هداية.

يقول السّائل: سيدنا يوسف كان وزيرًا عند ملك مصر وخدم مجتمع كافر فاسق، يعبد الأوثان ،فهل كفر !! لا تفتروا على الله، ولا تحرّموا ما لم يحرّم الله ..هذه اجتهادات ووسائل !!؟ الاستدلال بتولّي سيّدنا يوسف عليه السّلام ولاية لدى العزيز.

📂 فقه #صلاة #عقيدة #طلاق #زواج #قرآن

الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله على آله وصحبه ومن والاه..

بداية أنبّه أنّ هناك فرقًا بين الخدمة والعمل في نظام كفريّ، وبين تشريع القوانين، بعبارة أخرى هناك فرق بين مهام التّنفيذ ومهام التّشريع ..

فالتّشريع خاصّ بالله سبحانه، والتّعدّي عليه أو جعله لغيره شرك بالله، فالتّشريع محرّم لذاته، أمّا التّنفيذ فقد يكون محرّمًا بحسب ما يحيطه من أحوال، وقد يكون جائزًا لعدم ملابسة محرّم به، وقد يخضع في حالات لقاعدة دفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصّغرى ..

والسّائل ساق بحسب كلامه مثال التّنفيذ ليستدلّ به على التّشريع، وهذا قياس لا يصحّ في أصول الفقه ولا عند المناطقة ..

وأدلّة هذا الباب كثيرة سيأتي ذكرها لاحقًا إن شاء الله، لكن أورد منها قوله تعالى (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) وقوله سبحانه (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) لمّا أحلّوا الحرام وحرّموا الحلال..

ثانيًا

البرلمان بشكله المعاصر عمومًا، والكنيست خصوصًا فيه من المحرّمات والشّركيّات والكبائر الكثير ومن عدّة وجوه، فعلى المُستدلّ بقصّة سيّدنا يوسف عليه السّلام أن يُثبت وجودها كلّها في قصّته -حاشاه- ..

فهل سيّدنا يوسف عليه السّلام شرّع قوانين شركيّة أو شارك في تشريعها ؟ وهل أقسم بأن يخلص لطاغوت ؟ وهل شارك في مجالس من هذا القبيل ؟ وهل داهن في دين الله ؟ وهل حكم بغير شرع الله ؟ وهل تحالف مع الملحدين والمتصهينين وأراذل القوم ؟ .. أسئلة كثيرة بحاجة لإجابة ..

ثالثًا

أثبت لنا ما هو شرع الله الواجب الاتّباع في تلك الفترة، وكيف خالفها العزيز أو يوسف عليه السّلام ؟ بل أثبت لنا كفر العزيز، فهذه دعوى بحاجة لبيّنة وبرهان، وقد ذكر بعض أهل التّفسير أنّ العزيز قد أسلم، فسواء صدقت الرّواية أم لا، البيّنة على من ادّعى، فمن ادّعى كفره عليه إثبات ادّعائه، ومن ادّعى أنّ يوسف عليه السّلام حكم بغير شرع الله فعليه إثبات ذلك ..

رابعًا

كان يوسف عليه السّلام مُمكّنًا تمكينًا تامًّا، فيطبّق شرع الله وأمره، ويبثّ العدل بين النّاس، قال سبحانه (فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّك الْيَوْم لَدَيْنَا مَكِين أَمِين) فقوله (مكين) على وزن فعيل وهي من صيغ المبالغة المفيدة لرسوخ الصّفة وقوّتها، كقولنا أمين وكريم..

وقال سبحانه (وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ) فهو يتبوّأ منها حيث شاء، لا قيد عليه بعد تولّيه ذلك ..

فهل المشاركة في الكنيست بهذه الصّلاحيّة والحرّيّة والأمانة والثّقة ؟ بل تجعل المرء أكثر خضوعًا لقوانينهم ودستورهم وكلّ نقيصة فيها ..

خامسًا

العجيب أنّ الله سبحانه قد نقل كلام يوسف عليه السّلام على وجه الثّناء، وكلامه هو بحد ذاته دليل على بطلان التّشريع من دون الله وأنّه شرك بالله ..

قال سبحانه على لسان يوسف عليه السّلام (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) فنهاهم عن تفرّق الآلهة، ثم تحدّث عن العبادة وصنوفها فقال (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ) وفي خضم الحديث عن العبادة والآلهة، يذكر عبادة أخرى مهمّة وهي عبادة الحكم فقال ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) فذكر الحكم ثمّ بيّن أنّها عبادة لا تكون إلّا لله، (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)

سادسًا

لقد وصف الله سبحانه كلّ حكم مناقض لشرع الله بالطّاغوت فقال سبحانه (يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ)

فكيف يصحّ لكم في الأذهان أن تجعلوا نبيًّا من أنبياء الله متحاكمًا إلى طاغوت ؟! ويلكم ! أيّ افتراء هذا على الله ورسله ! بل مقام الأنبياء عبادة الله واجتناب الطّواغيت كلّ الطّواغيت وتحذير النّاس منها قال سبحانه ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) والاجتناب أشدّ من الحرمة، فالاجتناب يقتضي تركها وترك كلّ وسيلة مؤدّية إليها، وترك مجالسها كما أمر الله سبحانه في الخمر فقال (فَاجْتَنِبُوهُ) ثمّ بيّن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم معنى الاجتناب بنحو ما ذكرت.

سابعًا

فعل سيّدنا يوسف عليه السّلام من شرع من قبلنا، وسواء أكان شرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يخالفه دليل، أو شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا إلّا إن دلّ عليه دليل، فبكل الأحوال أدلّة حرمة التّحاكم والتّشريع من دون الله سبحانه كثير واضحة وهي مقدَّمة في هذا الباب ..

ثامنًا

من يستدلّ بقصّة سيّدنا يوسف عليه السّلام لا بُدّ أن يُحدّد وجه الدّلالة منها ..

فهو إمّا أنّه يزعم بهذه القصّة جواز الحكم بغير ما أنزل الله وهذا باطل بآيات كثيرة كقوله تعالى ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ..

وإمّا أنّه يزعم أنّ الحكم بغير ما أنزل الله محرّم وارتكبه سيّدنا يوسف عليه السّلام من باب الضّرورة أو تحقيقًا للمصلحة .. وحينها نسأل هل يصحّ لنبيّ أفعاله تشريعٌ للنّاس أن يفعل الباطل والمنكرات بحُجّة المصلحة ؟ فكّر وقلّبها برأسك جيّدًا !

تاسعًا

الكنيست برلمان تشريعيّ لكيان غاصب محتلّ، وما وجوده إلّا ضريبة الذّلّ والهوان الّذي استسغنا تجرّعه، وما المشاركة فيه إلّا زيادة شرعنة له، أمّا يوسفُ عليه السّلام فما علمنا أنّه كان في نظام وحال كهذا أبدًا !

عاشرًا

هذا هو مسلك ومنهج يوسفَ عليه السّلام لمن أراد أن يستنّ به قال سبحانه على لسان نبيّه (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ . وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ)

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام