ما هو كتاب تَوْعِيةُ الرَّعِيَّةِ بالسَّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّة ؟
كتاب تَوْعِيةُ الرَّعِيَّةِ بالسَّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّة
مقدمة
الحمد الله مظهر الدين ولو بعد حين، والصلاة والسلام على القوي الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد:
فعن حذيفة بن اليمان رَضِي الله عَنْهُ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضًاً فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبريةً فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت).
وقد عاش الناس في هذا العصر تحت حكم المُلكِ الجبري، الذي تسلّط فيه الأشرار بقوة الحديد والنار، فحكموا القوانين الكفرية، وفرضوها على البرية.
غير أن أتباع النبي و الممتثلين لأمره، الموقنين بخبره قد أعدوا العدة، وحاربوا طواغيت الملك الجبري بشدَّة، ولم يعطوا الدنية في الدين، حتى رأوا الفتح المبين، وأعادوا الخلافة بدمائهم وأشلائهم.
ومَنْ طَلَبَ الفتح الجليل فإنَّما مفاتيحه البيضُ الخفافُ الصوارِمُ ولكي تكون الخلافة خلافة على منهاج النبوة؛ لا بد أن تُحكم بآي الكتاب وأحاديث السنة النبوية، وتُساس - في كل صغيرة وكبيرة- بالسياسة الشرعية، لذا فقد قمنا بوضع هذا المختصر، ليكون عونا للراعي والرعية، ووسمناه بـ: "تَوْعِيةُ الرَّعِيَّةِ بالسَّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّة".
نسأل الله أن يكتب له القبول والانتشار، وأن يجعله نبراساً على مر العصور - للأخيار ، اللهم آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
تمهيد في معنى السياسة الشرعية
السياسة في اللغة:
تدور معاني السياسة حول القيام على الشيء وتدبيره والتصرف فيـه بـما يُصلحه، جاء في المعجم الوسيط : (ساسَ الناس سياسة: تولى رياستهم وقيادتهم، والدواب راضها وأدبها ، والأمور : دبَّرهـا وقام بإصلاحها فهـوسائس).
السياسة في الاصطلاح:
قد درج الفقهاء على تقسيم السياسة إلى قسمين:
سياسة ظالمة، فالشرع يحرمها.
وسياسة عادلة، تُخرج الحق من الظالم، وتدفع كثيراً من المظالم، وتردع أهل الفساد، ويُتوصل بها إلى المقاصد الشرعية.
فالسياسة الشرعية: هي السياسة العادلة التي تعمل على إقامة دين الله في الأرض، وإصلاح أحوال الناس في أمور دينهم حتى تكون كلمة الله هي العليا، ويُقام العدل بين الناس، وتُحكَمَ شريعة الإسلام في جميع شؤون الحياة، وتعمل على إصلاح أحوال الناس في أمور دنياهم، وتدبير شؤون معاشهم، قال تبارك وتعالى: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَأَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَا لْحِسَابِ) [ص: ٢٦].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: (هذه وصية من الله عزّ وجلّ لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل مِنْ عنده تبارك وتعالى، ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله، وقد توعد تبارك وتعالى من ضلَّ عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد).
وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَاناتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [النساء: ٥٨].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رَحِمَهُ اللهُ: (نزلت الآية في ولاة الأمور؛ عليهم أن يُؤدُّوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل).
وقال: (فالمقصود الواجب بالولايات إصلاح دين الخلق، الذي إذا فاتهم خسروا خسراناً مبينا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم).
ولما كانت هذه السياسة وهذا المقصد العظيم لا يتم ولا يقوم حقّ القيام إلَّا بقوة وإمارة، ودولة وولاية؛ كان لا بدَّ مِن نصب الإمام، وإقامة الدولة المسلمة لحماية الدين وسياسة الدنيا به والدلائل على أهمية ذلك ووجوبه متعددة لاتخفى، نعرج على شيء منها في الباب التالي - إن شاء الله تعالى.
#الباب_الأول الدولة الإسلامية
تمهيد
الدولة الإسلامية:
هي مجموعة الإيالات -السياسات تجتمع ؛ لتحقيق السيادة على أقاليم معينة لها مستوطنوها، فيكون الحاكم أو الخليفة أو أمير المؤمنين، على رأس هذه السلطات، وهذا هو المقصود باستعمال مصطلح "دولة" عند من استعمله من فقهاء السياسة الشرعية، أو الأحكام السلطانية، ونتيجة لذلك يمكن القول: إنَّ الدولة تقوم على ثلاثة أركان: الدار، والرعية، والمنعة.
وتتألف الدولة من مجموعة مِنَ النُّظم والولايات بحيث تؤدي كلُّ ولاية منها وظيفةً خاصة مِنْ وظائف الدولة، وتعمل مجتمعةً لتحقيق مقصد عام، وهورعاية مصالح المسلمين الدينية والدنيوية.
#فصل أهمية الدولة الإسلامية ووجوب إقامتها
أهمية إقامة الدولة الإسلامية:
إنَّ الهدف الأسمى الذي أرسل الله رسوله من أجله هو تعبيد الناس لربهم، قال الله تعالى ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦]، والعبادة في حقيقتها تجريد خضوع الإنسان لربه، وتحرير له مِنَ الخضوع والخنوع لسيطرة كل ما سوى الله تعالى، وهذه هي حقيقة "لا إله إلا الله " فهي تُخلّص الإنسان -بإيمانه بها - من أسباب الذل والعبودية، فالصراع بين الإيمان والكفر هو في حقيقته صراع على حق الله في أن يكون أمراً ناهياً في الأرض: ﴿ وَهُوَ الَّذِى في السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهُ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ } [الزخرف: ٨٤].
ولا شك في أن تحقيق العبودية لله تعالى، وتحقيق دعوة الأنبياء لن تتم إلا بسلب البشر المتسلطين سيادتهم على الناس، وتجبُّرَهَم عليهم، ورد السيادة والسلطان لله وحده.
لذلك؛ فقد أمر الشرع بإقامة دولةٍ لتحقيق هذه الغاية العظيمة؛ لأنَّ مثل هذه الغاية لا تتحقق في الحياة مِنْ خلال السلوك الفردي، بل تحتاج لسلطة تحمي التوحيد وتنشره، وتطبق الحدود بقوة وسلطان.
وكما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (لا بد للناس من إمارة بَرَّةً كانت أو فاجرة)، قالوا يا أمير المؤمنين هذه البَرَّة عرفناها فما بال الفاجرة؟قال: (تقام بها الحدود، وتَأمَن بها السبل، ويُجاهد بها العدو، ويُقسم بها الفيء).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإنَّ بني آدم لا تـتـم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض). ويضيف معللاً ذلك: (لأنَّ الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه مِنَ الجهاد والعدل وإقامة الحج والأعياد ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، ولا تتم إلا بالقوة والإمارة)).
وجوب إقامة الدولة الإسلامية:
الحديث عن وجوب قيام دولة الإسلام مِنَ البَدَهيَّات الشرعية، ولكن مع اشتداد غربة هذا الموضوع يحسن أن نُورِد موجزاً مجمــلا مــن النصوص والإجماعات الدالة على ذلك.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٣٠].
قال الإمام القرطبي رحمه الله: ((هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يُسمع له ويُطاع لتجتمع به الكلمة وتنفُذُ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم، حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كلُّ مَنْ قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه)).
وقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: ٥٩].
قال الإمام ابن كثير رَحمَهُ اللهُ في تفسيره: (الظاهر - والله أعلم أنَّ الآية عامة في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء).
ووجه الدلالة من الآية: أنَّ الله أمر بطاعة أولي الأمر، والأمر دليل على الوجوب، والله تعالى لا يأمر بطاعة مَنْ لا وجود له، فتعين على الأمة نصبُ إمام لهم.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥].
ووجه الدلالة مِنَ الآية: أنَّ الله تعالى أمر رسله عليهم السلام ومن تبعهم أَنْ يقيموا العدل بين الناس على ما جاء في كتاب الله تعالى، ولا يكون ذلك إلا بقوة وسلطان، لذا بيَّن الله تعالى أنَّه أنزل الحديد، والآيات في ذلك كثيرة.
والواقع أنَّنا لو نظرنا إلى آيات الحدود والقصاص والأحكام المتعلقة بمصالح العباد، لرأينا أنه تتعين على الأمة إقامة دولة وإمام لهم.
ومن السنة ما روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر رَضِي اللَّهُ عَنْهُما أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية).
ووجه الدلالة من الحديث : أنَّ البيعة للإمام واجبة على المسلم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ لذا تعيَّن نصب الإمام على الأمة، وقد وقع الإجماع على وجوب نصب الإمام، ولم يخالف إلا بعض أهل البدع.
قال الإمام الهيتمي : (اعلم أيضاً أنَّ الصحابة أجمعوا على أنَّ نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات، حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ).
وقال الإمام ابن حزم رحمهُ اللهُ: (اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج، على وجوب الإمامة، وأنَّ الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله ﷺ، حاشا النجدات من الخوارج).
وقال الإمام الماوردي رحمه الله: (وعقدها أي الإمامة لمن يقوم بها واجب بالإجماع، وإن شذ عنهم الأصم).
#فصل
في طرق تنصيب إمام الدولة الإسلامية وشروط الإمام إجمالاً
لنصب إمام الدولة الإسلامية طريقان مجمع عليهما بين أهل العلم:
أولاهما: اختيار أهل الحل والعقد: وهم من تيسر اجتماعهم وحضورهم مِنَ العلماء والرؤساء ووجهاء الناس وأهل الشوكة، الذين يحصل باختيارهم وطاعتهم له المقصود من الإمامة، وهو القدرة والسلطان، ولهم شروط ليس هذا محل بسطها.
ثانيهما: عهد الإمام الذي قبله وهو ما يسمى بـ(الاستخلاف).
وهناك طريق ثالث مُجمع على انعقاد الإمامة به أيضاً، وهو إمامة المتغلب، إلَّا أنه ليس جادة أصلية أو طريقاً مأموراً به ابتداءً، إلا في حالات خاصة، قال أحمد بن حنبل رَحِمَهُ اللهُ: (ومن غَلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يبيت ولا يراه إماماً).
وقال الحافظ ابن حجر رَحمَهُ اللهُ: (وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب، والجهادِ معه، وأنّ طاعته خيرٌ من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء).
وقال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رَحِمَهُ اللَّهُ: (الأئمة مُجمعون مِنْ كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشياء).
أما شروط الإمام:
فقد قال الإمام بدر الدين بن جماعة رَحِمَهُ اللهُ مُجملاً لها: (أن يكون الإمام ذكرا، حُراً، بالغاً، عاقلاً، مسلماً، عَدْلاً شجاعاً، قُرَشِياً، عالماً، كافياً لما يتولاه من سياسة الأمة ومصالحها).
١. ذكراً_ ۲. حُراً_ ٣.بالغاً_ ٤.عاقلاً_ ٥.مسلماً_ ٦.عدلا_ ٧.شجاعاً_ ۸.قرشياً_ ٩.عالماً_١٠.كافياً لما يتولاه.
فإذا وجدت الدولة والإمامة على الوجه الشرعي، بلا قومية أو وطنية أو اعتراف بحدود دول طاغوتية - فضلاً عن احترامها - وبلا وجود أو طروء ما يقدح فيها، فلا يجوز إيجاد غيرها، وهذا ما يُسمى في اصطلاح الفقهاء "عدم جواز تعدد الأئمة".
#فصل في عدم جواز تعدد الأئمة
من المقاصد العظمى للإمامة اجتماع أمر المسلمين، لا التشرذم وتقاسم النفوذ والسلطة في العالم الإسلامي، وقد دلَّ الكتاب والسنة، وإجماع سلفِ الأمة على عدم جواز تعدد الأئمة تحقيقاً لهذا المقصد.
فمن ذلك قوله تعالى: (وَأَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران: ١٠٣]. وما في معناها من الآيات، ففيها الأمر بالوحدة والتضامن، والنهي عن التشتت والافتراق والاختلاف؛ لما ينجم عن ذلك عادةً من التنازع والفشل الممقوت، فتدلُّ على وجوب وحدة الأمة الإسلامية وتضامنها، وذلك لا يتأتى إلا إذا كان إمامها واحداً، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ومن السنة: ما رواه أبو سعيد الخدري رَضِي الله عَنْهُ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: <<إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما>>، فالأمر بقتل الآخر يدلُّ على تحريم نصبِ إمامين في آن واحد، لأنَّ القتل لا يكون إِلَّا عَن كبيرة يتفاقم خطرها.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رَضِي الله عَنْهُمَا أنَّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من بايع إماماً، فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر...».
وقال أبو حازم: قاعدتُ أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خَلَفه نبي، وأنَّه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر»، قالوا : فما تأمرنا؟ قال: «فوا ببيعة الأوَّل فالأول، وأعطوهم حقهم، فإنَّ الله سائلهم عما استرعاهم».
قال الإمام الماوردي رَحِمَهُ اللَّهُ: (فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد، فلا يجوز إجماعاً) ا.هـ (٢).وقال أيضاً: (وإذا عُقدت الإمامة لإمامين في بلدين لم تنعقد إمامتهما؛ لأنَّه لايجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد، وإن شذ قوم فجوزوه) ا. هـ (۳).
وقال الإمام ابن حزم رحمه الله: (ثم اتفق من ذكرنا ممن يرى فرض الإمامة على أنَّه لا يجوز كونُ إمامين في وقت واحد في العالم، ولا يجوز إلا إمامة واحدة)ا. ھ (٤).
وقال الإمام النووي رَحِمَهُ اللهُ: (اتفق العلماء على أنَّه لا يجوز أَنْ يُعقد لخليفتين في عصر واحد، سواءً اتسعت دار الإسلام أم لا) ا.هـ(٥).
#فصل
في معنى البيعة
البيعة:
مصدر بايع فلان الخليفة، ومعناها المُعاقدة والمعاهدة، قال العلامة ابن منظور رحمه الله: (والبيعة:.... عبارة عن المعاقدة والمعاهدة، كأنَّ كلَّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره)(١).
وقال العلامة ابن خلدون رَحمَهُ اللهُ: (اعلم أنَّ البيعة هي: العهد على الطاعة كأنَّ المبايع يعاهد أميره على أنَّه يُسَلَّم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلّفه به من الأمر على المنشط والمكره)ا.ھ (۲).
إذن البيعة هي العهد الذي يُعطى للإمام الشرعي وخليفة المسلمين على السمع والطاعة، وهذا المعنى هو الذي تنصرف إليه ألفاظ البيعة إذا أُطلقت.
وفي البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت رَضِي الله عَنْهُ قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم مِنَ الله فيه برهان»، وفي رواية: (وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، وألا نخاف في الله لومة لائم)(۳).
شرح مفردات البيعة:
قوله: (في العسر واليسر): يعني سواءً كنا مُعسرين في المال أو كنا ميسرين، يجب علينا جميعاً أغنيائنا و فقرائنا أن نطيع ولي أمرنا ونسمع له.
قوله: (والمنشط والمكره) يعني سواءً كنا كارهين لذلك؛ لكوننا أُمرنا بما لا نهواه ولا نريده، أو كنا نشيطين في ذلك، لكوننا أمرنا بما يلائمنا و يوافقنا، قال الإمام النووي رحمهُ اللهُ في شرح صحيح مسلم : (قال العلماء معناه تجب طاعة ولاة الأمور فيما يَشُقُ وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة) ا.ه
قوله: (وعلى أثرة علينا) والأثرة هي: (الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم) أي: اسمعوا وأطيعوا وإن اختصَّ الأمراء بالدنيا، ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم.
قوله: (إلا أن تروا كفراً بواحاً): قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٍ: (أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْإِمَامَة لَا تَنْعَقِد لِكَافِرٍ، وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْكُفْرِ انْعَزَلَ)، وقال: (فَإِنْ لَمْ يَقَع ذلِكَ - أي القدرة على خلعه - إِلَّا لِطَائِفَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِيَامِ بِخَلْعِ الْكَافِرِ).
وهذا الحديث في الحثّ على السمع والطاعة في جميع الأحوال، وسببها اجتماع كلمة المسلمين، فإنَّ الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم".
حكم نكث البيعة:
قد وردت نصوص كثيرة في وجوب الوفاء بعهد وبيعة الإمام وتحريم نكثها إلا أن نرى كفراً بواحا، وأنَّ ذلك أمر خطير وذنب من أكبر الذنوب، قال تعالى:﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1]، وقال تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النحل: ٩١].
وعن ابن عباس رَضَي الله عَنْهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنَّه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة الجاهلية»، قال ابن أبي حمزة: (المراد بالمفارقة السعي إلى حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير) ا.هـ.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عَنْهُما أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر»(۲).
وعن أبي حازم رَضِي الله عَنْهُ قال : قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنَّه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر»، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله ﷺ؟
قال: «فوا ببيعة الأوّل فالأول، وأعطوهم حقهم، فإنَّ اللهَ سائلُهم عما استرعاهم»(۱).
وعن ابن عمر رَضِيَ الله عَنْهُما عن النبي ﷺ قال : «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية» (٢).
#فصل
في أسماء الدولة وأسماء إمامها في الاصطلاح الشرعي
إنَّ الولاية على الوجه المذكور في الفصول السابقة، وإنَّ الدولة التي تقدم توصيفها - فيما سبق - تُسمى في الاصطلاح الشرعي بعدة أسماء، فتُسمى "إمامة عظمى"، و "إمامة كبرى" و "خلافة" و "إمارة"، ويُسمَّى القائم عليها "إماماً" و "خليفة" و "أمير المؤمنين" و "ولي الأمر".
قال الإمام ابن جماعة رَحِمَهُ الله: (الإمارة قسمان : عامة وخاصة، أما الإمارة العامة فهي الخلافة المنعـوتُ صاحبها بأمير المؤمنين، وأول مَنْ نُعِـت بـه مِنَ الخلفاء: عمر بن الخطاب لما ولي الخلافة، فصارت سنة الخلفاء خاصة)، وقال رَحِمَهُ اللهُ: (ومن عُقدت له البيعة جاز أن يسمى خليفة، وأن يقال خليفة رسول الله، لأنَّه خليفةٌ في أمته) ا.هـ.
وقال الإمام النووي رحمه الله: (يجوز أن يقال للإمام: الخليفة، والإمام، وأمير المؤمنين) ا.هـ (٢)، وقال الإمام الماوردي رحمه الله: (الإمامـة مـوضـوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به) ا.هـ (۳).
وبين العلامة ابن خلدون رَحِمَهُ اللهُ: أنَّ طريقة الحكم إذا كانت مبنية على (حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية) فهي الخلافة (وهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به)، ثم قال : (وتسمى خلافة وإمامةً، والقائم بها خليفة وإماماً) ا.هـ(٤).
#الباب_الثاني
الطوائف الخارجة على الإمام
من أهم ما ينبغي أن يتعلمه المجاهدون عامة وجنود الدولة الإسلامية خاصة؛ هو أحكام الطوائف ذاتِ الشوكة الخارجة على الإمام المسلم، وذلك لأنهم عُرضة لقتال من يقاتل دولتهم منها، فكان لزاماً أن يُحيطوا بماهيات هذه الطوائف، وأهم مسائلها؛ ليكونوا على هدى وبصيرة من أمرهم، ولكي لا يقع في التعامل مع تلك الطوائف خلل ناتج عن الجهل.
#تمهيد
في السمع والطاعة وذكر بعض واجبات الإمام وحقوقه
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: ٥٩].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي)، وعنه رَضِي الله عَنْهُ قال : قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ في عُسْرِكَ ويُسْرِكَ وَمَنْشَطِكَ ومَكْرِهِكَ وأَثَرَةٍ عَلَيْكَ»(۲).
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَاطَاعَةَ » (۳).
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: «إنَّ خليلي أوصاني أن أسمع وأُطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف»(۱)، وعند البخاري: «ولو لحبَشِيٌّ كأَنَّ رَأسَهُ زبيبةٌ».
وعن حذيفة بن اليمان رَضَي الله عَنْهُ قال: كان الناسُ يَسألون رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنتُ أسْأَلُه عن الشرِّ مَخافَةَ أن يُدرِكَني، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنا كُنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟، فقال: «نعم»، فقلتُ: هل بعد ذلك الشر من خير؟، قال: «نعم، وفيه دخَنُ»، قال: قلتُ وما دخنه؟، قال: «قوم يستنون بغيرِ سُنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرفُ منهم وتُنكِرُ»، فقلتُ: هل بعد ذلك الخير من شر ؟، قال: «نعم، دُعاةٌ على أبواب جهنَّمَ، من أجابهم إليها قذفوه فيها»، فقلتُ: يا رسول الله صفهم لنا، قال: (نعم، قوم من جِلْدَتِنا، يتكلمونَ بألسِنَتِنا)، قلتُ: يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك؟، قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامَهُم» قلتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزِلْ تِلكَ الفِرَقَ كُلَّها، ولو أن تعضّ على أصل شجرَةٍ حتى يُدرِكَكَ الموتُ وأنتَ على ذلك»(۲).
وعن ابن عباس رَضِي الله عَنْهما قال: قال رسول الله : «مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه فليَصْبر، فإنه من فارق الجماعةَ شِبراً فمات، فميتته جاهلية»(۳)، وفي رواية: «فقد خلَعَ رِبْقَةَ الإسلامِ من عُنُقِهِ».
وعن عوف بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خيار أئمتكم الذينَ تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونَكُم، وتلعنونهم ويلعنونكم»، فقلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك؟، قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنَّ يداً من طاعة»(۱).
الحكمة من لزوم الجماعة وعدم الخروج على الأئمة وإن جاروا: أما لزوم طاعة الأئمة وإن جارُوا، فلأنه يترتب على الخروج عن طاعتهم مِنَ المفاسد أضعاف ما يحصل من جورِهِم، بل في الصبر على جـورهـم تكفير السيئات، ومضاعفة الأجور، ونقل صاحب الفروع عن الإمام أحمـد حـرمـة الخروج على الأئمة وإن جاروا، وأنَّ الخروج عليهم بدعة مخالفة للسنة(٢).
واجبات الإمام:
عند التأمل في واجبات الإمام على وجه الإجمال نجدها تدور حول أمرين: "حراسة الدين" و "سياسة الدنيا به "، وعند التفصيل -كما جاءت في كتـب السياسة الشرعية القديمة والحديثة فهي:
الواجب الأول: إقامة الدين كاملاً في جميع شؤون الحياة، والدعوة إلى دين الإسلام، وحفظ الدِّينِ ونصرته، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،والتصدي لأهل النفاق والبدع الذين يسعون إلى الإفساد في الأرض.
الواجب الثاني: الحكم بين الناس بالعدل، وفصل الخصومات، وأداء الحقوق إلى أهلها، ونصرة المظلوم، وتنفيذ أحكام القضاء.
الواجب الثالث: تحقيق الأمن في البلاد، وبسط نفوذ الدولة وسيطرتها على جميع أطراف البلاد؛ لمنع المفسدين والمعتدين من ترويع الآمنين والاعتداء عليهم، حتى ينعم الناس بنعمة الأمن في مساكنهم، وأعمالهم، وأسفارهم.
الواجب الرابع: الجهاد في سبيل الله، وإعــداد الـعـدة، وتصنيع الأسلحة بأنواعها، وتدريب الرجال البالغين القادرين على الجهاد، وتربيتهم التربية الإيمانية الجهادية؛ لحماية البلاد من الأعداء، وغزوهم في بلادهم.
الواجب الخامس: تقوية اقتصاد البلاد، وتوفيرُ سُبُلِ العمل والمعاش مِنْ زراعة وتجارة وصناعة وغيرها، وجباية الزكاة لبيت المال، وصرف المال العام في مصارفه الشرعية، وإعطاء الناس حقوقهم مـن بـيـت المـال كاملة، ومساعدةُ الفقراء والمحتاجين وتلبية حاجاتهم وتفقد أحوالهم، والرحمة بالرعية والرفق بهم الواجب السادس: تعيين الأمراء والوزراء والموظفين من الأمناء أهل النصح والإتقان في العمل الذين يؤتمنون على الدولة الإسلامية، ورعاية شؤون الناس، وحفظ المال العام.
الواجب السابع: أن يقوم الإمام بمتابعة أعمال الدولة، وألا يعوّل على غيره في إقامة شرع الله، وسياسة الدولة، وتصريف شؤونها، وتفقد أحوال البلاد والرعية، بل يقوم بنفسه بمتابعة الأعمال، وتسيير شؤون البلاد، وإقامة العدل بين الناس، ومحاسبة الأمراء والوزراء على أعمالهم، فإنَّ الذمة لا تبرأ بتشاغله وغفلته عما أوجب الله عليه، وقد قال عمر بن الخطاب رَضِي الله عَنْهُ: (لو ماتت شاة على شط الفرات لظننت أنَّ الله تعالى سائلي عنها يوم القيامة) ا.هـ، رواه أبو نعيم في الحلية (١).
حقوق الإمام:
إنَّ للإمام المسلم حقوقاً قد دلّ عليها الكتاب والسنة، وبسطت في كتب الأئمة، منها:
أولاً: طاعته في المعروف، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: ٥٩].
أخرج ابن جرير وغيره عن علي بن أبي طالب رَضِيَ الله عَنْهُ قال: «حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا له، وأن يُطيعوا ، وأن يُجيبوا إذا دُعُوا ) ا.هـ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، قد تقدم بعضها.
ثانياً: نصرته ومعاونته على البر والتقوى، وقد قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[المائدة: ٢].
وعن أبي بكر الصديق رَضِي الله عَنْهُ أنَّه قال في خطبة خلافته: (أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنِّي قَدْ وُلَّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوْمُونِي) ا.هـ(٢).
ثالثاً: النصيحة له، ففي صحيح مسلم عن تميمِ بنِ أَوْسِ الدَّارِي رَضَيْ الله عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ قَالَ: «لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ».
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرٍ، عَن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاتٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ، وَطَاعَةُ ذَوِي الْأَمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تَكُونُ مِنْ وَرَائِهِ) (۱).
رابعاً: احترامه وتوقيره وإكرامه، وقد قال ﷺ : «مَنْ أَهَانَ السُّلْطَانَ أَهَانَهُ الله» (۲)، وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ».
وعن معاذ رَضَي الله عَنْهُ قال: «عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمس مَنْ فعل منهن كان ضامناً على الله ؛ من عاد مريضاً، أو خرج مع جنازة، أو خرج غازياً في سبيل الله، أو دخل على إمام يريد بذلك تعزيره وتوقيره، أو قعد في بيته، فيسلم الناس منه ويسلم»(4).
خامساً: تحريم خيانتـه وغـشّـه والـغـدر بـه والخروج عليه، وقد تقدمت النصوص في ذلك.
#فصل
الطائفة الممتنعة
تعريفها:
هي جماعة تنتسب إلى الإسلام، ثم تمتنع بالقوة والشوكة عن التزام شريعة ظاهرة من شرائعه ولو أقرت بحكمها.
مثاله: كما لو امتنعت طائفةٌ عَن التزام أداء الزكاة، أو عن التزام الصيام، أو غير ذلك من شرائع الإسلام - ولو أقروا بوجوبها- ، أو لم يلتزموا ترك المحرمات الظاهرة كالربا والخمر والزنا –ولو أقروا بتحريمها- ولم نقدر على إلزامهم إلَّا بالقتال، أو يكونون ذوو قوة يمتنعون بها عن التزام الشرائع الظاهرة ولو لم يباشروا القتال فعلياً.
حكم الطائفة الممتنعة:
حكمها الردَّةُ والخروج عن الإسلام، والدليل إجماع الصحابة رضي الله عنهم المستند إلى الدليل، فقد سموا مانعي الزكاة بالمرتدين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وكفر هؤلاء، وإدخالهم في الرّدة قد ثبت باتّفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة) ا.هـ.
وقال أيضاً: (وَمِنْ أعظم ما يحلُّ الإشكال في مسألة التكفير والقتال، عمن قصد اتباع الحق: إجماعُ الصَّحابة على قتل مانعي الزكاة، وإدخالهم في أهل الردة)ا.هـ.
حكم قتال الطائفة الممتنعة:
لقد دل الكتاب والسنة والإجماع على وجوب قتال الطائفة الممتنعة، قال تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ [الأنفال: ٣٩]، فإذا كان بعضُ الدين لله، وبعضُه الآخر لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله.
وفي الصحيحين عن ابن عمرَ رَضِي الله عَنْهُمَا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أَنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله».
قال أبو بكر رَضَي الله عَنْهُ: (الزَّكاةُ حقُّ المال، والله لــو منـعــوني عناقــا كـانـوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها...) ا.هـ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأجمع العلماء على أنَّ كلَّ طائفة ممتنعة عن شريعةٍ متواترة مِنْ شرائع الإسلام فإنَّه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله كالمحاربين وأولى) ا.هـ(١).
فإذا كان هذا حكم الطائفة إذا امتنعت عن التزام شريعة واحدة من شرائع الإسلام، فكيف إذا امتنعـت عـن أكثـر مـن ذلـك؟، بـل كـيـف بـمـن يـعـلـن عـدم التزامه بشرع الله مِنْ خلال استبداله بقوانين ديمقراطية أو مبادئ وضعية؟!.
حكم أعوان وأنصار الطائفة الممتنعة:
حكم أعوان الطائفة الممتنعة هو حُكمُها سواءً بسواء، أي أنَّ حكمهم الردةُ والخروج عن الدين، ووجوب قتالهم، فإنَّ مَن يتولى طائفة فله حُكمُها.
قال الله تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيْءٍ ﴾ [آل عمران: ۲۸]، قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري رَحِمَهُ اللَّهُ: (فإنَّه مَن يفعل ذلك فليس مِنَ الله في شيء، يعني بذلك: فقد بَرِئَ مِنَ الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر) ا.هـ.
وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [المائــــــدة: ٥١]، وعن ابن عباس رَضِي الله عَنْهُما في تفسيرها: ({وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } أي: فَإِنَّه منهم في حكم الكفر) ا.هـ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والطَّائفة إذا انتصر بعضُها ببعض حتى صاروا ممتنعين فَهُم مشتركون في الثواب والعقاب... فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها، فيما لهم وعليهم... لأنَّ الطائفة الواحدة الممتنع بعضُها ببعض كالشخص الواحد) ا.هـ (۱).
وقال عن الطائفة الممتنعة أيضاً: ( وكلُّ من قفز إليهم من أمراء العسكر وغير الأمراء، فحكمه حكمهم، وفيهم من الرَّدَّة عن شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه من شرائع الإسلام، وإذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين -مـع كونهم يصومون ويصلون، ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين - فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلاً للمسلمين؟!) ا.هـ(۱).
حكم قتالهم وفيهم المكره:
تندرج تحت هذه المسألة حالتان:
أولاهما: أن لا نعلم أنَّ فيهم المكره، فهنا نعامِلُهم بالظاهر ونقاتلهم جميعاً وسرائرهم إلى الله، وهذا الحكم باتفاق أهل العلم(٢). ثانيهما: أن نعلم أنَّ فيهم المكره لكن لا نستطيع التمييز بينهم، فيجوز قتالهم أيضاً، إذ أنَّ التمييز بينهم أمر لا يطاق، ونحن لم نكلف إلا بما نطيق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رَحِمَهُ اللهُ: (فَالله تَعَالَى أَهْلَكَ الْجَيْشَ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَنْتَهِكَ حُرُمَاتِهِ الْمُكْرَهَ فِيهِمْ وَغَيْرَ الْمُكْرَهِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمْ مَعَ أَنَّهُ يَبْعَثُهُمْ عَلَى نِيَّاتِهِمْ، فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْمُجَاهِدِينَ أَنْ يُمَيِّرُوا بَيْنَ الْمُكْرَهِ وَغَيْرِهِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، بَلْ لَوْ ادَّعَى مُدَّعِ أَنَّهُ خَرَجَ مُكْرَها لَمْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَسَرَهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتَ مُكْرَهَا، فَقَالَ: أَمَّا ظَاهِرُكَ فَكَانَ عَلَيْنَا وَأَمَّا سَرِيرَتُكَ فَإِلَى اللَّهِ، بَلْ لَوْ كَانَ فِيهِمْ قَوْمٌ صَالِحُونَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، وَلَمْ يُمْكِنْ قِتَالهُمْ إِلَّا بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ لَقُتِلُوا أَيْضاً فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَوْ تَتَرَسُوا بِمُسْلِمِينَ وَخِيفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، إِذَا لَمْ يُقَاتِلُوا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ نَرْمِيَهُمْ وَنَقْصِدَ الْكُفَّارَ ، وَلَوْ لَمْ نَخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَازَ وَهِيَ أُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضاً فِي أَحَدٍ قَوْلَيَ الْعُلَمَاءِ، وَمَنْ قُتِلَ لِأَجْلِ الْجِهَادِ الَّذِي أَمَرَ الله بِهِ وَرَسُولُهُ هُوَ فِي الْبَاطِنِ مَظْلُومٌ كَانَ شَهِيداً، وَبُعِثَ عَلَى نِيَّتِهِ) ا.هـ(١).
كيفية قتال الطائفة الممتنعة:
الصفةُ التي تُقاتل عليها طوائف الامتناع هي الصفةُ التي يُقاتل عليها أهلُ الحرب من الكفار الأصليين؛ فيقتل أسيرهم، ويتبع مدبرهم، ويجهـز عـلى جريحهم، وتُغنم أموالهم (۲)، غير أنَّ الواحد منهم لو قُدر عليه قبل التوبة ثم تاب، فتوبته بينه وبين الله وحكمه في الدنيا القتل، بخلاف الكافر الأصلي.
أما مسألة سبي المرتدة ففيها خلاف قوي بين أهل العلم، ليس كحكم سبي الكافرة الأصلية.
#فصل
الطائفة الباغية
تعريفها:
هي طائفةٌ مِنَ المسلمين، ذاتُ شَوكة، تخرج بتأويل على الإمام المسلم الذي ثبتت إمامته، تبغي خلعه، أو لا ترتضي الدخول في طاعته، وتُسمى "أهل البغي"، وطائفة الإمام تُسمى "أهل العدل".
والتأويل: كأن يروا عليه ما يظنونه ظلماً، سواء أصاب ظنُّهم أم أخطأ، وقد قدَّمنا في التمهيد حرمة الخروج على الأئمة وإن جاروا.
حكم قتال البغاة:
العمدة في مشروعية قتال البغاة هي آية سورة الحجرات: (وَإِن طَائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩].
وذلك؛ لأنَّ الله جل شأنه قال: (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ)، فهذا أمر منه سبحانه وتعالى بقتال الفئة الباغية، وهو يقتضي الوجوب، والقتال هنا فرضُ كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وذلك؛ لأنَّه لو تُرك أهل البغي لسعوا في الأرض فساداً، و لأفسدوا على الناس أمور دينهم ودنياهم، فوجب قتالهم دفعاً للفساد على وجه الأرض ومنعاً لشرهم.
ولكن ينبغي أَنْ يُعلم أنَّ الله تبارك وتعالى قدم الأمـر بالـصــلـح قـبـل الأمـر بالقتال، فقال سبحانه: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) ، فإن أبــوا الصلح، ولم ترجع الفئة الباغية عما تعتقد من فساد الرأي والدين قوتلوا.
حكم المدبر والجريح من أهل البغي:
إنَّ الباغي إذا ترك قتال أهل العدل إما لجرح أصابه فعجز عنه، أو لهزيمة ألمت به، وفرَّ مِنْ أرض القتال، أو ترك السلاح لتبيُّن الحقِّ له، ورجوعه إلى السمع والطاعة، فإنَّه يحرم عند جمهور الفقهاء الإجهاز على جريحهم، واتباع مدبرهم، وهذا هو قول الحنابلة والشافعي وأبي حنيفة شريطة ألا ينهزموا إلى فئة، فإن انهزموا إلى فئة جاز عند الأحناف قـتـل مـدبـرهـم والإجهاز عـلـى جريحهم(1).
حكم أسير البغاة:
يحرم قتل أسير البغاة عند جمهور العلماء، سواء أكان للباغي فئة ينحاز إليها أم لا، وذلك لأنَّ الهدف مِنْ قتال أهل البغي دفعهم لا قتلهم، وقد اندفع شر الأسير بأسره وحصل المقصود، وعليه فيُحبَس حتى تنتهي الفتنة، ويُكرم في محبسه، ويُدعى إلى الحق لعل الله أن ينير قلبه، فإذا زالت الفتنةُ أُطلق سراحه مهما كان معه مِن مال.
حكم ما أُتلف من أموال البغاة، أو أُصيب من دمائهم أثناء القتال: لا خلاف بين أهل العلم في أنَّ كلَّ دم أو مال أصابه أهـل العـدل مـن أهـل البغي هدر، ولا ضمان عليهم فيما استهلكوه أثناء الحرب، لكن بعد الحرب لا يجوز أخذ أموالهم؛ لأنهم ما زالوا مسلمين.
هل تغنم أموال البغاة وتسبى ذريتهم؟
أجمع أهل العلم على عدم جواز ذلك؛ لأنهم مسلمون معصومون، وإنَّما أُبيح من دماء وأموال أهل البغي ما حصل مِنْ ضرورة دفعهم وقتالهم، وما عداه يبقى على أصل التحريم(١).
حكم قتال البغاة بما يَعُمُّ إتلافه :
لا يقاتل البغاة بما يعمُّ إتلافه، كالنار والمنجنيق والتغريق بالماء ومـا شـابه ذلك في العصر الحديث كالسيارات المفخخة وغيرها، إلَّا أن تدعو إلى ذلك ضرورة، كأن لا يمكن دفعهم إلَّا بذلك (٢).
حكم قتلى الطرفين: أما قتلى "أهل العدل" فإنَّهم شهداء جادوا بأنفسهم في حرب أمر الله بها (فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) ، ويُصنع بهم ما يُصنع بسائر الشهداء، فلا يغسلون ولا تنزع ثيابهم، بل يُدفنون فيها ولا يُصلى عليهم؛ لأنهم شهداء، وأما قتلى "أهل البغي"فهم قتلى فتنة مسلمون، ليسوا بشهداء، يُغسلون ويُكفَّنون ويُصلى عليهم.
#فصل
الطائفة المحاربة (قُطَّاعُ الطرق)
تعريفها:
طائفةٌ ذاتُ شوكة، تخرج في دار الإسلام مغالبة، لسلب الأموال، أو سفك الدماء، أو انتهاك الأعراض.
شروط الحرابة:
مجمل الشروط التي ذكرها الفقهاء فيمن يلحقه اسمُ الحرابة ستة شروط، إلَّا أنَّ بعضاً منها غير متفق عليه؛ وهي:
١. التكليف أي أن يكون بالغاً عاقلاً، وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء. ٢. التزام أحكام الشرع: أي أن يكون ملتزماً بأحكام الشريعة، سواءً كان مسلماً أم ذمياً، ولا يدخل المعاهد ولا المستأمن؛ لأنَّه متى فعل ذلك فقد نقض عهده.
٣. حمل السلاح: اشترط الحنفية والحنابلة أن يكون مع المحارب سلاح ولو حجارة أو عصا، وإلا لم يكن محاربــا، ولم يشترط المالكيــة والشافعية حمل السلاح، بل يكفي عندهم القهر والغلبة، ولو باللكز والضرب بجمع الكف(۳).
٤. البعد عن العمران: يعني أن يكونوا في صحراء بعيدة عن البنيان - أو نحو ذلك، وهذا مذهب الأحناف والحنابلة، لكنَّ الصحيح مذهب الجمهور، وهو عدم اشتراط ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وهـذا هـو الـصـواب، بـل هـم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء، لأنَّ البنيان محل الأمن والطمأنينة وتناصر الناس وتعاونهم، فإقدامهم عليه يقتضي شدة المحاربة والمغالبة) ا.هـ.
٥. المجاهرة: وهي أخذ المال ونحوه من المتاع جهراً لا خُفيةً؛ لأنَّ أخذه خفية يعد سرقة.
٦. الذكورة: لم يشترط هذا الشرط إلَّا الأحناف، أمَّا الجمهور فيرون أنَّا لمرأة إذا حاربت يكون حكمها حكم المحاربين(١).
عقوبة المحاربين:
لا خلاف بين الفقهاء في أنَّ عقوبة المحارب حد من حدود الله لا تقبل الإسقاط ولا العفو، ما لم يتوبوا قبل القدرة عليهم، والدليل قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤].
غير أن الفقهاء اختلفوا في هذه العقوبات أهي على التخيير أم التنويع؟ أي:هل الإمام مخير من هذه الأربع أم أنَّ كلا على حسب جرمه؟(۲)
فذهب الجمهور إلى أنَّ "أو " في الآية على ترتيب الأحكام وتوزيعها على ما يليق بها في الجنايات: فمن قتل وأَخَذ المال؛ قتل وصلب، ومَن اقتصر على أَحْذِ المال؛ قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، ومَنْ أخاف الطريق ولم يقتل ولم يأخذ مالاً؛ نُفي من الأرض، وهكذا.
الفرق بين الفئة الباغية والفئة المحاربة:
١. المحارب خرج فسقاً وعصياناً على غير تأويل، والباغي خرج بتأويل.
٢. المحارب خرج لأجلِ الدُّنيا، والباغي خرج لأجل الدين.
٣. المحارب خرج على الرعية، والباغي خرج على الإمام.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام