ما هو موقف الإمام أحمد من اللفظية ودلالته على ذم متأخري الأشعرية؟
اللفظية فرقة من الجهمية قالوا بأن القرآن الذي في الأرض مخلوق وأثبتوا قرآنا في السماء ليس كذلك، وزاد الكلابية أنهم نفوا كلام الله بالحرف والصوت فنفوا حقيقة الكلام، أما اللفظية الأولى فما كانوا كذلك.
فقالوا أن الذي في الأرض فعل المخلوق فحسب ولا فعل للخالق، بيد أن القرآن إذا تلي فهناك أصل القرآن وهو فعل الخالق وفعل العبد، ولهذا أبى أحمد قولهم لفظي بالقرآن مخلوق لأن فعل الخالق لا يكون كذلك، وأبى لفظي بالقرآن غير مخلوق لأن فعل العبد لا يكون كذلك، بل التفصيل هو الصواب.
واستدل عليهم بنصوص تكشف حقيقة مقالتهم كاستدلاله بقوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله}[التوبة] وحديث «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام البشر» فعلم أن لله في الأرض كلام.
أطلق السلف تجهيم اللفظية ولكنهم فرقوا بين عالمهم وجاهلهم (وهذا في كلام أحمد واضح) وأما الكلابية شيوخ الأشعرية فحالهم أشد إذ نفوا الحرف والصوت فنفوا حقيقة الكلام، وهم مصرحون بنفي الأفعال الاختيارية.
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (12/ 421): "وأما البدعة الثانية -المتعلقة بالقرآن المنزل تلاوة العباد له- وهي "مسألة اللفظية" فقد أنكر بدعة "اللفظية" الذين يقولون: إن تلاوة القرآن وقراءته واللفظ به مخلوق أئمة زمانهم جعلوهم من الجهمية وبينوا أن قولهم: يقتضي القول بخلق القرآن وفي كثير من كلامهم تكفيرهم. وكذلك من يقول: إن هذا القرآن ليس هو كلام الله وإنما هو حكاية عنه أو عبارة عنه أو أنه ليس في المصحف والصدور إلا كما أن الله ورسوله في المصاحف والصدور ونحو ذلك".
تأمل قوله (وفي كثير من كلامهم تكفيرهم)
ونقل ابن تيمية عن الكرجي قوله: "وقد افتتن أيضا خلق من المالكية بمذاهب الأشعرية، وهذه والله سبة وعار وفلتة تعود بالوبال والنكال وسوء الدار على منتحل مذاهب هؤلاء الأئمة الكبار فإن مذهبهم ما رويناه: من تكفيرهم: الجهمية والمعتزلة والقدرية والواقفية وتكفيرهم اللفظية" وأقره.
هذان النقلان مجهولان لا يُذكران في أكثر الأبحاث الدارجة، وإنما يتم تداول النص الآتي كما في مجموع الفتاوى: "ولهذا عامة كلام أحمد إنما هو يجهم اللفظية لا يكاد يطلق القول بتكفيرهم كما يطلقه بتكفير المخلوقية وقد نسب إلى هذا القول غير واحد من المعروفين بالسنة والحديث: كالحسين الكرابيسي ونعيم ابن حماد الخزاعي والبويطي والحارث المحاسبي ومن الناس من نسب إليه البخاري".
فهذا النص إذا نظرت إليه لوحده ستظن أن أحمد لا يكفر اللفظية أصلاً وهذا غير صحيح، فقد تقدم كلام الشيخ وكلمة أحمد مشهورة نقلها الشيخ وغيره (من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع) ففرق بين الجهمي والمبتدع، وهذا يدل على أن الجهمي عنده أعلى من المبتدع.
وإنما قصد الشيخ أنه يطلق التكفير ولكنه لا يجعله مثل إطلاقه على المخلوقية، ويا ليت شعري عادة من يُنقل هذا النص حتى المخلوقية لا يقبل القول بإطلاق تكفيرهم ولا تكفير أعيانهم، وكذلك منكر العلو الذي هو أشد من كل هؤلاء لا يطلق القول بتكفيرهم ولا يكفر أعيانهم، فما فائدة الاستدلال بنص يقول أن الإمام أحمد كان يطلق تكفير المخلوقية وأنت من هم شر من المخلوقية وهم نفاة العلو لا تقبل إطلاق تكفيرهم!
والآن لنأتي لنصوص أحمد في اللفظية، فالمرء يعلو بسنده ولا يقلد:
قال الخلال في السنة 2109- سمعت أبا بكر المروزي يقول: أتيت أبا عبد الله ليلة في جوف الليل فقال لي: يا أبا بكر، بلغني أن نعيما كان يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فإن كان قاله فلا غفر الله له في قبره.
فقول أحمد (فلا غفر الله له في قبره إن كان قالها) شديد جداً، واليوم الجهمي الذي ينكر الحرف والصوت بل وينكر العلو بل ويقول بالشرك فهو رحمه الله والإمام ونمتحن المسلمين به، علماً أن نعيماً بريء من هذه التهمة وقد ذكر الخلال ذلك وذكر تفصيله الموافق لكلام أحمد.
وفي رواية المروذي قلت لأبي عبد اللَّه: إن الكرابيسي يقول: من لم يقل: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر؟ قال: بل هو كافر، وقال: مات بشر المريسي وخلفه حسين الكرابيسي. (ومن نسب للكرابيسي أنه قال القرآن كلام حيثما اتجه فتلك رواية غالطة، وقد حقق هذا صاحب كتاب الأشاعرة في الميزان).
وكفر الإمام أحمد صاحبه أحمد الشراك لما أظهر القول باللفظ، وقال في هشام بن عمار لما أظهر القول باللفظ: "إن صلوا خلفه فليعيدوا الصلاة" نقله الذهبي في الميزان.
فهذه أحكامه في أربعة ذُكر عنهم اللفظ، واحد دعا عليه بعدم المغفرة، والثاني كفره صراحة، والثالث كذلك، والرابع أمر بإعادة الصلاة خلفه مع إطلاقه القول بتجهيم من قال هذه المقالة وتكفيرهم، وقوله أن من كتب الحديث منهم شر من الجهمي.
وهؤلاء مقالتهم أهون من مقالة الكلابية التي وصف الإمام الواقعين فيها بالزنادقة، ومقالة الكلابية أهون من مقالة متأخري الأشاعرة خصوصاً نفاة العلو.
=
> كناشة أبي الخليل:
=
وقد قرأت كلاماً لبعض المعترضين يقول فيه أن المعلوم من الدين بالاضطرار عند ابن تيمية نسبي! يختلف بحسب الزمان والمكان وفي هذا يدخل قوله في العلو.
طيب لا بأس؛ ولذلك علماء الأشاعرة عندكم على مدى عشرة قرون ما قامت الحجة على أي واحد منهم، والأصل في المعلوم من الدين بالاضطرار أنه خفي في حقهم! ولا أدري كيف معلوم من الدين بالاضطرار وخفي على العلماء والجهال قروناً طويلة! ويسردون لك أسماء العلماء الأجلاء الذين خالفوا المعلوم من الدين بالاضطرار وهم أولياء لله لا يجوز عليهم تبديع ولا تكفير وهم معذورون تماماً، وأما من أخذ بإطلاقات السلف فليس معذورا، وحين نقول أنهم داخلون في السفسطة يغضبون.
وآخر جادت قريحته بإلزام لوذعي، وهو إلزام دارج عندهم أن السلف أطلقوا تكفير من لا يكفر القائل بخلق القرآن فلماذا لا تكفرون العلماء الذين يفرقون بين الإطلاق والتعيين؟
وهذا الجدل البارد كان سبباً في تخريج الغلاة، فالقوم أقاموا عذر الجهمية وفتنوا الشباب الذي يريد الاتباع للسلف وأدخلوهم في الغلو، ومعلوم أن العالم الذي يفرق بين الإطلاق والتعيين لا يقال عنه لا يكفر بل هو مكفر لأنه يكفر المقالة ويكفر الأفراد الذين قامت عليهم الحجة، وقيام الحجة ليس كعنقاء المغرب أو الغول بل شيء منتشر وفاش والحمد لله، والتفريق بين الإطلاق والتعيين بأي ضابط شيء ووجود كفر أكبر لا يكفر به أحد شيء آخر تماما، أو كفر أكبر العالم المعين الواقع فيه محنة نمتحن به أهل الإسلام ونبدعهم مع اقرارنا أنه وقع بالكفر الأكبر.
ولكن تأمل في بدعة الجهمية كيف أنها من شدة ظهور مخالفة الواقعين فيها تكلم السلف في تكفير من لم يكفرهم (إذا كان من أهل العلم والفهم كما في عقيدة الرازيين وغيرها) وابن تيمية نفسه نقل روايتين عن أحمد في تكفير من لا يكفر الجهمية ورجح عدم التكفير ولا ينقل الخلاف في تكفير نفسه!
فأنت قد تكفر إنساناً وتكون المسألة خلافية كخلاف الناس في الطائفة الممتنعة.
وقد تكفره وترمي مخالفك بالإرجاء وهذا تبديع، ولكن أن تكفره ثم تكفر من لا يعد قوله كفراً فهذا معناه أن المسألة الأصل فيها الظهور الشديد إلى درجة الانتقال إلى المرتبة الثانية من التكفير.
لا أن تصير هذه المسائل الأصل في العلماء الواقعين فيها على مدى قرون متتابعة أنهم جهال معذورون متأولون خفي عليهم الحق، وعذرهم برهان ملزم من يخالفه نرميه بالغلو وهم أئمة، فالذي وقع في الكفر في ذات الله ولم يقع عليه معذور، ومن خالف في صفة إنسان نحكم عليه بحكم شديد ثم يقولون أنهم ليسوا متأثرين بالإنسانوية.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام