشركٌ ولا مستكبرٌ عن عبادةِ ربِّه، فمن لم تبلغه الدعوةُ في الدنيا امتحنَ في الآخرةِ.

مجموع الفتاوى (المجلد 14)

قال الشنقيطيُّ في تفسيرِ الآيةِ: ظاهرُ الآيةِ أن اللهَ لا يُعذِّبُ أحدًا في الدنيا ولا في الآخرةِ حتى يبعثَ إليه رسولًا يُنذِرُهُ ويُحذِّرُهُ، فمن يعصِ ذلك الرسولَ ويستمرَّ على الكفرِ والمعصيةِ بعد الإنذارِ والإعذارِ، فقد أوضح هذا المعنى في آياتٍ كثيرةٍ. وذهبت جماعةٌ من أهلِ العلمِ إلى أن كلَّ مَن ماتَ على الكفرِ فهو في النارِ.

والتحقيقُ في هذه المسألةِ أن أهلَ الفترةِ معذورون في الدنيا، وأن اللهَ يمتحنُهم يومَ القيامةِ بنارٍ يأمرُهم باقتحامِها، فمن اقتحمها دخل الجنةَ، وهو الذي كان سيُصَدِّقُ الرسلَ لو جاءته في الدنيا، ومن امتنعَ دخل النارَ وعُذِّبَ فيها، وهو الذي كان سيكذبُ الرسلَ لو جاءته، لأن اللهَ يعلمُ ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسلُ.

قال ابنُ تيميةَ: وقد فرقَ اللهُ بين ما قبل الرسالةِ وما بعدها في أسماءٍ وأحكامٍ، وجمع بينهما في أسماءٍ وأحكامٍ.

فاسمُ المشركِ ثبت قبلَ الرسالةِ، فإنه يشركُ بربِّه ويعدلُ به، ويجعلُ معه آلهةً أخرى، ويجعلُ له أندادًا قبل الرسولِ، ويثبتُ أن هذه الأسماءَ مقدم عليها، وكذلك اسمُ الجهلِ والجاهليةِ، يُقالُ جاهليةً وجهلًا قبل مجيءِ الرسولِ، وأما التعذيبُ فلا.

الفتاوى (المجلد 20)

قال الشيخُ إسحاقُ في تكفيرِ المعينِ: بل أهلُ الفترةِ الذين لم تبلغهم الرسالةُ والقرآنُ وماتوا على الجاهليةِ لا يُسمون مسلمين بالإجماعِ، ولا يُستغفرُ لهم، وإنما اختلف أهلُ العلمِ في تعذيبهم.

هذَا واللهُ أعْلَم.

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام