هداية.

كيف نرد على شبهة أحاديث السمع والطاعة؟

📂 فكر وفلسفة #عام

زعم المرجفون أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمرنا بالسمع والطاعة للإمام إن كان كافرًا، واستدلوا بذلك بعدد من الأحاديث، منها:

قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس» قال: قلتُ: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركتُ ذلك؟ قال: «تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع».

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك».

وغيرها من الأحاديث التي تحمل معاني مقاربة لمعنى هذين الحديثين. ليس ظاهرها أمر المسلمين وإلزامهم بالسمع والطاعة لحكام سيحكمون بغير الشرع، بدليل قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يهتدون بهديي»، فدلَّ هذا على إسلامهم، لأنه صلَّى الله عليه وسلَّم لا يأمر بالسمع والطاعة لكافر؟

والآفة هنا في أفهامهم السقيمة، ولا غبار على النصوص الشرعية المطهرة، بل حملوا ذلك كلَّه لإعذار طواغيتهم المبدِّلين لحكم الله.

وبالتالي، فمقصوده عليه السلام بقوله: «لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي»، أي بما يفعلونه من الجور والظلم.

وإليك أقوال العلماء في ذلك:

بوَّب أبو البركات ابن تيمية في كتابه منتقى الأخبار:

(باب الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والكف عن إقامة السيف)، وذكر في هذا الباب جملة من الأحاديث، من بينها حديث «لا يهتدون بهديي».

وقال الشوكاني معلقًا على هذا الحديث: فيه دليل على وجوب طاعة الأمراء وإن بلغوا في العسف والجور إلى ضرب الرعية وأخذ أموالهم.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله معلقًا على هذا الحديث: فتبين أن الإمام الذي يطاع هو من كان له سلطان، سواء كان عادلاً أو ظالمًا.

وقال المناوي في شرح لفظه: وأثرة عليك؛ يعني إذا فضل ولي أمرك أحدًا عليك بلا استحقاق ومنعك حقك، فاصبر ولا تخالفه.

وقال القرطبي في شرح لفظه: وأثرة عليك؛ والمعنى أن الطاعة للأمراء واجبة وإن استأثروا بالأموال دون الناس.

(وهذا القرطبي ليس صاحب التفسير المشهور).

فظهر جليًّا من خلال كلامهم في شرحهم لهذه الأحاديث أن المراد بها هو الجور والظلم الذي يحصل من بعض الولاة، وليس تعطيل الشريعة ونقض معالمها.

وقد نصَّ أهل العلم على التفريق بين الصورتين، وإليك شيئًا من أقوالهم:

قال القاضي عياض: وقوله في هذا الحديث (وإن أُمِّر عليكم عبدٌ مُجدَع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا) فيه ما يلزم من طاعة الأئمة إذا كانوا مستمسكين بالإسلام والدعوة لكتاب الله، كيفما كانوا هم في أنفسهم وأنسابهم وأخلاقهم.

وقال أيضًا: وقوله (أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا)، على ما تقدم من منع الخروج على الأئمة والقيام عليهم، ما داموا على كلمة الإسلام ولم يظهروا كفرًا بيِّنًا. وهو الإشارة هنا بقوله (ما صلوا)، أي: ما كان لهم حكم أهل القبلة والصلاة، ولم يرتدوا ويبدلوا الدين ويدعوا إلى غيره. والإشارة أيضًا بقوله (عبدًا حبشيًا يقودكم بكتاب الله)، أي: بالإسلام وحكم كتاب الله، وإن جار.

وقال النووي: وأما قوله (أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا)، ففيه معنى ما سبق: أنه لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق ما لم يغيروا شيئًا من قواعد الإسلام.

وقال القرطبي: قوله (على المرء السمع والطاعة) ظاهرٌ في وجوب السمع والطاعة للأئمة والأمراء والقضاة، ولا خلاف فيه إذا لم يأمر بمعصية؛ فإن أمر بمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولًا واحدًا. ثم إن كانت تلك المعصية كفرًا وجب خَلعه على المسلمين كلهم، وكذلك لو ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين، كإقام الصلاة وصوم رمضان وإقامة الحدود ومنع من ذلك. وكذلك لو أباح شرب الخمر والزنا ولم يمنع منهما، لا يختلف في وجوب خلعه.

وقال الشوكاني: وأولو الأمر هم الأئمة والسلاطين والقضاة وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية.

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام