كيف نرد على شبهة أن آياتِ الحكمِ نزلت في أهلِ الكتابِ لا المسلمين، وهي قوله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ ؟
الجواب:
أولًا _ أن هذا القولَ يلزمُ منه إبطالُ العملِ بالقرآن، فكلُّ آيةٍ نزلت في الكفارِ يُقال لا يُعممُ حكمُها على المسلمين ممن فعلَ فعلَ الكفار، ومن ذلك لا يُستدلُّ على من دعا القبورَ والأوثانَ من هذه الأمةِ بالآياتِ الناهيةِ عن الشرك؛ لأنها نزلت في مشركي الجاهلية. وبالتالي، فما الفائدةُ من نزولِ القرآن؟ أليس للعملِ به، والتحذيرِ من التشبّهِ بالكفارِ والوقوعِ في مثلِ أفعالهم؟
وعليه فيُقال: إن الآياتِ التي بيّنت حُكمَ من يحكمُ بغيرِ ما أنزل الله جاءت بلفظِ العموم. وكما هو معلومٌ في علمِ الأصولِ أن العبرةَ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السبب، ولفظ (مَن) من أقوى صيغِ العموم.
ثانيًا _ أن القائلين بأن الآيةَ في أهلِ الكتابِ لهم معارضٌ من السلفِ، قالوا بأن هذه الآيةَ نازلةٌ في المسلمين، منهم حذيفةُ، وابنُ مسعودٍ، وجابرٌ رضي الله عنهم، والنخعيُّ، والحسنُ، والشعبيُّ، وابنُ أبي زائدة، وابنُ شُبرمة، وهو ظاهرُ صنيعِ البخاريِّ في صحيحه كما في الفتح. فلماذا نأخذُ بقولِ بعضهم دون غيرِهم بلا حجةٍ؟
وقد اختار القولَ الثاني ابنُ القيمِ في مدارجِ السالكين، والشنقيطيُّ في أضواءِ البيان. ومما يُرجّح أنها في المسلمين أن الآيةَ قبلَها خاطبت مسلمي هذه الأمة، فالخطابُ للمسلمين كما هو ظاهرٌ متبادرٌ من سياقِ الآية.
أيضًا من تأمل أوائلَ هذه الآياتِ علم أنها نزلت في المنافقين الذين تابعوا أهلَ الكتابِ على الحكمِ بغيرِ ما أنزل الله، فأنزل الله تعالى حكمًا بكفرِهم، بل وصفهم بالمسارعةِ في الكفر.
قال ابنُ كثير: نزلت هذه الآياتُ في المسارعين في الكفرِ، الخارجين عن طاعةِ اللهِ ورسولهِ، المقدمين آراءَهم وأهواءَهم على شرائعِ الله، وهؤلاء هم المنافقون.
ثالثًا _ بل إن حذيفةَ رضي الله عنه قد أنكر على من ظن اختصاصَ الآيةِ ببني إسرائيل، فقال: نعم الإخوةُ بنو إسرائيل، إن كانت لكم كلُّ حُلوةٍ ولهم كلُّ مُرّةٍ، ولتسلكُنَّ طريقهم قِدَى الشراك.
وقال الحسن: نزلت في اليهودِ، وهي علينا واجبةٌ.
وقال إبراهيمُ النخعيُّ: نزلت في بني إسرائيل، ورُضي لكم بها.
رابعًا _ أن هذا ليس هو النص الوحيدَ الدالَّ على كفرِ الحاكمِ بغيرِ ما أنزل الله مطلقًا، بل قد دلَّ على كفرِه عدةُ نصوصٍ كثيرة. فإذا احتال زائغٌ لإبطالِ الاحتجاجِ بهذه الآية، فماذا يصنعُ بغيرِها من النصوصِ العديدةِ الدالةِ على كفرِ الحاكمِ بغيرِ ما أنزل الله؟
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام