كيف نرد على شبهة "التدرج في تطبيق الشريعة ؟
للرّدِ على شبهة "التدرجِ في تطبيق الشريعة" التي يُلقيها سحرةُ ما يُسمّى "الإسلام المدني الديمقراطي", أقولُ و باللهِ تعالى التوفيق:
أولاً: يقول الله تعالى: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" فأصبحَ الإسلامُ كاملاً واجبَ التطبيقِ فوراً إلا ما استُثنيَ بالنّصْ..
ثانياً: نهى اللهُ سبحانهُ نبيَّهُ عن اتباعِ أهواءِ الناس, قال تعالى: "وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ", و تركُ أحكامِ الشرعِ "تدرجاً" لإسترضاءِ العابثينَ و الزنادقةِ و أهلِ الكفرِ و الفسوق, فيه إتِّباعٌ لأهواءِ الناسِ الذي نهى الله عنه..
ثالثاً: يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً".. قال الطبري: "إنَّ اللهَ جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بالدخولِ في العملِ بشرائعِ الإسلام كُلِّها".. انتهى كلامه..
رابعاً: ما يُسمى "التحريم تدرجاً" ما هو إلا وهم و خيال فمثلاً: أولُ شبهة يتخيّلها البعضُ هي ما تعارفَ عليه العامةُ ب "تحريم الخمرِ تدرجاً"..
إنَّ شبهةَ "تحريم الخمر تدرجاً" ليست بشيء؛ إذ إنَّ أوّلَ ما نزلَ في الخمرِ هو قوله تعالى: وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا" ثم قوله تعالى: "قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ" و ليس في الآيتين أيُّ نهيٍ عن الخمرِ, ثم يقولُ اللهُ في الآية التي تنزّلت بعدها: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ".. و هذه الآية ليس فيها إلا (تحريم لصلاة السكران الثَّمِل فقط) و ليست تحريماً للخمر, فمباحٌ أن يشربَها المسلمُ –قبل تحريمِها- إلى حدِّ الثَّمالة في غير وقتِ الصلاة و أن يشربَها دون الثمالةِ في وقتِ الصلاة, فأيُّ تدرجٍ في ذلك؟!! يقول إمامُ المفسرين الطبري رحمه الله: "نهيٌ من الله للمؤمنين عن أن يقربوا الصلاة وهم سكارى من الشراب قبل تحريم الخمر, للأخبار المتظاهرة عن أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم".. انتهى كلامه..
كما أنَّ الربا لم يُحرّمْ تدرجاً من أضعافٍ مضاعفةٍ الى ضِعفٍ واحد إلى مَنْعِهِ ألبتّة, فالإسلامُ لم ينتهجْ هذا الترتيبَ بل حَرّمهُ مُطلقاً و آيةُ (أكل الربا اضعافاً مضاعفة) في سورة آل عمران: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً" مُتأخرةٌ عن الآيةِ التي حُرِّم فيها الربا مُطلقاً في سورة البقرة بقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.. و كذلك الزنا, حُرِّمَ دفعةً واحدة, فهل من آليةٍ للتدرجِ في تحريمه؟ فهل يُحرّم على الشيوخ أولاً ثم على الشباب؟!!.. إذاً فكلُّ هذه وساوس بل لعبٌ بدين الله..
خامساً: إنَّ نزولَ القرآنِ مُنجَّماً إنما هو من أفعالِ الرَّبِ التي لا يُسأل عنها, و أفعالُ الرَّبِ الخالق لا يحوز أن تُقاس عليها أفعال العبيد..
إنَّ أصحابَ دعوى التدرجِ يَطرحونَ رؤيتهم في التدرجِ على أنّها مرحلةٌ لمواءمةِ حالةِ "المجتمع غير المُهيّئِ في قيمهِ وأنماطِ حياته" بزعمِهِم.. هذا الطّرح يُفرِزُ سؤالاً معلّقاً بلا إجابة من أصحاب هذه الدعوى و غالبهم من الإخوان.. هذا السؤال من باب التنزُّل وكشفِ التدليسِ وليس لإقرارِ جعلِ قيمِ المجتمعِ الإسلاميةِ هي المعيارُ الضابط في التشريع, أي ليس دعوى لردِّ الأمرِ في التشريعِ لقيمِ المجتمعِ الإسلامية:
(لماذا لا يُستدعى التدرج المزعومُ ليُمارسَ على المنظومةِ الديمقراطيةِ و قِيَمِها و تشريعاتِها و التي تُعارضُ الدينَ و قيمَ المجتمع: كجوازِ تولّي غير المسلمِ أمر المسلمين كرأسِ الحُكمِ في مجتمعٍ مسلم, على سبيل المثال لا الحصر؟ فهل المجتمعُ المُسلم مُهيّأٌ لتقبّلِ حاكمٍ نصرانيٍّ أو بوذيّ؟)..
فهل يستطيعُ أصحابُ دعاوى التدرجِ نبذَ هذا التشريع؟ أو هل يُطرح –على الأقل- للمناقشةِ ليَتِم إبطاله تَدَرُّجاً؟ أم يُقدّم للمسلمينَ لأقرارهِ و إقرارِ غيرهِ من الكُفريّاتِ الدستوريةِ -غير المقبولةِ شرعاً وهو الأهم ناهيكَ عن عدمِ قبولِها إجتماعياً- بوصفها مسلّماتٍ بعيداً عن التدرجِ الذي لا يُسْتَدعى إلا للشرع؟
"أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ"..
الجزء الثاني:
شبهة "التدرج في الأحكام و هل أمر النبي عليه السلام معاذَ بنَ جبل بالتدرج"
شُبهةً أُخرى لمروّجي هذه الفِرية التي تقتضي لزوماً تبديلَ الشرعِ يستندونَ فيها إلى حديثٍ صحيحٍ يرويهِ الإمامُ مسلمٌ عن معاذِ بن جبلٍ حين أرسلهُ النبيُ عليه السلام إلى اليمن, وهذا نصُّ الحديث:
"عن ابن عباس أن معاذا قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افْتَرَضَ عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم...."
قالوا: ها هو النبيُ عليه السلام يطلبُ من معاذٍ أنْ يتدرّجَ في الأحكام بدلالة أنّهُ لم يطلبْ من معاذٍ أكثرَ من دعوتهم (لثلاثة أمور): دعوتهم للشهادتين, و بعد الإقرارِ بالشهادتين دعوتهم لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة..
الرد على الشُّبهة:
أولاً: إنّ إقرارَ أهل اليمن بأن لا إله إلّا الله يعني إقرارهم على إفراد الألوهية أو العبودية لله سبحانه إبتداءً, والعبوديةُ هي السّمعُ و الطاعة التي لا تتحصّل إلا بردِّ جميعِ الأمر لله, أمّا إقرارهم بأنّ محمداً رسولُ الله, فتعني تجريدَ متابعةِ النبي عليه السلام فيما أمر والإنتهاءَ عمّا نهى.. فأقرارهم بالشّهادتين تعني أنَّ جميعَ ما أمر به اللهُ و رسولُهُ واجبٌ عليهم إلتزامهُ و أنَّ جميعَ ما نهى اللهُ و رسولُهُ عنه واجبٌ عليهم الإنتهاء عنه..
ثانياً: ليس في حديثِ معاذٍ بن جبلٍ حين أرسله النبيُ عليه السلام إلى اليمن ما يذهبونَ إليه من جوازِ تركِ الحُكمِ بما أنزل اللهُ والعملِ بخلافه تدرجاً, فقوْلُ النبي عليه السلام لمعاذ -إنَّك تأتي قوماً مِن أهلِ الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا اله الا الله..... - ليس فيهِ أنّه إذا جاء رمضانُ فلا يجبُ عليهم الصوم, وليس فيهِ أنَّ الحجَّ سقطَ عنهم, وليس فيه أنَّهم إذا لم يمتنعوا عن الربا فلا تقاتلهم لينتهوا وإذا أتى أحدُهُم ذنباً يوجِب حداً فلا تُقمه.. هذا ليس من منطوق الحديث فلا يُستدلُّ به على إبطالِ تلك الأحكام, وإلا فَهُمْ مُلزمون –بفهمهم هذا- بالقولِ أنّه يجوز لمعاذٍ أن يدعوَهم إلى الزنا والخمرِ والميسرِ لأنّه ليس في الحديث أيُّ لفظٍ يمنعُ ذلك..
ثالثاً: إنّ هذه الاحكامَ و غيرها تُعرف –وبمُقتضى الإذعان لله و إفراده بالعبودية- من بيانٍ آخر وليس من نصٍ واحدٍ فقط, فلا يجوز أخذَ حكمٍ مِن نصٍ وتركِ الزيادة على هذا الحكمِ والموجودةِ في نصٍ آخرَ, وهذا كقوله تعالى: "وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً" فليس في الآية إباحةُ أكلِ هذه الحيواناتِ أو تحريمُ أكلها و من يقلْ إنّ أكلها حرامٌ لعدمِ ذكرِ ذلك في الآية, فعليهِ القولُ بوجوبِ تحريمِ بيعها لأنّ البيعَ لم يُذكر في الآية.. و لكنَّ أحكامَ الأكلِ و البيعِ لهذه الحيوانات و غيرها يُعرف من بيان (نصٍ) آخر..
لذلك؛ فأحكام الدين لا تُؤخذُ من نصٍ واحدٍ دون جمعِ بقيةِ النصوص, وليس في أوامر النبي عليه السلام لمعاذ –حين أرسله لليمن- أن يَتركَ ما أوجبهُ اللهُ ورسولُهُ, هذا ما لا يجدونه لا من نصٍّ و لا إجماع..
وزد على ذلك أيضاً أنّ معاذاً –كما جاء في الصحيحين - قضى في اليمن –وقبل جلوسهِ- بضربِ عنقِ رجلٍ ارتد عن الإسلام و رجعَ لدينِ اليهود.. "فعن أبي موسى قال أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن يساري ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك فكلاهما سأل فقال يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس قال قلت والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت فقال لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده ولكن اذهب أنت يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس إلى اليمن ثم اتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه ألقى له وسادة قال انزل وإذا رجل عنده موثق قال ما هذا قال كان يهوديا فأسلم ثم تهود قال اجلس قال لا أجلس حتى يُقتل قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فأمر به فَقُتِل...." رواه البخاري..
لقد أَمرَ معاذُ رضيَ اللهُ عنه بضربِ عنقِ المرتدِ لأنَّهُ عَلِمَ بقضاءِ النبي عليه السلام في المرتد من نصٍّ آخر قبل إرساله لليمن, وبذلك -وبمنطِقِهمْ- فإنَّهُ يلزمُهم القول أنَّ معاذاً عصى رسول الله عليه السلام حين زاد على الأمور الثلاثةِ بقتَلِهِ للمرتد أو يلزمُهم و هو الأشنع أنّ رسول الله–حاشا له ذلك- نسيَ أن يُعْلِمَهُ عدمَ وجوبِ ذلك في المجتمعاتِ حديثةِ العهد بالإسلام! وقائلُ هذا كافرٌ بلا شك؛ لأنّه ادّعاءٌ بأنّ النبيَ عليه السلام نَسِيَ أن يُبلّغَ عن ربّهِ و أنَّ الدينَ لم يُحفَظ..
هذا والحمدُ لله ربِّ العالمين..
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام