هداية.

معنى إظهار الدين ؟

📂 فقه #عقيدة #طلاق #أذكار #معاملات

تكلمتُ سابقاً عن إثبات وجوب الهجرة من ديار الكفر، واليوم -بإذن الله- سيكون الكلام عن معنى إظهار الدين؛ فقد ذكر العلماء أن الهجرة واجبة على من لا يستطيع إظهار الدين، وأن من أظهره تستحب في حقه الهجرة ولا تجب.

ومن ذلك قول النووي: "وأما الهجرة من دار الكفار اليوم فواجبةٌ وجوبًا متأكدًا على من قدر عليها، إذا لم يقدر على إظهار دين الإسلام هناك، فإن قدر استُحبَّ ولا يجب" [ بستان العارفين ].

وقال ابن قدامة المقدسي: "وتجب الهجرة على من لم يقدر على إظهار دينه في دار الحرب، وتُستحب لمن قدر على ذلك، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار" [ عمدة الفقه ].

والسؤال هنا: ما معنى إظهار الدين؟ وهل هو مجرد قيام المسلم بالصلاة والصيام ونطق الشهادتين في دار الكفر كما يدعي بعض المدلسين في عصرنا؟

قال حمد بن عتيق: "إنَّ كثيراً من الناس قد ظن أنه إذا قدر على أنْ يتلفَّظ بالشهادتين، وأن يصلي الصلوات، ولا يُرَدّ عن المساجد، فقد أظهر دينه وإن كان مع ذلك بين المشركين، أو في أماكن المرتدين؛ وقد غلطوا في ذلك أقبح الغلط. فاعلم أنَّ الكفرَ له أنواعٌ وأقسامٌ تتعدَّدُ بِتَعدُّد المكفرات -وقد تقدم بعض ذلك- وكلُّ طائفة من طوائف الكفر فلا بد أن يشتهر عندها نَوعٌ منه، ولا يكون المسلم مُظهِراً لدينه حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عندها، ويُصرِّح لها بعداوته، والبراءة منه. فمن كان كفره بالشرك، فإظهار الدين عنده التصريح بالتوحيد، أو النهي عن الشرك والتحذير منه؛ ومن كان كفره بجحد الرسالة، فإظهار الدين عنده التصريح بأن محمداً رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والدعوة إلى اتباعه؛ ومن كان كفره بترك الصلاة، فإظهار الدين عنده فعل الصلاة، والأمر بها؛ ومن كان كفره بموالاة المشركين والدخول في طاعتهم، فإظهار الدين عنده التصريح بعداوته، والبراءة منه ومن المشركين. وبالجملة فلا يكون مظهراً لدينه، إلا من صرَّح لمن ساكنه من كل كافر ببراءته منه، وأظهر له عداوته لهذا الشيء الذي صار به كافراً، وبراءته منه" [ الدرر السنية ].

وقال: "الرجل لا يكون مظهراً لدينه حتى يتبرأَ من أهل الكفر الذي هو بين أظهرهم، ويصرِّح لهم: بأنهم كفار، وأنه عدوٌ لهم، فإن لم يحصل ذلك لم يكن إظهار الدين حاصلاً" [ الدرر السنية ].

وقال إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ: "والحاصل أن المسلم لا يكون مظهراً لدينه، سواءٌ كان مسافراً أو مقيماً، حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عنها، وهو الذي يفهم من كلام السلف" [ الدرر السنية ].

وقال: "ودعوى من أعمى الله بصيرته وزعم أن إظهار الدين هو عدم منعهم ممن يتعبد، أو يدرس، دعوى باطلة؛ فزعمه مردود عقلاً وشرعاً. وليهنِ من كان في بلاد النصارى، والمجوس والهند ذلك الحكم الباطل، لأن الصلاة والأذان والتدريس موجود في بلدانهم، وهذا إبطال للهجرة والجهاد، وصد للناس عن سبيل الرشاد" [ الدرر السنية ].

وقال محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "وإظهاره دينه ليس هو مجرد فعل الصلاة وسائر فروع الدين واجتناب محرماته من الربا والزنا وغير ذلك؛ إنما إظهار الدين مجاهرته بالتوحيد والبراءة مما عليه المشركون من الشرك بالله في العبادة وغير ذلك من أَنواع الكفر والضلال" [ الدرر السنية ].

وقال محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ: "فإن الله سبحانه ذكر في كتابه المرادَ من إظهار الدين، وأنه ليس ما توهمتم، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} إلى آخر السورة؛ فأمره أن يقول لهم: إنكم كافرون، وإنه بريء من معبوداتهم، وإنهم بريئون من عبادة الله، وهو قوله: {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}، وقوله: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}: تصريح بالبراءة من دينهم الذي هو الشرك، وتمسك بدينه الذي هو الإسلام؛ فمن قال ذلك للمشركين ظاهراً، في مجالسهم ومحافلهم وغشاهم به، فقد أظهر دينه" [ الدرر السنية ].

إلى أن قال: "فمن صرح لهم بذلك، فقد أظهر دينه وصرح بالعداوة؛ وهذا هو إظهار الدين، لا كما يظن الجهلة، من أنه إذا تركه الكفار، وخلوا بينه وبين أن يصلي، ويقرأ القرآن، ويشتغل بما شاء من النوافل، أنه يصير مظهراً لدينه. هذا غلط فاحش؛ فإن من يصرح بالعداوة للمشركين، والبراءة منهم، لا يتركونه بين أظهرهم، بل إما قتلوه، وإما أخرجوه إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، كما ذكره الله عن الكفار. قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}، وقال، إخباراً عن قوم شعيب: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}. وذكر عن أهل الكهف، أنهم قالوا: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً}. وهل اشتدت العداوة بين الرسل وقومهم، إلا بعد التصريح بمسبة دينهم، وتسفيه أحلامهم، وعيب آلهتهم؟" [ الدرر السنية ].

فالمسألة كلها في إظهار العداوة، ولأجلها هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته.

قال عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "ولولا التصريح بالعداوة من المهاجرين الأولين، ومباداة قومهم بإظهار الإسلام وعيب ما هم عليه من الشرك وتكذيب الرسول، وجحد ما جاء به من البينات والهدى؛ لما حصل من قومهم من الأذية والابتلاء والامتحان، ما يوجب الهجرة واختيار بلد النجاشي وأمثالها من البلاد، التي تؤمن فيها الفتنة والأذية. فالسبب والمقتضي لهذا كله ما أوجبه الله من إظهار الإسلام، ومباداة أهل الشرك بالعداوة والبراءة؛ بل هذا هو مقتضى كلمة الإخلاص، فإن نفي الإلهية عما سوى الله صريح في البراءة منه، والكفر بالطاغوت، وعيب عبّاده وعداوتهم ومقتهم. ولو سكت المسلم ولم ينكر، كما يظنه هذا الرجل، لألقت الحرب وعصاها ولم تدُرْ بينهم رحاها، كما هو الواقع ممن يدَّعي الإسلام وهو مصاحب ومعاشر لعباد الصالحين والأوثان والأصنام؛ فسحقاً للقوم الظالمين" [ مصباح الظلام ].

وأغلب الناس اليوم يجهلون وجوب العداوة، فقد قال ابن القيم: "عُبُودِيَّةَ الْمُرَاغَمَةِ، وَلَا يَنْتَبِهُ لَهَا إِلَّا أُولُو الْبَصَائِرِ التَّامَّةِ، وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ مُرَاغَمَةِ وَلِيِّهِ لِعَدُوِّهِ، وَإِغَاظَتِهِ لَهُ. وَقَدْ أَشَارَ سُبْحَانَهُ إِلَى هَذِهِ الْعُبُودِيَّةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً}؛ سَمَّى الْمُهَاجِرَ الَّذِي يُهَاجِرُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ مُرَاغِمًا يُرَاغِمُ بِهِ عَدُوُّ اللَّهِ وَعَدُوُّهُ، وَاللَّهُ يُحِبُّ مِنْ وَلِيِّهِ مُرَاغَمَةَ عَدُوِّهِ، وَإِغَاظَتَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، وَقَالَ تَعَالَى فِي مِثْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتْبَاعِهِ {وَمَثَلُهمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}؛ فَمُغَايَظَةُ الْكُفَّارِ غَايَةٌ مَحْبُوبَةٌ لِلرَّبِّ مَطْلُوبَةٌ لَهُ، فَمُوَافَقَتُهُ فِيهَا مِنْ كَمَالِ الْعُبُودِيَّةِ. وَشَرَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُصَلِّي إِذَا سَهَا فِي صِلَاتِهِ سَجْدَتَيْنِ، وَقَالَ «إِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً كَانَتَا تُرْغِمَانِ أَنْفَ الشَّيْطَانِ»، وَفِي رِوَايَةٍ «تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ»، وَسَمَّاهَا الْمُرْغِمَتَيْنِ. فَمَنْ تَعَبَّدَ اللَّهَ بِمُرَاغَمَةِ عَدُوِّهِ، فَقَدْ أَخَذَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ بِسَهْمٍ وَافِرٍ" [ مدارج السالكين ].

فخلاصة الكلام أن من استطاع إظهار الكفر بالطاغوت والعداوة لكفار بلده والإنكار عليهم فيما هم واقعون فيه من الكفر والضلال، وكانت له منعة وقوة فلا يستطيعون منعه من معاداتهم، فالهجرة في حقه مستحبة، أما المستضعف الذي لا يستطيع إظهار عداوة الطواغيت وأتباعهم ولا يستطيع الإنكار عليهم خوفاً من السجن -مثلاً- فالهجرة في حقه واجبة؛ { وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً }.

وليحذر المستضعف في دار الكفر من الوعيد الشديد في قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }.

وأما من لا يستطيع الهجرة فقد رخص الله له التقية بأن لا يظهر عداوة الكفار خوفاً منهم، فقد قال تعالى: { إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ }.

قال البغوي: "إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ غَالِبِينَ ظَاهِرِينَ، أَوْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ يَخَافُهُمْ فَيُدَارِيهِمْ بِاللِّسَانِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَحِلَّ دَمًا حَرَامًا أَوْ مَالًا حَرَامًا، أَوْ يُظْهِرَ الْكُفَّارَ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّقِيَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ خَوْفِ الْقَتْلِ وَسَلَامَةِ النِّيَّةِ" [ تفسير البغوي ].

قال سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "{إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} وهو: أن يكون الإنسان مقهورًا معهم لا يقدر على عداوتهم، فيظهر لهم المعاشرة وقلبه مطمئن بالبغضاء والعداوة، وانتظار زوال المانع، فإذا زال رجع إلى العداوة والبغضاء" [ الدرر السنية ].

وبالله التوفيق.

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام