من هي الطائفة الباغية؟
الطائفة الباغية
تعريفها:
هي طائفةٌ مِنَ المسلمين، ذاتُ شَوكة، تخرج بتأويل على الإمام المسلم الذي ثبتت إمامته، تبغي خلعه، أو لا ترتضي الدخول في طاعته، وتُسمى "أهل البغي"، وطائفة الإمام تُسمى "أهل العدل".
والتأويل: كأن يروا عليه ما يظنونه ظلماً، سواء أصاب ظنُّهم أم أخطأ، وقد قدَّمنا في التمهيد حرمة الخروج على الأئمة وإن جاروا.
حكم قتال البغاة:
العمدة في مشروعية قتال البغاة هي آية سورة الحجرات: (وَإِن طَائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩].
وذلك؛ لأنَّ الله جل شأنه قال: (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ)، فهذا أمر منه سبحانه وتعالى بقتال الفئة الباغية، وهو يقتضي الوجوب، والقتال هنا فرضُ كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وذلك؛ لأنَّه لو تُرك أهل البغي لسعوا في الأرض فساداً، و لأفسدوا على الناس أمور دينهم ودنياهم، فوجب قتالهم دفعاً للفساد على وجه الأرض ومنعاً لشرهم.
ولكن ينبغي أَنْ يُعلم أنَّ الله تبارك وتعالى قدم الأمـر بالـصــلـح قـبـل الأمـر بالقتال، فقال سبحانه: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) ، فإن أبــوا الصلح، ولم ترجع الفئة الباغية عما تعتقد من فساد الرأي والدين قوتلوا.
حكم المدبر والجريح من أهل البغي:
إنَّ الباغي إذا ترك قتال أهل العدل إما لجرح أصابه فعجز عنه، أو لهزيمة ألمت به، وفرَّ مِنْ أرض القتال، أو ترك السلاح لتبيُّن الحقِّ له، ورجوعه إلى السمع والطاعة، فإنَّه يحرم عند جمهور الفقهاء الإجهاز على جريحهم، واتباع مدبرهم، وهذا هو قول الحنابلة والشافعي وأبي حنيفة شريطة ألا ينهزموا إلى فئة، فإن انهزموا إلى فئة جاز عند الأحناف قـتـل مـدبـرهـم والإجهاز عـلـى جريحهم(1).
حكم أسير البغاة:
يحرم قتل أسير البغاة عند جمهور العلماء، سواء أكان للباغي فئة ينحاز إليها أم لا، وذلك لأنَّ الهدف مِنْ قتال أهل البغي دفعهم لا قتلهم، وقد اندفع شر الأسير بأسره وحصل المقصود، وعليه فيُحبَس حتى تنتهي الفتنة، ويُكرم في محبسه، ويُدعى إلى الحق لعل الله أن ينير قلبه، فإذا زالت الفتنةُ أُطلق سراحه مهما كان معه مِن مال.
حكم ما أُتلف من أموال البغاة، أو أُصيب من دمائهم أثناء القتال: لا خلاف بين أهل العلم في أنَّ كلَّ دم أو مال أصابه أهـل العـدل مـن أهـل البغي هدر، ولا ضمان عليهم فيما استهلكوه أثناء الحرب، لكن بعد الحرب لا يجوز أخذ أموالهم؛ لأنهم ما زالوا مسلمين.
هل تغنم أموال البغاة وتسبى ذريتهم؟
أجمع أهل العلم على عدم جواز ذلك؛ لأنهم مسلمون معصومون، وإنَّما أُبيح من دماء وأموال أهل البغي ما حصل مِنْ ضرورة دفعهم وقتالهم، وما عداه يبقى على أصل التحريم(١).
حكم قتال البغاة بما يَعُمُّ إتلافه :
لا يقاتل البغاة بما يعمُّ إتلافه، كالنار والمنجنيق والتغريق بالماء ومـا شـابه ذلك في العصر الحديث كالسيارات المفخخة وغيرها، إلَّا أن تدعو إلى ذلك ضرورة، كأن لا يمكن دفعهم إلَّا بذلك (٢).
حكم قتلى الطرفين: أما قتلى "أهل العدل" فإنَّهم شهداء جادوا بأنفسهم في حرب أمر الله بها (فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) ، ويُصنع بهم ما يُصنع بسائر الشهداء، فلا يغسلون ولا تنزع ثيابهم، بل يُدفنون فيها ولا يُصلى عليهم؛ لأنهم شهداء، وأما قتلى "أهل البغي"فهم قتلى فتنة مسلمون، ليسوا بشهداء، يُغسلون ويُكفَّنون ويُصلى عليهم.
#فصل
الطائفة المحاربة (قُطَّاعُ الطرق)
تعريفها:
طائفةٌ ذاتُ شوكة، تخرج في دار الإسلام مغالبة، لسلب الأموال، أو سفك الدماء، أو انتهاك الأعراض.
شروط الحرابة:
مجمل الشروط التي ذكرها الفقهاء فيمن يلحقه اسمُ الحرابة ستة شروط، إلَّا أنَّ بعضاً منها غير متفق عليه؛ وهي:
١. التكليف أي أن يكون بالغاً عاقلاً، وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء. ٢. التزام أحكام الشرع: أي أن يكون ملتزماً بأحكام الشريعة، سواءً كان مسلماً أم ذمياً، ولا يدخل المعاهد ولا المستأمن؛ لأنَّه متى فعل ذلك فقد نقض عهده.
٣. حمل السلاح: اشترط الحنفية والحنابلة أن يكون مع المحارب سلاح ولو حجارة أو عصا، وإلا لم يكن محاربــا، ولم يشترط المالكيــة والشافعية حمل السلاح، بل يكفي عندهم القهر والغلبة، ولو باللكز والضرب بجمع الكف(۳).
٤. البعد عن العمران: يعني أن يكونوا في صحراء بعيدة عن البنيان - أو نحو ذلك، وهذا مذهب الأحناف والحنابلة، لكنَّ الصحيح مذهب الجمهور، وهو عدم اشتراط ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وهـذا هـو الـصـواب، بـل هـم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء، لأنَّ البنيان محل الأمن والطمأنينة وتناصر الناس وتعاونهم، فإقدامهم عليه يقتضي شدة المحاربة والمغالبة) ا.هـ.
٥. المجاهرة: وهي أخذ المال ونحوه من المتاع جهراً لا خُفيةً؛ لأنَّ أخذه خفية يعد سرقة.
٦. الذكورة: لم يشترط هذا الشرط إلَّا الأحناف، أمَّا الجمهور فيرون أنَّا لمرأة إذا حاربت يكون حكمها حكم المحاربين(١).
عقوبة المحاربين:
لا خلاف بين الفقهاء في أنَّ عقوبة المحارب حد من حدود الله لا تقبل الإسقاط ولا العفو، ما لم يتوبوا قبل القدرة عليهم، والدليل قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤].
غير أن الفقهاء اختلفوا في هذه العقوبات أهي على التخيير أم التنويع؟ أي:هل الإمام مخير من هذه الأربع أم أنَّ كلا على حسب جرمه؟(۲)
فذهب الجمهور إلى أنَّ "أو " في الآية على ترتيب الأحكام وتوزيعها على ما يليق بها في الجنايات: فمن قتل وأَخَذ المال؛ قتل وصلب، ومَن اقتصر على أَحْذِ المال؛ قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، ومَنْ أخاف الطريق ولم يقتل ولم يأخذ مالاً؛ نُفي من الأرض، وهكذا.
الفرق بين الفئة الباغية والفئة المحاربة:
١. المحارب خرج فسقاً وعصياناً على غير تأويل، والباغي خرج بتأويل.
٢. المحارب خرج لأجلِ الدُّنيا، والباغي خرج لأجل الدين.
٣. المحارب خرج على الرعية، والباغي خرج على الإمام.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام