هداية.

‏لماذا قالت مريم: لم يمسسني بشر؟

📂 فقه #أذكار #معاملات #سحر وعين

قالت مريم:

﴿أَنّى يَكونُ لي غُلامٌ وَلَم يَمسَسني بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِيًّا﴾

لم تقل: لم يمسسني رجل، لأن المسألة لم تكن رجلًا بعينه، ولا ذكرًا في مقابل أنثى، بل نفيًا كاملًا للطريق البشري الذي يأتي منه الولد. كلمة بشر أوسع من رجل، وأدق من ذكر، لأنها تنفي السبب الإنساني كله: لا مساس، لا علاقة، لا طريق طبيعي يمكن أن يفسر هذا الغلام.

ثم قالت: ﴿وَلَم أَكُ بَغِيًّا﴾

وبهذا لا يعود النفي متعلقًا بالولادة وحدها، بل بما سيقوله الناس عنها. فالولد في وعي الجماعة لا يُفهم إلا داخل بابين: سبب طبيعي، أو شبهة أخلاقية. مريم تنفي الاثنين معًا. لا السبب وقع، ولا الجريمة حدثت. بهذا الإيجاز أغلقت الآية بابين: باب السبب، وباب التهمة.

لذلك لم تقل مريم: أنا طاهرة. فالطهارة حين تُقال في محكمة منحازة قد تبدو دفاعًا، والدفاع أمام من قرر الإدانة مسبقًا يتحول إلى جزء من التهمة.

قالت ما هو أعمق: لا سبب، ولا جريمة.

لم تطلب تعاطفًا، ولم تدخل قفص التبرير، بل نقضت بنية الاتهام من أصلها. فالآية تكشف شيئًا مخيفًا في النفس البشرية: أن الناس أحيانًا لا يكرهون الخطيئة بقدر ما يخافون البراءة التي تربك أحكامهم. المذنب الواضح يريحهم، لأنه يثبت صحة نظامهم الأخلاقي، أما البريء الغامض فيهددهم، لأنه يكشف أن الجماعة قد تظلم وهي مطمئنة، وتحاكم وهي جاهلة، وتدين وهي تظن نفسها حارسة للفضيلة.

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام