ما معنى قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ والرد على الشبهات ؟
شبهة: أن قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾
(النساء: ٦٥) نفيٌ لكمال الإيمان لا لأصله.
1- أنه لا يسلم لهم ذلك، فهذه الآية نفت الإيمان بالكلية عمَّن ترك الحكم وأعرض عنه، ولو أقرَّ به.
قال الجصّاص في الآية:
(في هذه الآية دلالة على أن من ردَّ شيئًا من أوامر الله تعالى وأوامر رسوله فهو خارجٌ من الإسلام، سواء رده من جهة الشكِّ فيه أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم، وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة وقتالهم).
(أحكام القرآن ٣/ ١٨١).
ويقول ابن حزم عن هذه الآية:
(فهذا هو النص الذي لا يحتمل تأويلاً، ولا جاء نصٌّ يخرجه عن ظاهره أصلًا، ولا جاء برهانٌ بتخصيصه في بعض وجوه الإيمان).
(الفصل ٣/ ٢٩٣).
وقال ابن تيمية عند هذه الآية:
(فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن).
(منهاج السنة ٥/ ١٣١).
ويقول ابن كثير:
(فدلَّ على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر).
كما يدل على هذا أيضًا سياق الآيات في السورة نفسها، وقبل هذه الآية بقليل، فإنها نافيةٌ لأصل الإيمان، ومشترِطةٌ لحصوله وجود التحاكم والردّ إلى حكم الله.
وذكرُ الإيمان باليوم الآخر في الآية يقطع شبهةَ القول بأنها نفيٌ لكمال الإيمان، لأنه شعبةٌ من شعب الإيمان الرئيسة، التي يزول بزوالها أصل الإيمان.
2- أن هذه الآية ليست الوحيدة في القرآن الدالّة على كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، فإذا فُرض أن هذه الآية تدل على نفي كمال الإيمان، فهناك آياتٌ أخرى صريحةٌ دلت على كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، والمشرِّع، ومن يتحاكم إليهم ويطيعهم.
ومن الآيات المفصّلة لأصل المسألة، قوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾
(النساء: ٦٠).
وإذا كان التحاكم إلى الطاغوت مناقضةً للكفر بالطاغوت الذي افترضه الله على العباد وأمرهم به، والذي هو من أصل دين الإسلام، فكيف بالحاكم نفسه!
فقد نصَّ القرآن العظيم على تكذيب إيمان من لم يكفر بالطاغوت، وأراد التحاكم إليه. فنحن نحكم ببطلان إيمان أمثال هؤلاء ظاهرًا وباطنًا، تصديقًا لله وإيمانًا بكلماته. ونكذِّب هذا المتحاكمَ إلى الطاغوت، ولو زعم الإيمان، ولو صرّح بأن الشريعة أفضل من دين الطاغوت، وأقرَّ بوجوب تحكيم الشرع.
أن نفي الإيمان أو الوعيد، الأصل فيه أنه لا يرد لأجل التقصير في كمال الإيمان، بل لا يكون إلا على انتقاض أصله. ولا يُصرف عن هذا الأصل إلا بصارفٍ شرعي، فأين الصارف لنفي كفر الحاكم، والأدلة قد تضافرت على كفره؟
إذا تقرر هذا، فإن المعروف المقرَّر عند أهل العلم: أن الأصل في الألفاظ حقيقتها وظاهرها، ولا يُصرف اللفظ عن معناه الحقيقي الظاهر إلى المجاز إلا بدليلٍ واضح. مع الخلاف أصلًا: هل في القرآن مجاز أم لا؟
فإذا قلنا إن النفي ها هنا نفيٌ لحقيقة الإيمان، فهذا على الأصل، والمخالف للأصل هو المطالَب بالصرف عنه.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام