كيف نرد على شُبهة أنَّ مناط الكفر في التحاكم متعلِّق بالإرادة والرِّضى ؟
الجواب: إنَّه ليس شرطًا في تكفير المتحاكم أن يُفَضِّل حُكم الطاغوت، فبمجرد ما يُعرِض يُعَدُّ كفرًا، وليس شرطًا وجود الإرادة والرِّضى والاعتقاد والاستحلال. وأمَّا تَعَسُّف بعض المرجئة وحملهم الإرادة هنا على التفضيل والاستحلال الاعتقادي فمردودٌ بنصِّ الآية:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾،
وغيرها من الآيات، وتفسير السلف لها.
فالله عزَّ وجلَّ قد كفَّر في الآيات بمجرَّد الطاعة والاتِّباع والاتِّخاذ والتحاكم، دون اقترانٍ بالاعتقاد، وهذا من الكفر العملي، كما نصَّت عليه الآيات:
﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾
قال ابن تيمية: النفاق يثبت، ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره.
الصارم المسلول، ص 33
وقال الشنقيطي: كلُّ من اتبع تشريعًا غير التشريع الذي جاء به سيِّد وُلد آدم، فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفرٌ مخرجٌ من الملة.
أضواء البيان، 3/439
حتى إن اللجنة الدائمة قالت في جوابها رقم (8008)، في ردِّها على من جعل مناط التكفير في التحاكم متعلقًا بالإرادة ومحلها في الباطن ولا يمكن الاطلاع على ذلك ومعرفته:
المراد بالإرادة في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ ما صاحبه فِعل أو قرائن وأمارات تدلُّ على القصد والإرادة، بدليل ما جاء في الآية التي بعدها:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾.
ويدل على ذلك سبب النزول الذي ذكره ابن كثير وغيره في تفسير هذه الآية، وكذلك المتابعة دليلٌ على الرضا. وبذلك يزول الإشكال القائل: إن الإرادة أمرٌ باطن، فلا يُحكم على ما يُريد إلا بعلمها منه، وهو غير حاصل.
وقال ابن القيم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ]:
جعل هذا الرَّدّ من موجبات الإيمان ولوازمه؛ فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان، ضرورةَ انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه. ولا سيما أن التلازم بين هذين الطرفين وكلٌّ منهما ينتفي لانتفاء الآخر. ثم أخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكَّم الطاغوت وتحاكم إليه.
إعلام الموقعين، 49/1
بل إن بعض أهل العلم جعل تَارك حُكم الله إلى غيره، مع وجود حكم الله، مُفضِّلًا لحكم غير الله تفضيلًا عمليًّا، ولو لم يصرِّح بلسانه.
والخلاصة: أن التحاكم إلى غير شرع الله تعالى كُفرٌ عملي، لا يُشترط معه الجحود أو الاستحلال أو تفضيل حُكم غير الله عز وجل.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام